يبدو أن مارد التقنية الذي فر من قمقمه البلوري عنوة لم يعد قابلاً للإخضاع أو السيطرة، لاسيما أن صاحب سيد الخواتم أعلن هزيمته أمام طوفان العولمة العاتي، وبعد أن كان الفلاسفة يتناظرون على أرصفة المعرفة في جدليات الوجود وما إذا كانت البيضة وجدت قبل الدجاجة أم العكس، نشهد سباقاً محموماً بين عمالقة الالكترونيات نحو تطويع هذا المارد المنفلت، لا لشيء إلا حرصا منها على الفوز بقلوب وجيوب المستهلك.
هناك حرب غير معلنة بين صناع الهواتف المتحركة وصناع الكاميرات الرقمية الذين بالكاد استطاعوا اللحاق بركب الصورة الرقمية والتخلص من عقدة (النيكاتيف)! وأين يدور رحاها! لقد أتاحت التقنية المتسارعة للطرف الأول وفي زمن قياسي إدماج الكاميرات الرقمية بهواتفه لتصبح جزءاً لا يتجزأ وعنصراً رئيساً منها، بل تستطيع تقديم قدرة تصوير فوتوغرافي تصل إلى 5 ميغابيكسل. في الوقت الذي تحاول فيه شركات التصوير الفوتوغرافي طرح كاميرات بالغة الصغر تصل قدرتها إلى5 ميغابيكسل لتفوز بجيوب شريحة لا يستهان بحجمها من السوق، وهم المراهقون. وطرحت شركات الهواتف المتحركة عدداً كبيراً من الهواتف المزودة بالكاميرات الرقمية المدمجة، تراوحت دقتها بين 2 إلى 5 ميغابيكسل، وقادرة على تصوير الفوتوغراف والفيديو معا، وزودتها ببرامج تحرير مرنة تسمح بنقل وتخزين وتعديل الصور ونشرها على الانترنت في ثوان. ويرى بعض المتابعين أن انتشار الهواتف النقالة المزودة بكاميرا سيساهم في وضع نهاية للكاميرات الرقمية أو على الأقل تهاوي مبيعاتها التي بدأت تشهد تراجعاً كبيراً في الأسواق العالمية. لاسيما فئة الكاميرات الرقمية غير المعقدة التي سجلت مبيعاتها ارتفاعا بلغ 15% عام 2006 ولم تزد مبيعاتها هذا العام عن 8% .
وتوقعت مؤسسة أبحاث السوق أي دي سي أن تتراجع سوق الكاميرات الرقمية عام 2011 لتصل إلى مرحلة إشباع كاملة حينها. وتظهر الأرقام أن فئة الكاميرات المخصصة للمحترفين ستحقق زيادة مبيعات كبيرة لتصل إلى 11% عام 2011 (أي مبيعات لقرابة 9 ملايين كاميرا) لا سيما أنها حققت زيادة ضخمة عام 2006 بلغت 39%.
ويرى بعض المراقبين أنه رغم أن أحدث الهواتف النقالة من نوكيا وإل جي والتي تقدم كاميرا بدقة 5 ميغابيكسل، تتفوق في المختبر على بعض طرز الكاميرا الرقمية إلا أن ذلك لن يؤثر على مباشرة على مبيعات الكاميرات الرقمية، لأن من يسعى إلى التقاط صور مهمة يفضل استخدام كاميرا بمزايا مستقرة ونتائج مضمونة. وقد يلتقط الكثيرون صوراً عديدة في المناسبات بكاميرات النقال لكن الصور التي ستستحق إطاراً وتكبيراً وعناية ستبقى حكراً على الكاميرات الرقمية الجيدة.
«إل جي تتحدى»
أكد كيه. دبليو. كيم، رئيس عمليات إل جي إلكترونيكس في الشرق الأوسط وافريقيا أن المنافسة بين شركات الهواتف المتحركة الذكية وشركات كاميرات التصوير الرقمية ستشهد منافسة حادة خلال الأعوام القليلة المقبلة، بسبب الطفرة التقنية التي مكنت صناع الهواتف من دمج خدمات التصوير عالية الدقة في منتجاتها.
مشيرا إلى أن عوائد مبيعات الشركة في المنطقة من الهواتف النقالة تصل إلى 6 ملايين دولار تقريبا، وأنها ستصل إلى 10 ملايين دولار سنويا في 2008 من أصل 110 ملايين دولار عالمياً. وقال إن اطلاق الهاتف النقال «فيويتي» المزود بكاميرا 5 ميغا بيكسل يعد نقلة نوعية في المنافسة المحتدمة بين قطاعي الهواتف النقالة والكاميرات الرقمية لأنه يقدم حلول التصوير الفوتوغرافي والفيديو عالية الجودة ومتاحة على مدار الساعة لحامل الجهاز.
مضيفا أن لا أحد يستطيع إنكار حقيقة أن الهواتف النقالة المزودة بكاميرات رقمية أخذت حصة لا بأس بها من أسواق الكاميرات الرقمية الاحترافية، وأن هذه النسبة سترتفع مع ازدياد القدرات التقنية للهواتف.
الكاميرات الرقمية قد تلغي الهواتف
«لا أحد يستطيع أن يسبق التقنية، لأنها تحقق قفزات شاهقة في أزمان قياسية، ولن نجانب الحقيقة إذا قلنا إن تخصيص 5% من الدخل لصالح البحث والتطوير ليس أمراً كافياً للحاق بها» هكذا يلخص محمد سلامة مدير تسويق كانون في الشرق الأوسط وافريقيا المشهد العام لصناعة التقنية. ولكن هذا السباق نحو امتلاك ناصية التقنية يفتح الأبواب على أكثر من سيناريو، تتحول معها الأفكار المبدعة إلى هوس انقلابي على الذات، وتصبح فيه صناعة التقنية مجرد طفل أخرق.
فبدلاً من يتفوق صناع الهواتف النقالة على مصنعي الكاميرات الرقمية عالية الجودة، قد يحمل المستقبل مفاجأة من العيار الثقيل لهم تجبرهم على التراجع خطوات كثيرة إلى الوراء، ولنتخيل ما الذي سيحصل عندما تنتج شركة عملاقة كاميرات رقمية مزودة بوظيفة الاتصال الهاتفي مثلاً!
يقول سلامة: لقد قفز حجم الإنفاق العالمي خلال عامين من 15% إلى 20% ويتوقع أن يصل إلى 35% مع العام المقبل، ونحن في كانون نسعى إلى التقدم في حجم استثماراتنا الإقليمية والعالمية لنزيد بالتالي من حجم حصتنا السوقية».
وأضاف: «إن نسبة 8% من مواردنا تذهب إلى قسم الأبحاث والتطوير، ونحن أحد أكبر 3 شركات عالمية إنفاقا على هذا الجانب، لقناعتنا بأن التطورات التقنية هي الحكم النهائي على قدرتنا التنافسية والإبداعية. وهذا ما يفسر حرصنا على ابتكار وتصنيع كل المنتجات داخليا بالكامل، وهو ما يفسر أيضا حصولنا على أعلى عدد براءات اختراع في الولايات الأميركية المتحدة خلال السنوات الماضية».
ولكن هل يعاني قسم الكاميرات الرقمية صدمة نفسية بعدما استطاعت شركات تصنيع الهواتف النقالة زرع كاميراتها المتطورة في قلب قائمة الوظائف الأساسية لأجهزتها؟ يرى سلامة أن أيا من المنتجين لا يلغي الآخر: «انا مقتنع بأن الكاميرات الرقمية لم تلغ كاميرات الهواتف النقالة أو العكس، فنسب الطلب على الكاميرات الرقمية لم ينخفض خلال الفترة الماضية بالرغم من ارتفاع نسب انتشار الكاميرات المدمجة بالهواتف وتحسن جودة الصور التي تلتقطها».
فعلى سبيل المثال لا تزال نسبة الطلب على الكاميرات الرقمية في أوروبا مرتفعة لأن المستهلكين مقتنعون بأن كاميرا الهاتف النقالة مفيدة في ظروف محددة أما الصور الحقيقية فتأتي من تلك المتخصصة حسبما أظهرت استطلاعات الرأي.«اعتقد أن كلاً من منتجاتنا سجلت نسب مبيعات متقاربة سواء أكانت كاميرات رقمية أم طابعات صور شخصية أم طابعات كبيرة موجهة للشركات. إلا أن نسبة انتشار الأخيرة في دولة الإمارات هي الأكبر في فئتها نظراً للطفرة الاقتصادية التي تشهدها الدولة في مختلف القطاعات لاسيما التشييد والبناء والتسويق والخدمات الأخرى».
دبي ـ محمد بيضا

