أعد صندوق النقد الدولي مؤخرا دراسة مطولة عن اقتصاد الدولة، أوضح فيها أن إستراتيجية التنمية التي انتهجتها الإمارات في السنوات الأخيرة أدت إلى نمو اقتصادي كبير، وإلى تراكم في الأصول المالية الخارجية، ويؤسس الصندوق أسباب التقدم الاقتصادي الإماراتي على العوامل التالية التي أوضحها في دراسته:

ـ مهارة أبوظبي في إدارة الثروة ودفعة دبي القوية نحو تنوع المصادر والموارد الاقتصادية، حيث أدت عائدات البترول المتزايدة إلى تراكم الفائض الحالي في الحساب الجاري البالغ 36 مليار دولار أميركي عام 2006، وهو ما يعادل 22% من إجمالي الناتج المحلي في الوقت الذي بلغ فيه الفائض المالي 29% من إجمالي الناتج المحلي.

وبلغت الاحتياطيات الرسمية بالعملة الأجنبية 28 مليار دولار أميركي (من المعروف أن فائض الحساب الجاري في ميزان المدفوعات كان قد انخفض كثيرا في عام 2002 حيث هبط إلى 0. 3 مليارات دولار ثم ارتفع تدريجيا منذ ذلك العام إلى 2. 7 مليارات، 7. 10 مليارات، 5. 26 مليار دولار في أعوام 2003. 2004، 2005 على التوالي حسب أرقام التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر في سبتمبر 2006).

ـ إن النشاط الاقتصادي غير البترولي سجل أعلى نسبة من الاقتصاد الوطني في الإمارات بالمقارنة بباقي دول مجلس التعاون الخليجي، وهو النشاط الذي يضم قطاعات البناء والإنشاءات والتجارة والسياحة، وإن كان هذا النشاط الاقتصادي الواسع قد أدى إلى ارتفاع التضخم إلى3. 9% خلال عام 2006.

فإن الدراسة ذكرت أن الخطر الرئيسي على هذا التوسع هو احتمال حدوث حركة تصحيح (ومن المعروف أن النشاط الاقتصادي الواسع في الإمارات قد ساعد في حصول الدولة على المرتبة الأولى في تقرير التنافسية الدولية على الصعيد العربي، حيث ساهمت الإدارة الاقتصادية الرشيدة في توفير البيئة الصالحة المستقرة للاقتصاد الكلي والتي عززت كفاءة المؤسسات العامة).

ـ إن قطاع البنوك في الإمارات الذي يسيطر على الوساطة في التمويل تمكن من التوسع السريع في بطاقات الائتمان ووصولها إلى العائلات والشركات والهيئات العامة وشبه العامة، وتسيطر مشاريع البناء لإنشاء فنادق وشقق سكنية وبنايات تجارية ومشاريع بنية تحتية على الصورة الكلية في كل من أبوظبي ودبي.

كما يرتفع الطلب على الائتمان بفعل النمو السكاني السريع (ارتفع عدد السكان في الإمارات إلى ما يزيد على أربعة ملايين نسمة) كذلك أسعار الفائدة بالعملة المحلية التي تعد سلبية بالقيمة الحقيقية، ورغم أن الرهونات العقارية لا تزال تمثل نسبة بسيطة من المحافظ الائتمانية للبنوك، فإن التعرض المباشر للعقارات قد يكون كبيراً، علماً بأن السلطات النقدية في الإمارات قد سجلت تقدماً جيداً في دعم وتعزيز الإشراف على القطاع المالي وتنظيمه.

ـ أثبتت الاختبارات أن النظام المصرفي سوف يكون مرناً إذا واجه أي صدمات ويستطيع تحملها، خاصة وقد استوعبت البنوك الانخفاض الذي حدث عام 2006 في أسعار الأسهم في البورصة، ولم يكن له تأثير كبير على حساباتهم الختامية، وإن كانت بعض البنوك لا تزال عرضة لحركة تصحيح في سوق العقارات التي تشكل ربع إجمالي أصول البنوك.

(علماً بأن التقرير الاقتصادي العربي الموحد ذكر أن هناك ارتفاعا كبيرا في معدلات السيولة المحلية في الإمارات حيث ارتفعت من 5. 10% إلى 11% و2. 13% و2. 24% ثم إلى 8. 33% خلال السنوات الخمس الأخيرة على التوالي، أما الودائع المصرفية لدى البنوك التجارية فقد ارتفعت من 1. 71% عام 2004 إلى 6. 78% عام 2005 من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن القواعد الرأسمالية للمصارف التجارية العربية في الإمارات فقد ارتفعت بالعملة المحلية من 2. 52 مليار درهم عام 2004 إلى 1. 78 مليار درهم عام 2005، وبالعملة الأجنبية ومن 3. 14 مليار دولار عام 2004 إلى 3. 21 مليار دولار عام 2005).

والعوامل الرئيسية التي ساهمت في تقدم الدولة وجعلتها تسبق المجالات الاقتصادية الأخرى المماثلة في الدول العربية وحتى في بعض الدول المتقدمة ترجع إلى: ـ تركيز موارد الدولة المالية والنقدية في استثمارات ومشروعات التقدم بالنسبة للبنية الأساسية وإنتاج السلع الرئيسية وتحسين الخدمات والمرافق وكل ما تطلبته التنمية المستدامة التي بدأت تتبناها الدولة منذ الاستقلال وإعلان اتحاد الإمارات الذي كان ضربة كبيرة للأعداء.

ـ اختيار أفضل الخبراء والفنيين من العرب والأجانب في المجالات المختلفة لتخطيط مشروعات البناء والتقدم وتحسين مستويات المعيشة في قطاعات التعليم بما فيها إنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات، مع استقطاب البعثات الأجنبية للاستفادة من عمليات التكنولوجيا الحديثة والفكر المتقدم في التطوير الاقتصادي.

ـ إقامة المجتمعات الصناعية والزراعية والتجارية في المناطق المختلفة والتي يستفيد بها السكان وتساعدهم على العمل والإنتاج الوفير والجودة المتقدمة التي حصلت الدولة بموجبها على أفضل المراكز بين الدول العربية وحتى بين الدول الأجنبية في تنافسية المجالات الاقتصادية الحيوية.

ـ اهتمام الحكام وكافة المسؤولين بالدولة بدراسة وإقامة ومقايضة المشروعات الحيوية التي تفيد أبناء الشعب في كافة الإمارات دون تفرقة أو تميز، مع الاستعانة بالموهوبين من أبناء الشعب ودفعهم للإنتاج في المجالات التي يتميزون بها وإنشاء المعاهد التي تساعدهم على متابعة العلم الحديث وتطوير نظرياتهم.

ـ الشفافية التي يتصف بها الحكام والمسؤولون الإداريون في الدولة وكذلك الخبراء الفنيين الذين يعملون في دوائرها، بالإضافة إلى الأمانة القومية التي يعملون في ظلها واضعين في اعتبارهم صالح الدولة قبل أي اعتبار آخر.

ـ الدخل القومي المتزايد للدولة من البترول وغيره والذي يستثمر في إقامة المشروعات القومية الكبرى وإنشاء البنية الأساسية المتميزة والتي يتحدث عنها الجميع ـ مشروعات وهياكل قوية تساهم في تقدم الدولة وإسعاد المواطنين، وذلك بعيداً عن الإهدار والإسراف الذي ينتشر في دول عديدة.

ـ الكفاءة الفنية والإجادة العملية في الأداء والنضج الفكري وهي عوامل وضعت في الاعتبار عند اعتلاء المناصب الإدارية كبيرة كانت أو صغيرة، وبالتالي فإن كافة دوائر الدولة تدار بأفضل الأساليب الحديثة المستورد الكثير منها من الدول المتقدمة، وفي ظل معلومات وآليات متطورة.

ـ المتابعة المستمرة للتطورات الاقتصادية العالمية وللمستجدات التكنولوجية التي تتم على الصعيد العالمي، مع الاستفادة بأحدث ما يصل إليه العلم وبالاستعانة بالخبراء والعلماء الذين يبتكرون هذه المستجدات لصالح البشرية مع تطويرها بما يتناسب مع العادات العربية المحلية.

ـ الاحترام المتبادل والسلوكيات الطيبة والتعاون الخالص بين المواطنين العاديين وبين المواطنين والرسميين في دوائر الحكومة، وبين المواطنين والأجانب، حيث شكلت عوامل ضرورية كانت وراء توسيع نطاق الاستثمار في المشروعات الإنتاجية والخدمية التي تميزت بها الدولة.

إن هذا المستوى الاقتصادي المتميز الذي وصلته الإمارات يلقي عليها عبئاً قومياً كبيراً في كل المنطقة العربية باعتبارها دولة رائدة، حيث الأمل الكبير أن تساهم في بث تعاون اقتصادي عربي

ـ عملي وصادق، وذلك في ضوء مرحلة جديدة يخططها مؤتمر قمة اقتصادي كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أول من طالب بها في العام الماضي، ونرجو أن يتم انعقادها خلال شهور قليلة قادمة وبمساهمة مادية ومعنوية وتنظيمية من الدولة.

كاتب اقتصادي مصري

Y_ELMASR000@HOTMAIL.COM