اختيار ريدلي سكوت أبطال فيلمه الجديد «شقي أميركا»، يشي بذكاء هذا المخرج العبقري في تجميع عناصر إنجاح صورته بالتصريح عن مكنونه. فوضع راسل كرو بدور شرطي «مخلص»، ودينزل واشنطن بدور تاجر مخدرات صارم ومحافظ على تقاليد اجتماعية ودينية.
حقق «شقي أميركا» إيرادات عالية على شباك التذاكر في الولايات المتحدة وأوروبا خلال عرضه في الأسبوعين الماضيين. وقد تجاوزت مداخليه تكلفته المتوسطة (100مليون دولار) بقليل. ويتوقع له في الصالات المحلية خلال عرضه في الأسبوع الحالي النجاح ذاته الذي حققه في الغرب. وضع سيناريو «شقي أميركا» المخرج والكاتب الأميركي ستيفن زايلين عن قصة واقعية لرجل أسود يدعى فرانك لوكاس، سيطر على تجارة الهيروين في مدينة نيويورك، بعد استخدامه وسائل النقل العسكرية أيام الحرب الأميركية على فيتنام، لنقل بضائعه، التي تنقل أحياناً مع نعوش الجنود الأميركيين الذين سقطوا في ساحات الوغى.
ومن يستطيع أن يقوم برشوة ضباط الجيش، لا بد له من رشوة رجال الشرطة كذلك، حتى يغضوا النظر عن عملية التوزيع الضخمة لمستهلك مستسلم ومتورط في بلاد الأحلام بعجز معيشي وسياسي، لتغيير إدارته المتورطة بحرب في الأدغال الآسيوية البعيدة جداً عن الأرض الأميركية. كتب زايلين سيناريو فيلم «عصابات نيويورك» الذي يعتبر تحفة سينمائية، من إخراج مارتن سكورسيزي. والسيناريست نفسه أخرج الفيلم الجيد «كل الملوك رجال»، وقدم خلال 20 عاماً عدة أعمال من مستوى متوسط وما فوق بلغ القمة مع سكورسيزي، وهو الآن يعيد الكرة مع ريدلي سكوت.
معتمداً على بناء قوي في نواحي السرد، ورسم ملامح الشخصيات بحدود وعيها الاجتماعي الشامل لمستويات أخلاقية بين النقيضين البطلين المؤلفين من رجلين أبيض وأسود. الأول شرطي والثاني مجرم، الأبيض زبون جديد لدى الأسود. لكنه زبون يريد أن يشتري قصة البائع، ومن خلفه كل رجال الدولة الذين اشترت نفوسهم أموال الجريمة والفساد. وبالفعل تتم العملية الأخيرة بين الاثنين بنجاح، لكن الجريمة لم تنته، وكذلك الفساد، إنها الحياة الأميركية التي هي نموذج لحيوات أخرى، وهذه سنتها في تنوع أقدارها المتقاربة.
أكثر من ربع قرن يراكم ريدلي سكوت سينماه فوق بعضها بعضاً. ومنذ فيلمه الأول «المبارزون» في 1978 وفيلمه الثالث «بلايد رانر» 1982، رسم سكوت طريقاً خاصاً في صناعة صورة تتسم بإطلالة على قدر الأفراد والمجتمعات. أحياناً يغويه التاريخ فينسل إليه، وأحياناً يغويه المستقبل.
وبين هذا وذاك، الكاميرا ثابتة في الواقع وعلى زاوية الحياة برمتها، والمخرج ريدلي سكوت على عادته لا يميل إلى الثرثرة في كل إنتاجه، لا يختصر بلا ضرورة أيضاً، ويترك لغته أن تقول ما ينبغي بوفاء مهني واضح. في «شقي أميركا» يحافظ ريدلي سكوت على روحية القصة المقتبسة، لكن الشخصيات تتمسك باحتمالاتها، وهي ليست شخصيات لأبطال بالمعنى التقليدي للكلمة. فالبطولة مع سكوت تأخذ وجوهاً أخرى.
الشرطي الذي يحظى بفرصة مثالية للفرار بمليون دولار لا يتوانى عن تسليم المبلغ لدائرة عمله، تحت وطأة تذمر زميله وشريكه، الذي يقضي بجرعة مخدرات زائدة. راسل كرو قدم كل موهبته في أدائه بمقابل صاحب الحضور الملحمي في الكادر دينزل واشنطن.
ونجح سكوت بجمع هذين النجمين في كادر واحد، مذكراً بما فعله زميله مايكل مان في «هيت»، حين وضع آل باتشينو وروبرت دونيرو وجهاً لوجه.. والحق يقال إن كرو وواشنطن ظهرا أكثر تناغماً في تسليم أحدهما الآخر مفاتيح الحوارات، من دون التخلي عن روحية المنافسة التي لم تلغ ما يتطلبه الموقف فنياً.
دبي ـ حسين قطايا

