قال محللون إن التذبذبات الكبيرة في سعر الدولار بدأت تحدث تآكلاً في الكيان الاقتصادي العالمي. وسجل الدولار ارتفاعاً طفيفاً أمام سلة من العملات الرئيسية أمس بعد أن ذكر تقرير أن الحكومة البريطانية قد تلجأ إلى تأميم بنك نورذرن روك للقروض العقارية المثقل بالمشاكل مما ساهم في تخفيف مشاعر القلق في السوق إزاء أزمة أسواق الائتمان.
وجاء الارتفاع الأخير للدولار وسط تقارير تحدثت عن آثار ضخمة خلفتها تداولاته على العملات الآسيوية المرتبطة به. وقلص الجنيه الاسترليني خسائره أمام الدولار وارتفع مقابل الين بعد أن قالت صحيفة ديلي تليغراف إن الحكومة البريطانية وضعت مسودة خطة لتأميم بنك نورذرن إذا أخفقت في التوصل إلى صفقة مع مشترين من القطاع الخاص.
وقال متعامل في مصرف ياباني كبير «لا نعرف بعد إلى أي حد ستساعد خطة الحكومة البريطانية في حل مشاكل الائتمان. لكن على الأقل دفع تقرير الصحيفة المستثمرين إلى الاعتقاد بان السلطات تأخذ خطوة نحو حل المشاكل».
وتعرض الدولار لضغوط هذا الأسبوع حيث أدى التوتر في أسواق المال قبل نهاية العام إلى تسليط الأضواء مرة أخرى على الولايات المتحدة كمصدر لمتاعب الأسواق. وهبط الدولار الاسترالي بعد أن أبقى بنك الاحتياطي الاسترالي أسعار الفائدة دون تغيير عند 675% مثلما كان متوقعا ولكن قال إن النمو العالمي قد يتراجع في عام 2008.
وفي أواخر معاملات آسيا ارتفع الدولار 5. 0% إلى 22. 110 ينات مع إقبال المستثمرين على بيع الين لجني أرباح بعد ارتفاع العملة اليابانية خلال اليومين الماضيين. وارتفع مؤشر الدولار الذي يقيس قيمة الدولار أمام ست عملات رئيسية 2. 0% إلى 775. 75.
وتراجع اليورو 1. 0% إلى 4752. 1 دولار بعد أن قفز في الأسواق الخارجية من 4635. 1 دولار. وهبط الجنيه الإسترليني 15. 0% إلى 0560. 2 دولار ولكنه ارتفع 3. 0% أمام العملة اليابانية إلى 65. 226 ينا.
وقال تقرير حديث إن استمرار البلدان الآسيوية في ربط عملاتها بالدولار مع خفض البنك الاحتياطي الأميركي قد يفاقم الضغوط التضخمية في تلك البلدان، ويقود إلى مشاكل اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة.
وفي هذا السياق، قال كلايدواردل من إتش إس بي سي، إن التضخم يبقى معضلة السياسة الأهم بالنسبة لبنوك الأسواق المركزية الناشئة، في ضوء دفع الأسعار إلى الأعلى الناجم عن كوابح الجانب التوريدي والطلب المتزايد، مضيفاً بأن معظم استجابات سياسات البنوك المركزية انحصرت في التشدد النقدي التقليدي والإجراءات الإدارية المحضة،
خصوصاً اشتراطات الاحتياطيات النقدية العالية. مرجحاً أن تتحول البنوك المركزية إلى عملاتها للمساعدة في خوض المعركة، لاسيما وأن البنك الاحتياطي الفدرالي، يخفض مساحات حرياتهم بخفضه لسعر الفائدة.
وقالت الصحيفة في تقريرها إن الاحتياطات النقدية الأجنبية كانت تنمو بمعدل خارق، فيما تتدخل البنوك المركزية الآسيوية للإبقاء على العملات، حسبما يعتقد الكثيرون، على انخفاض مصطنع مقابل الدولار، في وقت عززت فيه أسعار البترول المرتفعة، من الثروات في الدول الخليجية وروسيا.
لقد ارتفعت الاحتياطات العالمية من النقد الأجنبي، وفقاً لصندوق النقد الدولي من ترليوني دولار خلال الربع الثاني من عام 2002 إلى 7. 5 تريليونات دولار خلال الفترة ذاتها من هذا العام، وبالرغم من ذلك، فإن الصين التي توجّه سعر صرف عملتها مقابل الدولار، وبامتلاكها لأكبر احتياطي في العالم من العملات الصعبة 455. 1 مليار دولار،
تعرضت لضغوط متزايدة للسماح لعملتها بالتعويم بصورة أسرع مقابل الدولار، ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم، إن الصين أظهرت استعداداً للقيام بمثل تلك الخطوة في ضوء تآكل مخزونها من العملات، نتيجة لتدهور الدولار، حيث يعتقد أن 65% منه مودع بالعملة الأميركية.
وكان «وين جيباو»، قال الشهر الماضي، إن بلاده، لم تمر بمثل هذا الضغط، بشأن احتياطياتها من العملات، معرباً عن مخاوفه إزاء المحافظة على قيمتها. ومن جانبه قال هانز ديكر من «بي إن بي باريبا» إن هذا القول يشير إلى أن الصين، تجد صعوبة في توجيه احتياطياتها من العملات، وهو مؤشر واضح على رغبتها في تبطئة زيادة مخزونها.
وفي السياق ذاته، قال ميرزا بيج، خبير العملات في دويتشه بانك، في سنغافورة إن ثمة مخاطر متزايدة من عدم قدرة بنك الصين على دعم الدولار مقابل الرمبتي، عن طريق تدخلها المباشر. وقال إن كل مؤشر تمت مراقبته، يتحرك باتجاه يجعل التدخل في سعر الصرف الأجنبي أمراً صعباً.
وتابع بيج إن ازدياد التضخم والتسارع الحاد في وتيرة التدفقات يفرض ضغطاً أشد للتحول في النظام، أكثر من أي وقت في التاريخ. في غضون ذلك يقول محللون إن فيتنام تواجه أيضاً ضغوطاً تضخمية مماثلة، وإن تحولاً في السياسة للسماح للدونغ بالتعويم مقابل الدولار، قد يكون في الطريق.
وفي غير مكان فإن الضغوط على بنك الهند المركزي، لم تتراجع، بالرغم من ارتفاع 11% في قيمة الروبية حتى هذا الوقت من العام، مقابل الدولار، وعدة محاولات لتقييد التدفقات الرأسمالية. ولقد توقف الارتفاع في الروبية في أعقاب تدخل البنك المركزي.
غير أن محللين يقولون إن زيادة الضغوط التضخمية، قد تدفع الحكومة الهندية إلى السماح بمزيد من التعويم في العملة. ومن جهة أخرى يقول «واردل»، إنه من غير المحتمل أن يسمح بنك روسيا المركزي للروبل، بصرف أعلى مقابل سلته من الدولار واليورو، بالرغم من الضغوط التضخمية الهائلة.
وأضاف واردل إنه لا يتوقع خلال الفترة المتبقية من عام 2007 أن يعدل بنك روسيا المركزي سياسة صرف الروبل مقابل سلة الدولار واليورو. ورغم ذلك فإن هناك محللين أقل اقتناعاً بأن سلطة هونغ كونغ النقدية ستتخلى عن ربط هونغ كونغ بالدولار.
ويذكر أن دولار هونغ كونغ مربوط ب8. 7 دولارات هونغ كونغ، مقابل الدولار الأميركي، لكن تم السماح له بالصرف ما بين 75. 7 و85. 7 دولارات هونغ كونغ مقابل الدولار الأميركي. وكانت سلطة النقد، خضعت للاختبار في شهر أكتوبر عندما وصل دولار هونغ كونغ النهاية القصوى لحلقة صرفه، وهو الأمر الذي دفع السلطة إلى الدفاع عن الربط.
لماذا تتدحرج العملة الخضراء ؟
قالت مجلة فورتشن إن عوامل انخفاض سعر الدولار تتراكم من سنوات لكن تأثيرها لم يتضح إلا من وقت قريب. أهم هذه العوامل أن الأميركيين ينفقون أكثر مما يجنون ويستوردون من أنحاء العالم أكثر من صادراتهم إليه «وهذا يمثل العجز التجاري».
ويحدث ذلك عن طريق الترويج بين المستثمرين الأجانب للأصول الأميركية، مثل السندات الحكومية وسندات الشركات، أو احيانا أصول عينية، ودولة غنية مثل أميركا لا تستطيع أن تفعل ذلك لفترة طويلة،
لكن ينتهي الأمر بأن تتراكم الدولارات في دول العالم بأكثر من قيمة الأصول المقيمة بالدولار التي يريدون شراءها. وتشعر هذه الدول بالقلق من أي دولة بديون متراكمة، حتى أميركا قد تتعرض لإغراء رفع عملتها وتقلل هذه المخاوف من قيمة العملة.
وغالبا ما لا تأتي المصائب فرادى فلا عجب من أن الدولار يزداد سوءاً بسرعة وتتبعة الأسواق المالية، نحو الهبوط. ويسبب مصير الدولار قلقا بسبب دوره التاريخي كعملة الاحتياطي النقدي وأهميته الواضحة لأكبر اقتصاد في العالم. وحركة الدولار في ظل أسواق العالم المتداخلة أحيانا تكون السبب وأحيانا النتيجة، لكنه من الصعب أن تزداد قوة الدولار في المستقبل القريب.
ولأن أميركا تعاني عجزاً في الميزان التجاري خلال السنوات القليلة الماضية «700 مليار دولار العام الماضي» فقد تهيأت الأوضاع لهبوط الدولار، وما يحافظ على وضع الدولار على حافة الهاوية هو الفوضى والمخاوف من تراجع النمو الاقتصادي الأميركي.
وإذا اتضح أن الاقتصاد الأميركي يتراجع فسوف يتخلص المستثمرون من الأصول الأميركية، ويتحولون إلى الاستثمارات التي يجب شراؤها بعملات أخرى، وعندما يحاول بنك الاحتياطي الفيدرالي ضبط الاقتصاد بتخفيض سعر الفائدة، كما فعل مرتين من قبل، يجعل ذلك الدولار أقل جاذبية لأن المستثمرين يستطيعون الحصول على أسعار فائدة أفضل بعملات أخرى، مثل اليورو.
وما يثير أعصاب المستثمرين هو أن هذا الاتجاه يمكن أن يعزز نفسه. ودفعت الحكومة الصينية لبيع الدولار بكميات كبيرة عندما أعلنت أنها ستحول احتياطياتها الأجنبية جزئيا إلى عملات أخرى خلاف الدولار ـ إلى اليورو.
وتملك الحكومة الصينية احتياطيات مقدارها تريليون دولار ولذلك يمكن أن تؤثر خطواتها في السوق وتدفع الدولار إلى الهبوط، وتدفع حائزي الدولار إلى الانتقال إلى عملات أخرى. وحتى لو تجنبت أميركا هذا السيناريو من المتوقع أن ينخفض الدولار بشكل أكبر مستقبلا، على الأقل بما يتناسب مع اليوان الصيني والعملات الأخرى للدول النامية،
وقال الآن جرينسبان المحافظ السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي عندما تزداد سرعة ارتفاع مستوى معيشة الشعوب النامية على سرعة ارتفاع مستوى معيشة الأميركيين فسوف ترتفع عملاتها أمام الدولار. وقال إن الين الياباني كان بسعر 300 لكل دولار وانتهى إلى 100 لكل دولار «الآن حوالي 113 ينا»
ويستمر هذا الاتجاه حيث خسر الدولار في العام الماضي 13% أمام الروبية الهندية و 11% أمام بيزو كولومبيا مثلا وقد توقع وارين بكفين، المليونير الأميركي، أن يحدث ذلك، وبدأ بافيت في 2002 شراء عملات أجنبية ليراهن ضد الدولار، والعامل الرئيس الذي ذكره هو عجز الميزان التجاري، الذي ازداد سوءاً الآن، ويبدو أنه كان على حق.
ترجمة: وائل الخطيب واشرف رفيق
