اكتست مسألة استخدامات الطاقة النووية في الأغراض السلمية أهمية كبرى خلال الساعات الماضية. وأبرمت أريفا الفرنسية أضخم عقد تجاري على الإطلاق في مجال الطاقة النووية باتفاقها على بيع مفاعلين نووين للصين وتزويدها بالوقود الذري لنحو 20 عاما في صفقة تتجاوز قيمتها بمراحل ما كان متوقعا.
ويقول محللون إن الأيام التي كانت الطاقة النووية فيها تجسد الخطر البيئي قد ولت منذ عهد بعيد. ومع تصدر قضية ارتفاع درجة حرارة الأرض للأجندة الدولية فقد تحولت الطاقة النووية إلى اللون «الأخضر» بوصفها صديقة للبيئة.
كما أن ارتفاع أسعار النفط يدعم القطاع بشكل رئيسي أيضاً. ويزداد حرص بكين على تدبير واردات الطاقة والسلع الأولية اللازمة لتغذية نموها الاقتصادي وهي تتجه إلى إعطاء الأولوية للمستثمرين في تلك القطاعات الذين بمقدورهم توفير الإمدادات.
وتبلغ قيمة العقد الصيني ثمانية مليارات يورو (نحو 8. 11 مليار دولار) وهو ما يزيد كثيرا عن الأرقام التي ذكرت أول الأمر قبل عشرة أشهر عندما أشارت بكين إلى أنها ستمنح الشركة الفرنسية المملوكة للدولة دورا في خطتها الطموح للتوسع في الطاقة النووية.
وقالت أريفا إن الصفقة غير مسبوقة في سوق الطاقة النووية العالمية، وتمثل بداية تنسيق عالمي مع مؤسسة جوانجدونج الصينية للطاقة النووية التي ستساعد على بناء المحطة في جنوب الصين المركز الصناعي للبلاد. ورأت ان لوفيرجيون الرئيسة التنفيذية لاريفا أن الصفقة تعيد التأكيد على ريادتنا النووية عالميا وتعزز مركزنا في واحدة من أبرز الأسواق الواعدة لعقود مقبلة.
وأضافت لوفيرجيون أن شركة الكتريسيته دو فرانس الفرنسية للمرافق ستمول 30 في المئة من الصفقة مقابل حصة في المحطة وتشمل الحزمة نحو 600 طن سنويا من الوقود للمفاعلات من بدء التشغيل في 2014 وحتى عام 2026.
وأبلغت مؤتمرا صحفيا عقب التوقيع أن الصين تعاقدت أيضا على اليورانيوم لعدة محطات أخرى في إطار خطط لزيادة قدرتها لما يقرب من أربعة أمثالها حتى عام 2020. واتفقت مؤسسة جوانجدونج على شراء 35 في المئة من إنتاج وحدة يورامين التابعة لشركة أريفا والتي تركز على التعدين في افريقيا ومن المتوقع أن تنتج نحو 65 ألف طن من اليورانيوم حتى عام 2022.
ومن المقرر أن يبحث قادة العالم أمر إيجاد اتفاقية تخلف بروتوكول كيوتو في ديسمبر في منتجع بالي في اندونيسيا حيث تتزايد الضغوط على اللاعبين الأساسيين مثل الولايات المتحدة والصين والهند لخفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسؤولة عن ارتفاع درجة حرارة الكون.
ويقول خبراء انه في ظل هذه الظروف ربما يصبح أمر إحياء الصناعة النووية أمرا مقررا. وقال هانز ـ هولجر روجنر خبير الطاقة النووية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية «إذا كانوا يريدون اتفاقا تنضم إليه الولايات المتحدة وأيضا الصين والهند فان استبعاد الطاقة النووية لن يكون مقبولا».
ومن المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على الطاقة خلال العقود القليلة القادمة مع استمرار الأمم البازغة مثل الصين والهند في شق طريقها بين كبار الدول الصناعية في العالم. ويشهد العالم الآن بناء 32 محطة نووية 16 منها في آسيا
وذلك بحسب أحدث تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذا الشأن والذي نشر أواخر شهر أكتوبر الماضي. والهند وحدها تعتزم زيادة حجم الطاقة النووية المولدة بها 8 مرات لتصل نسبتها إلي 10 في المئة من إجمالي الطاقة المولدة في البلاد.
وتقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن هناك 435 مفاعلا عاملة حاليا في 30 بلدا توفر 15 في المئة من إنتاج العالم من الطاقة وعلى مستوى الدول توفر هذه الطاقة ما يتراوح بين 2 في المئة من احتياجات الصين من الطاقة و78 في المئة في فرنسا.
وعلى الرغم من أن هذا الرقم يقل من الناحية الفعلية عما كان موجودا قبل 10 سنوات فان طلبات بناء مفاعلات جديدة التي قد تحتاج أحيانا لعقد كامل من الزمان في ازدياد مضطرد كما تزداد معها ثقة الرأي العام في الطاقة النووية وذلك منذ كارثة تشيرنوبيل النووية
وحادث ثري مايل ايلاند في الولايات المتحدة عام 1979. وفي الولايات المتحدة يؤيد أكثر من 50 في المئة من الشعب الأميركي الآن الطاقة النووية بحسب أحدث الإحصاءات مقابل ما يزيد قليلا على 40 في المئة عام 2000 .
وتتباين هذه النسبة في أنحاء أوروبا لكن حتى هناك فان عدد المفاعلات العاملة حاليا يبلغ 166 مفاعلا فيما عادت المداولات بشأن القضية تطل برأسها من جديد في دول كانت تناهض الطاقة النووية تماما مثل ألمانيا وايطاليا.
ويقول الخبراء إن المستهلكين في العالم المتقدم لا يزالوا يفضلون مصادر الطاقة غير النووية بيد انه عندما تدخل التكلفة على الخط فان البندول يتحرك بسرعة نحو تأييد الطاقة النووية. ويوضح روجنر وهو أيضا عضو لجنة تغير المناخ المؤلفة من عدة حكومات والتي تدعمها الأمم المتحدة «طالما أنها رخيصة فان الرأي العام لن يكترث كثيرا».
ويضيف: «لو وقع حادث جديد فان هذا سيكون مدعاة لتأخير التوسع النووي في الغرب لكن الدول النامية لن تتردد حتى لو وقع مثل هذا الحادث». وحتى الخضر دعاة البيئة النظيفة الذين كانوا في السابق يعتبرون الطاقة النووية جذر كل الشرور تغيرت مواقفهم وصاروا إما مؤيدين لتلك الطاقة أو حولوا اهتمامهم إلى معارك أخرى ربما كان حظها من النجاح أوفر.
عوامل تدفع نحو الاهتمام بالقطاع
بينما تتحكم المخاوف البيئية بشكل كبير في المواقف تجاه الطاقة النووية فان ثمة قضايا أخرى تلعب دورا مؤثرا في مسالة الإحياء النووي المحتمل منها ارتفاع أسعار النفط وامن الطاقة والأوضاع الجيوسياسية.
فعدد كبير من الدول تعتريها مخاوف من أن مصادر النفط والغاز تعتمد على دول تقع في مناطق هشة من الناحية الجيوسياسية مثل منطقة الشرق الأوسط . وفي المقابل فان اليورانيوم وهو المادة الرئيسية للوقود النووي موجود في دول مستقرة مثل استراليا وجنوب إفريقيا وكندا. كما أن السعر قضية أخرى .
فكلفة الاستثمار في الطاقة النووية تكون عالية في البداية في مقابل انخفاض كلفة الإنتاج بعد ذلك. ومع الارتفاع المستمر في أسعار النفط فان فاتورة الاستثمار في الطاقة النووية المكلفة في البداية ربما لا تمنع حتى الدول النامية من إبداء اهتمامها.
ويقول أنصار الطاقة النووية انه لا يزال يتعين معالجة المخاوف من الانتشار والأمان والتامين النووي وتلك الخاصة بالتخلص من النفايات النووية. كما يتعين زيادة الشفافية بهدف طمأنة الرأي العام إلى أن النواحي الايجابية للطاقة النووية تفوق الأخطار بكثير.
