هجرة العقول المفكرة من الظواهر الموغلة في القدم حيث تعود بداياتها إلى المراحل الأولى لتطور العلم. فلا يخلو زمان من هجرة العلماء على شكل فردي أحيانا وجماعي أحيانا أخرى لعلل شتي. ويمكن تقسيم مراحل الهجرة العالمية على مرحلتين.
الأولى بدأت منذ عام 1945 واستمرت حتى عام 1973 بسبب حاجة أوروبا الغربية إلى العمالة لتنشيط برامجها الإعمارية. وانتهت هذه المرحلة عام 1973 بسبب أزمة النفط وانقطاعه عن أوروبا بعد الحرب العربية ـ الإسرائيلية في رمضان (أكتوبر) من ذلك العام.
وكانت المرحلة الثانية في منتصف السبعينيات حيث شهدت الدول الصناعية نوعاً جديداً من الهجرة الغير المبرمجة أي أن تلك الدول لم تدع علنا للهجرة إلا أن أعداد المهاجرين إليها لأسباب اقتصادية وسياسية ازداد بشكل غير مسبوق.
إن هجرة العقول من أهم وأخطر المشاكل التي تواجه البرامج التنموية في العالم الثالث. وتعني هجرة العقول انتقال أهم رأسمال اقتصادي للبلد ألا وهو الرأسمال البشري المثقف. وفي الوقت الذي استفادت فيه كثير من الدول الغربية من إمكانات هذه العقول لدفع عجلتها العلمية والصناعية والاقتصادية والاجتماعية إلى الأمام استنزفت الدول العربية من كفاءة مثل هذه العقول.
تعد هذه الظاهرة أحد أهم العوامل المؤثرة على تطور الاقتصاد القومي وعلى التركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية وتكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة في ظل تزايد أعداد المهاجرين خاصة من الكوادر العلمية المتخصصة وتتمثل أهم الآثار السلبية في حرمان هذه الدول من الاستفادة من خبرات ومؤهلات هذه الكفاءات في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وجاء استخدام مصطلح هجرة العقول أو استنزاف العقول أول مرة في الخمسينيات وأطلق على هجرة العقول المفكرة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة. وتعني ظاهرة هجرة العقول أو فقدان الكفاءات بالمفهوم الحديث هجرة المثقفين وذوي الاختصاصات العالية من بلدانهم إلى دول تتمتع بمستوى اقتصادي وتقني أعلى من بلدانهم الأصلية.
ومما لاشك فيه إن نظام العولمة الحالي شجع كثيرا على تنقل وهجرة العقول المفكرة من دول العالم الثالث إلى الدول الغربية الصناعية من خلال توفير العروض المالية المغرية وتسهيلات الإقامة والحصول على تأشيرات الدخول وغيرها من المغريات التي تحفز على الانتقال من الدول النامية إلى الدول الصناعية المتقدمة.
ومن المعروف ان قانون الهجرة الأميركي تم تعديله في عام 1965 لمنح أولوية للعقول المهاجرة إلى الولايات المتحدة ولازال هذا القانون يحظى برعاية الكونغرس الأميركي حيث يتم تغييره من آن لآخر طبقا لاحتياجات هذه الدولة العظمى للعقول المهاجرة الأجنبية.
وتشير إحصاءات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية وبعض المنظمات المهتمة بهذه الظاهرة إلى أن الوطن العربي يساهم ب31 هجرة الكفاءات من الدول النامية، وأن 50% من الأطباء، 23%من المهندسين، 15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون متوجهين إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا بوجه خاص.
وأن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون بالخارج لا يعودون إلى بلدانهم ويشكل الأطباء العرب في بريطانيا حوالي 34% من مجموع الأطباء العاملين فيها، وان ثلاث دول غربية غنية هي أميركا وكندا وبريطانيا تتصيد نحو 75% من المهاجرين العرب.
قد تكون الأسباب العامة دافعا للهجرة ولكن هناك أسباب أخرى لهجرة العقول والكفاءات وهي في الغالب خاصة تتلخص في توفر إمكانات البحث العلمي في الدول التي تتم الهجرة إليها سواء ما يتعلق بمناخ البحث العلمي السائد أو الإمكانات المادية من معامل ومختبرات وتمويل وفرق عمل بحثي متكاملة إلى جانب وجود الجماعة العلمية المرجعية المحفزة للإبداع العلمي وكذلك العوامل النفسية للمهاجر نفسه وأيضا عوامل الجذب والمغريات التي تقدمها دول المهجر.
ويجب الإشارة إلى أن قرار الهجرة تتحكم فيه بصورة أساسية العوامل الجاذبة وليست الطاردة وحدها فلو توفرت العوامل الطاردة ولم تتوفر العوامل الجاذبة وأولها التشريعات والقوانين والامتيازات الاقتصادية لن تكون هناك هجرة.
وتضيف أن هجرة الكفاءات تحدث لأسباب عدة أولها سياسات دول العالم الصناعي في اجتذاب المهارات من مختلف الدول في إطار من التخطيط الواعي وعلى أساس انتقائي وهي المهارات التي غالبا ما تبقى في الخارج لأسباب متعددة مما يهدر مهارات بشرية مؤهله لقيادة خطط التنمية خاصة في الدول النامية.
لعل تطبيق قانون الموارد البشرية في إمارة دبي في صيف 2007 وما ترتب على هذا القانون من هجرة عقول دبي إلى الإمارات القريبة وبعض الدول المجاورة لأن ذلك يخضع لقانون العرض والطلب.
لقد أصبح الموظف في إمارة دبي يتمتع بخبرات علمية وعملية جعلت منه صيدا ثمينا بغية إقناعه للانتقال والعمل في المحيط القريب لإمارة دبي أو حتى في دول مجاورة قريبة، لذلك فإن العروض انهالت على العديد من الموظفين في الإمارة وأغلب تلك العروض من تلك التي تسيل لها اللعاب.
وبهذا فإن إمارة دبي باتت من تلك الأقاليم التي تصدر العقول إلى الخارج، ولكن لو استمرت تلك الهجرة من دبي فإن ذلك من شأنه أن يوجد خللا في عنصر الموارد البشرية في الإمارة التي تعاني شحا في هذا المورد وبالتالي فإن السبيل لمعالجة النقص باستيراد عناصر بشرية من الخارج مما قد يسبب إرباكا آخر في التركيبة السكانية في الإمارة التي تسعى الجهود التنموية المستدامة إلى سياسة الإحلال للمواطنين.
بلا شك فإن قانون الموارد البشرية عندما تم إخراجه من مخاضه تبنى معايير عالمية في الوصف الوظيفي وفي السلم الوظيفي وباقي عناصر القانون، ولكن هذا لا يمنع من القول أن بعض بنود القانون بحاجة لإعادة النظر.
في اعتقادي أن الإمارة بحاجة إلى إنشاء هيئة اجتماعية تمشي متوازية مع قانون الموارد البشرية تهدف إلى إيجاد التوازن المفقود في قانون الموارد البشرية بما يحقق في نهاية المطاف توفير الحياة الكريمة للمواطن والمقيم في إمارة دبي مما سيكون له أثره الفعال في إيقاف هجرة العقول الوطنية من الإمارة.
نقطة وأول السطر...
عندما تحدد ما تريده، تكون بذلك قد اتخذت أهم قرار في حياتك كلها؛ إذ يتعين على المرء أن يعرف ما يريده كي يستطيع الوصول إليه.
باحث قانوني واكاديمي