«إن الفشل في استغلال الإبداع الكامن لدى الإنسان بسبب جهله بوجود هذه القدرة أو عدم المبالاة أو بسبب التعنت المقصود ليس هدراً بقدر ما هو خيانة للنفس» مقولة لـ (ياساتوشي ياشوميرا من كتابه فن التفكير الإبداعي)، فالإرادة الحرة يشار بها لدى بعض المنظرين إلى أن ننظر إلى مرجعية اتخاذ القرار من عدة زوايا: الشخص الذي يمارس حريته، والعوامل الخارجية المؤثرة في اتخاذ القرار.
والموضوع الذي يمارس من خلاله اتخاذ القرار، وما ينطبق من عوامل مؤثرة في ممارسة الحرية والتأثيرات الشخصية في اتخاذ القرار بشأن اختيار العاملين ينطبق أيضاً على اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية. وهنالك معايير وأسس لاختيار العاملين والتي من أهمها التأهيل العلمي والقدرة والكفاءة على أداء العمل، وفي الغالب لا تخلو مؤسسة أو هيئة إلا وفيها ممن بلغوا من الخبرة عتياً المفعمة بالمؤهل العلمي والمقدرة على إدارة الأعمال.
واليوم ليس في الاقتصاد وحده تكون الموارد فيه محدودة، بل القيادات والوظائف الإدارية هي الأخرى أصبحت محدودة جراء تقدم التكنولوجيا، وتباهي الشركات بأنها قد انقصت وقت دورة الإنتاج من سبعة أيام ونصف إلى يوم ونصف اليوم ! وقلصت الزمن اللازم لتطوير المنتج الجديد من 24 شهراً إلى ثمانية أشهر! والنتيجة.. أنها زادت ربحيتها من 19 إلى 85 مرة.
مقابل الاستغناء عن مئات من العاملين( شركة آي بي إم)، وأصبح موضوع اتخاذ القرار بشأن إدارة المنشأة من الموضوعات السيكولوجية التي تجذب اهتمام الباحثين، خاصة ان حياتنا من أولها إلى آخرها سلسلة من القرارات التي علينا أن نتخذها كل لحظة من لحظات هذه الحياة، ولمحافظة أصحاب الخبرة على مناصبهم الإدارية ووظائفهم فإنهم وبمرور الزمن أمسوا بيروقراطيين.
هنا نستدرك ونتساءل ما موقف الإدارة العليا من الشخص صاحب الخبرة والأسرار الوظيفية سواء مالية أو إدارية على حد سواء، والذي يختفي فجأة ولديه مفاتيح اللعبة الإدارية والمالية، هنا سيظهر من هو تأبط خيرا.
وهو الخط الثاني (البديل) ولكن ليس لديه المفاتيح كاملة بل ربما أنصافها وسيعمل عند مواجهته أية مسألة وفق الحالات السابقة وعلى شاكلتها دون إبداء ما هو جديد أو حتى تقديم بعض الملاحظات! إذن مسيرة العمل الإداري لن تتوقف بل تتلكأ، وبالتأكيد ستتبدد ولا تتجدد، ما الحل إذن؟ لا بد من خلق بدائل مؤهلين بقدرات علمية وأفكار جديدة وكفاءات تستطيع النهوض بواجبها دون أن تكون عبئاً على استقرار مسيرة العمل والوطن.
مدير تنفيذي بعث شخصية ذات قدرات محدودة ليكون بديلا للمدير الإداري عند غيابه. إلا أن المدير الإداري يمتلك صفة الدهاء والمكر، ماذا حدث للبديل.. تهمش، وهو يناضل دون الحصول على أي مفتاح من مفاتيح اللعبة الإدارية البيروقراطية. «ومادامت قدرات الشخص محدودة فإن من العقل أن يكتفي بالتفكير في الممكن».
(نجيب محفوظ)، وهذا ما حصل! فقد أظهرت دراسة أجرتها كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد أن احتمالات قيام مجالس إدارات الشركات بعزل الرئيس التنفيذي أضحت أكبر بنسبة 30% اليوم عما كانت عليه منذ عشرة أعوام، ومما لا شك فيه أن أسبابا متداخلة تكمن وراء تناقص فترة تولي الرؤساء التنفيذيين لمناصبهم إلى النصف؛
منها المنافسة المفرطة، وسرعة تقلبات عصر الانترنت، والعولمة، علاوة على عمليات اندماج الشركات التي بلغت قيمتها تريليونات الدولارات، ومما يدل على الاهتمام بهذه القضية قيام مجلة فورتشن بجعل موضوع غلاف أحد أعدادها يتناول قصة عشرة مديرين تنفيذيين مرموقين قررت مجالس إدارات شركاتهم عزلهم من مناصبهم لأسباب إدارية متعددة إلا أن أهمها تقادم الأفكار وعدم التجديد والنهوض بشركاتهم بما هو أجود.
إذن لا بد من قدرات ومواهب يمتلكها البديل لكي يستحوذ على المقابل واتخاذ القرارات المناطة به دون تردد أو إخفاق، ويمكن للمدير اكتشاف الموهبة الخفية، حتى لو كان صاحبها نفسه لا يعلم بوجودها. كما يمكنه تفعيلها بتعليم صاحبها مهارات جديدة أو زيادة معرفته واطلاعه على معلومات أكثر في الحقل نفسه، وتراثنا حافل باكتشاف المواهب،
إذ قيل ان محمد بن موسى «الذي كان قيّمًا على بيت الحكمة ببغداد هو الذي اكتشف مواهب ثابت بن قرة اللغوية عندما التقاه من خلال عملية صرافة عند توقفهم في حران (ديار بكر الآن وهي في جنوب تركيا) فاستدعاه إلى بغداد للعمل في حركة الترجمة، وكان من المبدعين.
كاتب ومحلل اقتصادي