وتحتل دول مجلس التعاون الخليجي المرتبة السادسة في القائمة الأوروبية للمستوردين الرئيسيين من دولها، بينما تحتل الدول الأوروبية المرتبة الأولى في القائمة الخليجية للمصدرين الرئيسيين لدولها. وبالنسبة للاستثمارات الأوروبية في دول الخليج، فقد انخفضت خلال السنوات الأخيرة بحيث باتت تمثل نسبة لم تتجاوز 4. 0% عام 2005 أي بمقدار نحو 8. 0 مليار دولار.

وتظل هذه الأرقام متواضعة إذا ما قورنت بالعلاقات الأوروبية الآسيوية، حيث تعتبر الدول الآسيوية (باستثناء الصين) ثالث شريك تجاري مع الدول الأوروبية وتحوز على 21% من إجمالي الصادرات الأوروبية، كما أنها تحتل الموقع الرابع من حيث المجموعات الأكثر استقطابا للاستثمارات الأوروبية وتحوز على ما نسبته 2. 9% من إجمالي هذه الصادرات.

لذلك، إذا أردنا الاستفادة من تجربة الشراكة الأوروبية الآسيوية في الشراكة الأوروبية الخليجية بعد أن يتم توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، فإن الموضوع الأبرز الذي يطرح نفسه هو التعاون التقني الذي تتكثف من خلاله العديد من جوانب التعاون الأخرى، كونه يتجاوز الجوانب التجارية والخدمية التقليدية، ليطال قضايا مستقبلية أكثر حيوية بالنسبة لدول المجلس.

إن أهمية التعاون التقني والتكنولوجي مع الغرب تنبع من الطموحات المعلقة على تنمية قطاع الإنتاج السلعي والخدمي وتطوير ما بات يعرف بصناعات الاقتصاد الجديد نظرا لارتباطهما بصورة وثيقة بأهداف تنويع مصادر الدخل وتوسيع دور القطاع الخاص. ونجاح تنويع الإنتاج يرتبط ـ بدوره وبشكل وثيق ـ بتكنولوجيا التصنيع والمعرفة التكنولوجية الصناعية والخدمية.

ومن المعروف ان اختيار التكنولوجيا ووسائل الإنتاج لتأسيس مشاريع جديدة أو تطوير ما هو قائم منها بدول المجلس يفرض التوجه إلى التكنولوجيا وأساليب الإنتاج التي تحتاج إلى كثافة عالية من الطاقة ورأس المال لمجابهة النقص في الأيدي العاملة الوطنية المتخصصة وحيث إن التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجية من المقتنيات والأسرار التي تخضع إلى نواحي سياسية والتزامات قانونية وشروط عديدة إضافة إلى الأمور المالية لمالكيها.

فإن إبرام عقود مع دول تمتلك التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجيا دون الإخلال أو امتنان لأي موقف سياسي يستدعي الدخول بشكل مفاوضات رسمية حول التعاون التكنولوجي. وقد أتاحت اتفاقيات الأوفست مجالا رحبا لنقل المعرفة والتقنيات الصناعية الأوروبية حيث نجحت المملكة العربية السعودية بالفعل في استثمار هذه الاتفاقات من اجل تنفيذ العديد من المشاريع الناجحة إلا أن فشلها في دول خليجية أخرى يستدعي التوقف وإعادة تقييم اتفاقات النقل التكنولوجي بين دول المجلس ودول الغرب.

ووفقا للتجربة الآسيوية، فإن احد المداخل الناجحة لإنجاح مشاريع النقل التكنولوجي يكمن في زيادة التعاون بين دول الإقليم أنفسهم وبحيث يتم تخطي العقبات الحالية والمتمثلة في المعوقات الإدارية والإجرائية بحيث تتحول هذه الدول إلى أسواق موحدة لكي يتم تقييم أسس النقل التكنولوجي على هذا الأساس خصوصا أن نقل التكنولوجيا الحديثة تفترض ضمنيا الاستعداد للإنتاج الكبير الذي يفترض بدوره وجود أسواق كبيرة.

ومن المواضيع المهمة أيضاً التي تؤمن نجاح مشاريع نقل التكنولوجيا هو وضع استراتيجية تصنيعية واضحة تهدف إلى رعاية الصناعات الوطنية الناشئة والصادرات الوطنية للصناعات ذات المردود الاقتصادي الجيد. ولعل الحديث عن عدم نجاح بعض مشاريع الأوفست في بعض دول المجلس نتيجة غياب فرص الاستثمار المهيئة لشمولها بهذه المشاريع هو مثال واضح على الدور الذي يلعبه غياب استراتيجية واضحة لإقامة ورعاية الصناعات الوطنية في التأثير على عملية النقل التكنولوجي بين دول المجلس والغرب.

كذلك في ضوء التجربة الآسيوية، لابد من الاهتمام ببرامج التدريب والتعليم المهني وذلك من اجل تأهيل الكوادر الغنية الخليجية بهدف إحلالها محل العمالة الأجنبية، كما يجب التركيز على تنمية المهارات الفنية للعمالة الوطنية بدول المجلس. إن العنصر البشري يلعب دور رئيسي في ضمان ان النقل التكنولوجي سوف يترجم إلى معارف تكنولوجية وصناعية أيضاً من شأنها أن تتحول تدريجيا إلى معارف تكنولوجية وصناعية وطنية أو مكيفة وطنياً.

ولعل هذا العامل يمثل احد القواعد المهمة كما ذكرنا لنجاح تجارب النمور الآسيوية وما رافقها من تطور صناعي وتكنولوجي هائل.

ودول المجلس مدعوة كذلك إلى مواصلة العمل من اجل صياغة التشريعات والسياسات التي من شأنها ان تشجع الصادرات وتحسن القدرة التنافسية لهذه الصادرات، كذلك التشريعات والسياسات التي تحول دون بروز مبررات تحول دون النقل التكنولوجي كالتشريعات الخاصة بحماية الملكية الفكرية والغش التجاري.

وتتطلب حيازة التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجية من اجل التنمية دورا ايجابيا من قبل دول مجلس التعاون وبإطار مشترك لاسيما في المرحلة السابقة للعملية الاستثمارية. كذلك وجود القنوات والأنظمة التي من شأنها أن تستوعب الأنظمة التكنولوجية المستوردة، والمقصود هنا مؤسسات ومعاهد البحث العلمي ومكاتب التصاميم والأشراف الهندسية التي تؤمن التعامل مع تلك الأنظمة محليا وتحليلها ومحاكاتها.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن سياسة حيازة التكنولوجيا والمعارف التكنولوجيا سوف تنال حظها من النجاح بصورة أفضل إذا ما تم التعامل معها على أنها جزء من سياسة التنمية العلمية والتكنولوجية وان تنطلق من سياسة التنمية الصناعية الوطنية والإقليمية.

ووجود استراتيجية موحدة للتنمية الصناعية لدول المجلس سوف يساعد على تحديد الأولويات في مجال نقل التكنولوجية والمعارف التكنولوجية وعلى بناء القدرات التكنولوجية الوطنية اللازمة لانتقاء وتصميم وتقييم المعارف التكنولوجية اللازمة وعلى استيعاب وتطويع التكنولوجيا.

ونظرا لأهمية تنظيم وإدارة عمليات التعاقد التكنولوجي بما يكفل تحقيق الأهداف الحقيقية لحيازة التكنولوجيا، وتسهيل توطينها، فإن التجارب تسير إلى ضرورة تأسيس آلية لمراقبة عقود التكنولوجيا المبرمة بين الأطراف المحلية وموردي التكنولوجيا» ويقترح أن تكون وحدات أو أقسام الوزارات المعنية تتعاون مع المؤسسات ذات العلاقة، كمراكز الدراسات والبحوث، ووزارات التجارة.

والهدف الرئيسي لهذه الأجهزة هو تقديم المشورة الفنية للمؤسسات المحلية لتطوير شروط وبنود عقود التكنولوجيا بما يخدم القدرات التكنولوجية الوطنية. وتقوم هذه الآلية بتسجيل جميع عقود التكنولوجيا بهدف تقويم تلك العقود كخطوة أولية. ويمكن أن تساهم بتقويم تنفيذ بنود العقود، لاسيما المتعلقة بمسائل نقل وحيازة التكنولوجيا وبناء القدرات التكنولوجية.

ويسهم ذلك التقويم في تحسين بنود العقود وذلك عند الرغبة في تجديدها. وينبغي اقتصار تعهد أسلوب «تسليم المفتاح» على المشاريع التي تفتقر الدولة إلى الخبرات المناسبة لتنفيذها على ان يواكب ذلك انتهاج أسلوب فك «الحزمة التكنولوجية» مما يسمح باستخدام المدخلات المحلية «ولا تقتصر هذه المدخلات على النطاق المحلي، بل تمتد لتشمل إقليم دول مجلس التعاون الخليجي.

وانطلاقا من هذه الملاحظات تبرز هناك حاجه فعليه كما ذكرنا لإيجاد وتطوير دور وحدات البحث والتطوير سواء على مستوى المصانع نفسها أو على المستوى الوطني. ومن شأن هذه الوحدات أن تضطلع بدور رئيسي في نقل واكتساب وتطويع وتطوير التكنولوجيا المستوردة لمواءمة المدخلات والعمليات المحلية وإشباع الحاجات الأساسية للمجتمع.

كاتب ومحلل اقتصادي