قال محللون إن أغلب خبراء الاقتصاد في لبنان يتفقون على أن الأوضاع الاقتصادية الراهنة في لبنان تتحدى المنطق العلمي وتتجاوز القواعد المتعارف عليها في علم الاقتصاد. ويستشهد هؤلاء الخبراء بجملة حقائق تثبت ان الاستقرار النقدي في البلاد يعود إلى تفاهمات سياسية، وليس إلى معطيات عملية، معترف بها في علم الاقتصاد.

فمن جهة أحجمت الحكومة اللبنانية عن تقديم أي موازنة للعام المالي الجديد في ظل الأزمة السياسية التي تحول دون التئام مجلس النواب من ناحية والتشكيك في دستورية الحكومة نفسها من ناحية أخرى. لذلك فالحكومة التي يرأسها فؤاد السنيورة تصرف الأموال، والرواتب، وتمول المشروعات على أساس الاستمرار في الموازنات السابقة وتدويرها، وهذه القاعدة التي لا تستند إلى اي منطق اقتصادي، معمول بها منذ ثلاث سنوات مالية.

ومن جهة ثانية، تشهد البلاد اعتصامات مستمرة في وسطها التجاري، وهو المعروف بأنه القلب النابض، منذ سنة وهذا ما يساهم في إغلاق شارع المصارف الرئيسي في البلاد، كما يعطل الحركة التجارية والاستثمارية في الوسط المعروف باسم سوليدير.

وشركة سوليدير المملوكة لأسرة رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري من أكثر الشركات اللبنانية جذبا لرؤوس الأموال العربية نظرا للتصاعد المستمر في أسعار أسهمها من جهة، ولكونها مالكة لأكثرية العقارات في قلب العاصمة، حيث يبلغ معدل ثمن الأرض الفضاء المخصصة للبناء إلى حوالي 8000 دولار للمتر المربع الواحد.

وكانت المعارضة اللبنانية قد بدأت منذ أول ديسمبر الماضي اعتصاما مفتوحا في وسط العاصمة بيروت، وهو مستمر على الوتيرة ذاتها حتى الآن، ما أدى إلى إصابة وسط العاصمة بما يشبه الشلل. من جهة ثالثة، فإن الطلب على العملات الصعبة في البلاد يفوق العرض، وذلك نظرا إلى عدم ثقة المودعين بالعملة اللبنانية أولا، وتكوين الاقتصاد الوطني من حيث حجم الاستيراد بالعملة الصعبة قياسا على التصدير بالعملة ذاتها.

هذه العوامل، وبحسب الخبراء المحليين، من شأنها أن تقود وفقا لقواعد علم الاقتصاد أولا إلى تدني أسعار الأسهم، لاسيما سوليدير، وثانيا إلى ارتفاع أسعار صرف الدولار، وثالثا التأسيس لحالة من التضخم غير محسوبة وفي ظل هذا الواقع المتردي تشهد البلاد موجة غلاء غير مسبوقة، إذ بلغ معدل ارتفاع الأسعار حوالي 30% في خلال الفترة الممتدة منذ يوليو 2006 حتى الآن.

وتشمل موجة ارتفاع الأسعار فضلا عن المواد الحيوية والاستهلاكية الأساسية، قطاع المحروقات الذي بلغ في الأيام القليلة الماضية أرقاما قياسية غير مسبوقة في لبنان، ما ساهم في ارتفاع الأسعار بصورة مباشرة. في المقابل فإن القطاع العقاري يكاد يكون الوحيد في لبنان الذي ما زال

يشهد رواجا واضحا رغم الزيادات التي طرأت على الأسعار التي تراوحت بين 40 و50% للأراضي الفضاء وأكثر من 70% للمباني.

ويعزو الخبراء أسباب هذه الظاهرة إلى عدة عوامل أولها الإقبال الخليجي على شراء العقارات في لبنان، وهذا عائد بدوره إلى تزايد حجم الكتلة النقدية في الدول النفطية من جهة. وربما لتوتر العلاقات بين دول الخليج وإيران بما يعيد إلى أذهان صغار المستثمرين العرب المشهد الكويتي ـ العراقي في تسعينات القرن الماضي.

يرجع الخبراء ارتفاع أسعار العقارات المبنية في هذا المجال إلى ارتفاع أسعار الحديد الخام الذي يستورده لبنان من السوق الأوروبية بشكل كبير، بما يعني ان عامل ارتفاع سعر اليورو الذي بلغ في لبنان أرقاما قياسية غير مسبوقة يشكل سببا مقبولا لهذه الظاهرة، إذ يؤكد المهندسون أن 30% من تكلفة البناء الأساسية مرتبطة بالكامل بالمواد المعدنية الخاضعة لسعر صرف اليورو على غرار الحديد والألمنيوم وأنابيب جر المياه والصرف الصحي المستخدمة عادة في الأبنية السكنية والتجارية.

(د ب أ)