بوصول أسعار النفط إلى أعتاب مئة دولار، للبرميل، فإن العالم يبدو مقبلاً على صدمة ثالثة للطاقة في غضون جيل زمني، غير ان الأزمة الحالية، تختلف عن سابقاتها بمضاعفات عالمية، أوسع وأكثر استدامة.

وعلى غرار أزمات الطاقة، إبان سبعينات وثمانينات القرن الماضي، فإن الارتفاع الحالي في الأسعار، يسبب قلقاً وألما لدى المستهلكين، ويشيع جواً من الخوف إزاء عواقبه على الاقتصاد وعلى هذا الصعيد، لفتت صحيفة انترناشيونال هيرالدتريبيون، إلى ان الأسعار هذه المرة.

وعلى العكس من صدمات النفط السابقة، التي تسبب فيها الانقطاع المفاجئ في واردات النفط من الشرق الأوسط كانت ترتفع بصورة مطردة في ضوء الطلب المتزايد على البنزين من الدول المتقدمة، وصعود مئات الملايين من الصينيين والهنود من أتون الفقر، ونمو اقتصادات نامية أخرى بسرعات مذهلة.

ولقد تباينت توقعات المحللين، حول أسعار النفط المستقبلية فمن قائل إنها ستنخفض إلى 75 دولاراً وربما أقل في العام المقبل، وقلة توقعت ارتفاعها إلى 120 دولاراً والواقع ان أحداً لا تراوده أحلام العودة إلى سعر العشرين دولاراً منذ عقد مضى، مما يعني ان يعد المستهلكون أنفسهم لحقبة عصيبة من أسعار الوقود المرتفعة.

وأشارت الصحيفة إلى ان صميم الارتفاع المذهل في أسعار النفط، الذي بلغ 56 في المئة هذا العام و365 في المئة خلال عقد من الزمن، هو التطور الايجابي، والطفرة غير المسبوقة في الاقتصاد العالمي.

ومن المتوقع ان يتضاعف الطلب في كل من الصين والهند، وحدهما خلال العقدين المقبلين، في ضوء استمرار اقتصادهما في التوسع، وشراء المواطنين هناك لمزيد من السيارات، لينعموا بالحياة التي نعم بها نظراؤهم في الغرب طويلاً غير ان ارتفاع الأسعار يدخل العالم في متاهات لا نهاية لها.

فالزيادة لم تلحق ضرراً بالنمو الاقتصادي حتى الآن، غير ان كثيراً من الخبراء الاقتصاديين يتساءلون عن مدى استمرار ذلك، وفي هذا السياق، قال فاتح بيرول كبير الخبراء الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية: «ان تلك الأسعار، مرتفعة جداً وستكون لها عواقب وخيمة على الجميع، منتجين ومستهلكين على حد سواء غير ان الأسعار أصبحت متقلبة ويتوقع كثير من المحللين اختراق عتبة المئة دولار النفسية في وقت ما من الأسابيع المقبلة.

وفي الإطار ذاته شبه دانيال بيرجين، المؤرخ النفطي ورئيس مجلس إدارة اتحاد أبحاث كامبريدج للطاقة، الشركة الاستشارية، أسواق اليوم، بأنها أشبه بصف من المشاهدين يقفون في انتظار اللحظات الأخيرة من مباراة لكرة القدم، وهم يعرضون «اخرج! اخرج» مضيفاً بأن الناس بدوا أكثر قبولاً بسعر 100 دولار أكثر مما كانت عليه وهي بسعر 60 أو 70 دولاراً.

والنفط ليس بعيداً عن ارتفاعه التاريخي المعدل تضخيماً الذي بلغه عام 1980 في أعقاب الثورة الإيرانية فقد قفز سعره آنذاك إلى ما يوازي 70,101 دولار للبرميل. من قيمة العملة اليوم.

ولقد كان النفط وعلى امتداد القسط الأوفر من القرن العشرين، وفي ظل انتقاله بالعالم المعاصر، يمتاز برخصه ووفرته.

إذ تراوحت أسعاره خلال التسعينات من القرن الماضي، على سبيل المثال، عند عشرين دولاراً للبرميل، ورغم ارتفاعه بمقاييس اليوم، فإنه يظل أرخص من المياه المعبأة، التي تكلف 180 دولاراً للبرميل، أو الحليب الذي يكلف 150 دولاراً للبرميل.

وفي سياق متصل أبدت ليندا كوك عضو مجلس إدارة رويال دتش شل، كبرى شركات النفط تشاؤمها من المستقبل قائلة، «إن الخوف اليوم، يتمحور حول كيفية تلبية قطاع الطاقة، للطلب المتوقع المتزايد على المدى الطويل»، مضيفة أن الطلب على الطاقة، يزداد بمعدل لم تشهده قط من قبل. وفيما يتعلق بالجانب التوريدي قالت «كوك» إننا نراه يصارع في سبيل الاستمرار وهذا هو تحدي الطاقة.

وتمثل الصين، أكثر من غيرها، حجم ذلك التحدي، فمع تحولها إلى قوة اقتصادية عالمية خلال العقد الماضي، أصبحت واحدة من أكبر مستخدمي الطاقة. وحقق اقتصادها نمواً فائق السرعة، بلغ 10% سنوياً منذ تسعينات القرن الماضي، رافعاً قرابة 300 مليون نسمة من حافة الفقر، غير أن عملية التصنيع السريعة كانت غالية الثمن.

فقد ازدادت أسعار النفط الخام أكثر من أربعة أضعافها منذ 1980 محولة بلداً كان يوما ينعم بالاكتفاء الذاتي إلى بلد مستورد بكل معنى الكلمة ولفتت انترناشونال هيرالد تريبيون، إلى أن الهند والصين، تحتضنان ثلث تعداد البشرية فالناس هناك يطالبون بالحصول على الكهرباء والسيارات والسلع الاستهلاكية وبإمكانها منافسة الغرب في الحصول على المصادر.

وفي خضم تلك العملية فإن العملاقتين الآسيويتين يقلبان موازين الطاقة العالمية. فالصين تستهلك اليوم ثلث النفط الذي تستهلكه الولايات المتحدة التي تحرق ربع النفط العالمي يومياً. وبحلول عام 2030 سوف تستورد الهند والصين مجتمعتين نفطاً يوازي ما تستورده الولايات المتحدة واليابان اليوم.

وقالت صحيفة هيرالد تريبيون إن أوروبا تمكنت من السيطرة على استهلاك النفط من خلال إجراءات تمثلت في فرض ضرائب عالمية على الوقود والسيارات الصغيرة، ووسائل النقل العام الفعالة. وفي الولايات المتحدة حيث سعر البنزين أرخص من أوروبا قفز استهلاك النفط إلى 21 مليون برميل يومياً هذا العام، من 17 مليون برميل أوائل التسعينات.

ولو أن الصينيين والهنود استهلكوا من النفط قدر استهلاك الفرد الأميركي، فإن الاستهلاك العالمي سيبلغ أكثر من 200 مليون برميل يومياً، بدلاً من 85 مليون برميل يومياً حالياً. غير أن أحداً من الخبراء، لا يتوقع الوصول إلى ذلك المستوى من الإنتاج. الأرجح أن يزداد الطلب العالمي ليصل إلى 115 مليون برميل يومياً بحلول 2030 وهو مستوى سيتجاوز قدرة العالم على ضخ المزيد من النفط من باطن الأرض.

ترجمة: وائل الخطيب