تتفتح عيون كثير من الناس بشكل أوسع يوماً بعد يوم على ضرورة الاهتمام بأنظمتهم الغذائية في مواجهة الموجة الكاسحة لمطاعم الوجبات السريعة التي اجتاحت معظم المدن العالمية في عصر السرعة والعولمة، وتسببت بتكديس الدهون في الأجسام وازدياد الأوزان والبدانة لدى كثير من الناس.

ودبي المدينة العصرية بامتياز، والتي تعتبر واحدة من أسرع مدن العالم نمواً، درج كثيرون من سكانها في الآونة الأخيرة على «موضة» تناول الأغذية العضوية، أو ما بات يعرف بـ «اورجانك فوود»، في مواكبة منهم لتصاعد هذه الموجة نحو الغذاء الصحي في البلدان الأوروبية، وتحديداً في العاصمة البريطانية لندن التي باتت تعتبر العزومة فيها إلى مطعم يقدم الطعام «العضوي» بمثابة دعوة فاخرة، وذلك لارتفاع ثمن هذا النوع من الوجبات وندرة وجودها في الأسواق. ويؤكد أشرف شرف، مدير شركة «غلوبال لينكس دبي» لـ «البيان»، أنه على الرغم من محدودية الطلب على المنتجات العضوية في دبي والدولة.

وحتى في معظم دول المنطقة، فإن هذا السوق وخصوصاً قطاع الأغذية منه، يشهد نمواً ملحوظاً وإن كان بطيئاً، ما دفع بالعديد من «السوبر» و«الهايبرماركت» المحلية في الآونة الأخيرة لتخصيص أقسام خاصة بالمنتجات العضوية والطبيعية، عادة ما يشار إليها بلافتات يكتب عليها «أورجانك فوود»، للفت نظر المتسوقين والمهتمين إلى توافر هذا النوع من المنتجات في المتجر. كما يمكن أن نرى لافتات كتب عليها «سيرتيفايد أورجانك»، للإشارة إلى أن المنتجات العضوية المعروضة مرخصة من الجهات المعنية المانحة لهذا الترخيص.

ويضيف شرف ان انتشار المنتجات العضوية في دبي على سبيل المثال، لم يقتصر على المتاجر الكبيرة وحسب، بل تعداها إلى رواج هذه المنتجات في عدد كبير من المتاجر الصغيرة التي تخصصت ببيع المنتجات العضوية والطبيعية بمختلف أنواعها الغذائية والصحية والتجميلية والصحية. وكذلك في بعض المطاعم التي راحت تقدم الوجبات العضوية والطبيعية العالمية الحاصلة على توثيق وموافقة من وزارة الصحة، وفي بعض الفنادق الفخمة التي راحت تقدم «الأورجانك فوود» هي الأخرى، بالإضافة إلى انتشار هذه المنتجات في المراكز الصحية ودور اليوغا والسبا والصيدليات وغيرها.

وشهدت أماكن بيع واستخدام المنتجات العضوية، من متاجر وفنادق وصيدليات ومراكز صحية وطبية ويوغا وسبا وسونا ومحال بيع الأعشاب الطبية والمياه الطبيعية والعضوية ونوادي الأكل الصحي وصالونات التجميل والتزيين والعلاج الطبيعي وغيرها، نموا سريعاً في الإمارات خلال الأعوام القليلة الماضية، إلى أكثر من 2850 متجرا ومؤسسة ومركزا، منها 45 متجراً لبيع هذه المنتجات على مستوى الدولة، تستورد بضائعها من إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية والصين واندونيسيا والنمسا.

مزارع عضوية في الدولة

ويشير شرف إلى وجود عدد من مزارع المنتجات العضوية حالياً في الإمارات وخاصة في أبوظبي ودبي التي أنشأت مركز دبي للعلاج بالأعشاب المعروف بـ «دبي هيربل تريتمنت سنتر». هذا إلى جانب وجود ما يزيد على 13 منظمة بيئية في الدولة تعنى بالزراعة والصحة الغذائية وما شابه. وكشف شرف عن توجه المنظمة العالمية للزراعات العضوية التي تتخذ من ألمانيا مقراً لها، ولها عدة فروع في دول مختلفة، لافتتاح مقر إقليمي لها في دبي لتوثيق المنتجات العضوية الإماراتية، وتقديم التوعية للمزارعين والمصنعين.

وتشجع الدولة باستمرار على تحوّل الناس لاستهلاك المزيد من هذه المنتجات الطبيعية والعضوية، كما تشجع الشركات على الاستثمار في مجال الزراعة العضوية والطبيعية، في ظل التوجه العام الحالي على الصعيد العالمي لاستعمال هذه المنتجات التي تتميز بأنها صحية أكثر من سواها، خاصة بعد ان بدأ المستهلكون يعون المنافع الكثيرة لهذه المنتجات. وقد وصل حجم السوق العالمي للمنتجات العضوية والطبيعية إلى نحو 200 مليار دولار.

ولكن كيف وصلت هذه الموجة إلى دبي والمنطقة؟ والى أي مدى ستحقق الانتشار؟ ولماذا يرتفع ثمن هذا النوع من المنتجات مقارنة بالأصناف الأخرى؟

يقول شرف إن تنامي وعي المستهلكين بضرورة تناول الأكل الصحي والسليم، أدى إلى التركيز والبحث عن الأكل البديل عن الوجبات السريعة التي تسبب البدانة ويضر بعضها بالصحة. وكان البديل المنتجات الطبيعية والعضوية التي تخضع لمعايير عالية وتزرع في تربة ومياه سليمة ويستخدم لها سماد طبيعي وتغلف بمواد ومكائن خاصة باتت تعرف بالتغليف العضوي.

هذا بالإضافة إلى انتشار المراكز الصحية والمرافق التي تبيع الأدوية الطبيعية والمكملات الغذائية والسبا وأندية اليوغا والعلاج الطبيعي التي تستخدم جميعها أنواعاً مختلفة من هذه المنتجات. أما لناحية ارتفاع ثمن المنتجات العضوية، فيقول شرف إن ذلك يعود إلى طبيعة هذه المنتجات التي تنمو من دون مواد كيميائية أو اصطناعية، ولأنها تتطلب جهدا أكبر للعناية بها. ولأن قلة من المزارعين تستخدم هذه التقنيات للزراعة المستدامة. كما يرتبط سعر المنتجات العضوية بالطلب عليها عند المزارع .

دعم الدولة

من جهة أخرى، يشير شرف إلى أن نمو «معرض الشرق الأوسط للمنتجات الطبيعية والعضوية ـ (مينوب)»، الذي يديره بنفسه والذي تنطلق فعاليات دورته الخامسة في مركز دبي التجاري العالمي بتاريخ 16 ديسمبر المقبل، يعكس بشكل واضح نمو سوق المنتجات العضوية والطبيعية في دبي والمنطقة.

حيث يؤكد أن الحدث تضاعفت مساحته ووصلت إلى 8 آلاف متر مربع، مقارنة بدورته الأخيرة التي بلغت 4 آلاف متر مربع. وقد انطلق الحدث في دورته الأولى قبل خمس سنوات في فندق جراند حياة ـ دبي، بمشاركة 40 عارضاً، وعلى مساحة 1000 متر مربع.

ويلفت شرف إلى أن المعرض سيكون محور اهتمام المتخصصين والعاملين ضمن قطاع المنتجات الطبيعية والعضوية في المنطقة، لكونه المعرض الأكبر من نوعه على المستوى الإقليمي. ويضيف أن الدعم والرعاية التي يحظى بها المعرض تظهر حجم النمو الذي يشهده قطاع المنتجات الطبيعية والعضوية في منطقة الشرق الأوسط.

موضحاً أن المعرض يلقى دعماً قوياً من أبرز الجهات الحكومية الإماراتية والمنظمات العالمية المتخصصة في هذا الشأن، حيث يقام تحت رعاية وزارة الصحة ووزارة البيئة والمياه في الدولة، نظراً لأهمية الدور الذي يلعبه المعرض في تعزيز الحالة الصحية للمجتمع الإماراتي بشكل عام.

ومعلوم أن وزارتي الصحة والبيئة والمياه في الدولة تبذلان جهودا كبيرة في الترويج لاستهلاك المنتجات الطبيعية والعضوية، نظراً لكونها خيارا صحيا هاما للمستهلكين في الإمارات. كما يلقى المعرض دعما ومساندة من العديد من المنظمات العالمية، من بينها «كونكس»، و«آيفوم»، و«غرين ترايد دوت نت»، وجمعية «كاي أتش أس أي» الكورية، و«أورجانك ـ بايو دوت كوم»، و«القرية الإيطالية»، و«أو بي آر»، وعدد من المنظمات الأخرى.

ويشارك في دورة معرض المنتجات الطبيعية والعضوية هذا العام عدد كبير من العارضين الجدد من دول مختلفة، وهو يتميز بفئاته الجديدة التي تشتمل على عرض خاص لمواد التجميل الطبيعية وأحجار المعالجة الطبيعية والأملاح وأحدث منتجات السبا الطبيعي.

وقد جذب تنامي الطلب الملحوظ على المنتجات العضوية من قبل المستهلكين والفنادق والمراكز الصحية وغيرها، دولاً عدة تشارك بأجنحة وطنية، منها إيطاليا واليونان والولايات المتحدة الأميركية وإندونيسيا ونيوزيلندا وأستراليا وكوريا. إلى جانب العديد من العارضين الجدد من الإمارات ولبنان والمملكة العربية السعودية ومصر وفلسطين وروسيا وباكستان وتاهيتي.

أطباق صحية

كما يشارك في الحدث الشيف أسامة السيد، صاحب برنامج «مع أسامة أطيب» الذي يعرض على شاشة تلفزيون دبي. ويتمتع الشيف أسامة بمهارات وخبرات عالية جداً في تحضير أبرز وأشهى الأطباق الصحية العالمية.

ويتوقع شرف ان يزور المعرض هذا العام آلاف الزوار من داخل الدولة وباقي الدول. ويقول ان المعرض سيجمع تحت سقف واحد عددا كبيرا من المنتجين والمصنّعين والموزعين للمنتجات الطبيعية والعضوية.

حيث سيتم عرض مجموعة واسعة من المنتجات ضمن العديد من الفئات بينها المأكولات والمشروبات العضوية والمنتجات التجميلية والصحية الطبيعية، ومنتجات العناية بالأطفال إلى جانب الأعشاب ومواد الحمية الغذائية والأدوية والمواد العلاجية العشبية أدوية الطب البديل. كما تشتمل المعروضات على المنتجات والمواد العلاجية الطبيعية الخاصة بالسبا والموسيقى إضافة إلى المفروشات والهدايا والألبسة والمنسوجات الطبيعية.

تجارب شخصية

ويقول راشد (30 عاماً) الذي يواظب على تناول الأغذية العضوية أنه اتبع نظاما غذائيا يقوم على تناول الوجبات العضوية والطبيعية خسر بنتيجته زهاء 15 كيلوغراما من وزنه، حتى بات يشعر بالراحة والخفة. اما عن التكلفة المادية، يقول راشد إن أسعارها مرتفعة مقارنة مع أسعار الوجبات الأخرى، لكنه يشير إلى انه خصص لها ميزانية خاصة لأنها تبعده عن المرض والبدانة، لكنه يشير في الوقت عينه إلى قلة المتاجر التي تبيع هذا النوع من المنتجات.

ويوضح راشد انه استعاض عن فطوره الصباحي الاعتيادي بالتمر واللوز والزبيب التي تفرز نشاطا في الدماغ، عوضاً عن الشوكولاته الجاهزة بالسكر الاستهلاكي الذي يعطي نشاطا مزيفا، كما استعاض عن الغداء التقليدي بقليل من السلطة مع قليل من الفاصولياء وما شابه، وفي المساء قطعة من الخبز المنبت مع السلطة.

ويضيف راشد ان توجهه إلى تناول المأكولات العضوية والطبيعية جاء انطلاقاً من رغبته بتناول الأكل النظيف من المبيدات، بعد ان أجرى بحثاً تبين له من خلاله أن غالبية الخضر لا تخضع لرقابة صحية، وان الناس باتت تأكل في نهاية السنة نحو 5 كيلوغرامات من المواد السامة، ومن المؤكد ان قسما منها يبقى داخل الجسم، كما يقول راشد.

اما إيمان عيسى (27 عاما) واحدة من المواظبات الجديدات على تناول الوجبات العضوية في أحد المطاعم الحديثة العهد في دبي. سمعت إيمان عن الأغذية العضوية ورغبت بتجربتها. بحثت عن المتاجر والمطاعم التي تقدم هذا النوع من الغذاء، وراحت تواظب على تناول الخضر والفاكهة وغيرها من المأكولات العضوية.

مضى على اتباعها هذا النظام الصحي ما يزيد على 6 أشهر، وهي تشعر بتحسن بصحة ونشاط أفضل من السابق خاصة وانها توقفت عن تناول اللحوم أيضاً، كما تقول. لكنها تشكو من ارتفاع ثمن الوجبات العضوية مقارنة بأسعار الوجبات في المطاعم الأخرى وكذلك قلة عددها ومحدودية انتشارها، وينطبق ذلك أيضا على المنتجات العضوية من خضر وفاكهة وغيرها.

ما هي الأغذية العضوية؟

الأغذية العضوية هي الأغذية المنتجة أو المصنعة من الزراعات العضوية «اورجانكس» بعكس الاصطناعية أو المركبة «سينثاتكس». والمأكولات العضوية هي منتجات زراعية تعتمد على تقنيات حماية بيولوجية من الآفات لتسميد الأتربة ومعالجة الحشرات عوض الأسمدة الكيميائية. مما يفرض عدم استخدام مكونات اصطناعية أو معدّلة وراثيا.

وهو مفهوم يدعم انتاج الأغذية التي تحترم المعايير البيئية والاجتماعية والاقتصادية وينشطه، ويواجه كذلك الشركات الكبرى التي تقوم بزراعة مساحات شاسعة بالزراعات العضوية، رافضة منطق الهيمنة على مصادر الغذاء، بحيث تحافظ على حقوق المزارع الصغير.

اكتمال اللائحة

تعج دبي بالمطاعم على أنواعها. ويأتي انتشار المطاعم التي تقدم الوجبات العضوية ليكمل اللائحة المتنوعة في المدينة المضيافة. وعلى الرغم من ان إعداد رواد هذه المطاعم لا يزالون قلة، يتوقع أن تشهد دبي انطلاق موجة من المطاعم المشابهة، وخاصة مع تفتح عيون الناس بشكل أوسع على ضرورة الاهتمام بأنظمتهم الغذائية. يبدو ان هذه الموجة المفيدة للصحة متواصلة، فرواجها ليس بمستحيل في المستقبل في دبي التي تجمع جميع جنسيات البشر.

دبي ـ ضياء عبد العال