أكدت غرفة تجارة دبي على أن أزمة الرهن العقاري الأميركية لم تنته بعد وانه من الخطأ استبعاد مزيد من تأثيرات الأزمة على دول مجلس التعاون. وأكدت الغرفة في تقرير صادر عنها أمس، أن الوقت ليس مناسباً في دول الخليج لتصدر أدوات دين جديدة. وتوقع التقرير قيام مستثمرين إقليميين من أصحاب المراكز في استثمارات السوق العالمي بنقل خسائرهم التي لحقت بهم إلى الاقتصاديات المحلية لدول مجلس التعاون.

على الرغم من أن أزمة الرهن العقاري السيئة قد ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي، إلا أن استبياناً خاصاً أجرته مؤسسة ستاندرد آند بورز أشار إلى أن البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي لم تتأثر أو كان تأثير الأزمة عليه لا يذكر (أقل من 1%). ومع ذلك، وطبقا لمصادر محلية فإنه من المبكر الاهتداء إلى حجم هذا التأثير. هنالك دلائل على اليقظة إزاء آثار محتملة على قطاعات أخرى من الاقتصاد الأميركي على الاقتصاد العالمي. لذلك، من الخطأ استبعاد مزيد من تأثيرات الأزمة على دول مجلس التعاون.

في الوقت الحالي، أثرت أزمة أسواق الأسهم والسندات العالمية على أسواق الأسهم والسندات في دول مجلس التعاون. ونسبة لمخاطر الائتمان العالمي وبناء على التصورات التي تفيد بأنه ليس وقتا مناسبا لإصدار ديون جديدة، فإن معظم الشركات الإقليمية في دول المجلس مثل الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك»، ودانة غاز، وبنك الخليج الأول، وبنك الاستثمار والتي قامت إما بتأجيل إصدار السندات أو قللت من حجم إصدارها.

من جهة أخرى، على الرغم من أن أسواق الأسهم الخليجية، والتي يسيطر عليها بشكل رئيسي مستثمرون في تجارة التجزئة، قد أظهرت ارتباطا قليلاً بالأسواق العالمية إلا أنها معرضة لمخاطر محدودة. داخل دول المجلس، فإن شركة إعمار العقارية تعتبر الشركة الإقليمية الوحيدة التي تتأثر مباشرة بسوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة.

أيضا من المتوقع يقوم مستثمرون إقليميون لديهم مراكز في استثمارات السوق العالمي بنقل خسائرهم التي لحقت بهم في السوق العالمي إلى الاقتصاديات المحلية لدول المجلس. بمعنى آخر، يتوقع أن تواجه مؤسسات الأسهم الخاصة الإقليمية والتي تتعامل مع تجارة الأسواق العالمية ورطة جراء هذه الأزمة.

وتلوح في أفق دول مجلس التعاون آثار إضافية لأزمة الرهن العقاري الأميركية وهي ضعف القوة الشرائية عالميا. كذلك يعتبر ضعف الدولار الأميركي هماً رئيسياً آخر لدول المجلس على مدى العامين الأخيرين. وقد ضاعفت أزمة الرهن العقاري الأميركية من تخفيض قيمة الدولار الأميركي. ولم تواجه الاقتصاديات الخليجية التي ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي من ارتفاع تكاليف الواردات فحسب بل تواجه انخفاضا في القوة الشرائية.

وأكدت دراسة حديثة لغرفة تجارة دبي أن أزمة سوق الرهن العقاري الأميركي جاءت نتيجة لامتدادات غير حذرة للقروض الممنوحة. وأشارت الدراسة إلى أن هذه القروض تم بيعها لأشخاص لا يستحقون التعامل مع أنظمة القروض التقليدية، في ظل إعطاء مؤسسة ستاندرد آند بورز تقييمات وصفتها بالمبالغ فيها لقروض عقارية على درجة عالية من المخاطرة.

واعتبرت أنه في ظل افتراضات مخاطرة غير صحيحة بناء على تقييم ستاندرد اند بورز والمعدل المرتفع للعائدات، قام مستثمرون ومؤسسات من أنحاء العالم بشراء التزامات الدين المضمونة. وتعتبر هذه الالتزامات أداة استثمارية تستحوذ على سندات تغطيها أصول ورهون ومن ثم بيع حقوق التدفق النقدي الناتج عن هذه المخاطر المصاحبة.

وقد دمجت هذه السندات في صناديق التحوط التي تديرها بعض المؤسسات المالية الكبيرة. ومع ذلك، عندما ارتفعت أسعار الفائدة فإن دائني الرهن العقاري أصيبوا في مقتل بسبب عدم قدرة المقترضين على سداد قروضهم العقارية. وأكدت الغرفة على أن العولمة، أدت إلى ظهور عمليات الاندماج في الأسواق المالية العالمية. ولذلك فإن أي ارتفاع أو انخفاض في أحد الأسواق أو المجالات يمكن أن يكون لديه تأثير مباشر أو غير مباشر على الأخرى. ويعتبر انفجار فقاعة السكن الأميركية النموذج الأقرب لذلك.

وأشارت الدراسة، إلى أنه وطبقا لاقتصاديين أميركيين وبحسب سفارة الإمارات في الولايات المتحدة والعديد من الخبراء الماليين الآخرين من عدة بنوك عالمية، فإن النمو الاقتصادي العالمي سوف يتلقى ضربة جراء أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة. وقد أدى الإهمال في إدارة مخاطر الاستثمار المرتبطة بسوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة إلى فقدان الثقة في أسواق المال العالمية.

ويشير اقتصاديون أميركيون إلى أن السبب الرئيسي وراء هذه الأزمة كان ممارسات ذات مخاطر أخلاقية قامت بها مؤسسات مالية أميركية. تنشأ المخاطر الأخلاقية عندما تعتقد مؤسسات التسليف أنها تستطيع تقديم قروض عالية المخاطر وأن تقطف المنافع في حالة كانت عوائد الاستثمارات جيدة. لكن إذا كانت هذه العوائد سيئة فإنها في هذه الحالة يمكنها استغلال سياسة الحكومة النقدية من خلال تحويل عبء مقدر من خسائرها إلى مؤسسات مثل البنوك المركزية وبنوك الاحتياط والتي تساعد في الكفالة المالية لهذه المؤسسات.

بالإضافة إلى ذلك فإن دافعي الضرائب والمودعين والمقرضين الآخرين يتحملون على الأقل جزء من عبء القرارات المالية ذات المخاطر والتي أصدرتها مؤسسات الإقراض. واعتبرت الغرفة، أن التقييم الواضح لانتشار المخاطر وحجم الأصول المشكوك فيها لأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة لا يزال غائبا.

وقد أدت المخاوف من هذه الخسائر غير المعروفة والمشكوك فيها إلى مشكلات مضاعفة للمؤسسات المالية وشركائها. نتيجة لذلك، فقد توقفت هذه المؤسسات عن ضمان إصدار ديون جديدة كإجراء طارئ لتغطية احتياجاتها التمويلية المتوقعة وغير المتوقعة. يعتقد خبراء ماليون أنه وبالرغم من أن تأثير الأزمة قد ألقى بظلاله على أسواق الأسهم والديون العالمية، إلا أن سوق الديون تأثرت بشكل أكبر.

وتختلف آراء العديد من الخبراء حول الممارسات العلاجية لإنهاء الأزمة. من جهة، ويقترح بعض الخبراء أن خفض أسعار الفائدة سوف يشجع مزيد من سيولة السوق. في ذات الوقت لا يتفق خبراء آخرون مع هذا الاقتراح ويشيرون إلى أن خفض أسعار الفائدة سيؤدي مجددا لممارسات ذات مخاطر أخلاقية. عوضا عن ذلك، يقترح هذا الفريق دعم الأسواق من خلال ضخ البنوك المركزية وبنوك الاحتياط مزيدا من الأموال في الاقتصاد بالإضافة إلى خفض أسعار الفائدة في ذات الوقت.

لذلك ولأجل إنقاذ المؤسسات الرئيسية في السوق من القروض ذات المخاطر واستقرار الآثار المتقلبة للأزمة، قامت البنوك المركزية في اليابان وأستراليا وكندا بضخ أكثر من 240 مليار دولار في الأسواق. ومع ذلك، يفترض استمرار تبعات الأزمة، وهي وبالتالي ستؤثر على الاقتصاد العالمي.