يشهد العالم أكبر تحول في تاريخه بانتقال القوة الاقتصادية من قبضة الدول المتقدمة إلى الصين وغيرها من عمالقة الأسواق الناشئة، فبفضل الإصلاحات السوقية حققت الاقتصادات الناشئة نمواً فاق في سرعته ما حققته الأسواق المتقدمة من نمو وزادت الفجوة اتساعاً بين معدلات نموها ومعدلات نمو الدول المتقدمة المتباطئ.
ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي فإن سرعة النمو، في تلك الدول تجاوزت أربعة أضعافها هذا العام. وذكرت مجلة الايكونومست أن الاقتصادات الناشئة تشكل 30 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي العالمي في أسعار الصرف العالمية، وبمقاييس أكثر شمولاً فإن وزنها أخذ يزداد ثقلاً.
فقد باتت صادراتها تشكل 45 في المئة من إجمالي الصادرات العالمية وتستهلك نصف الطاقة العالمية كما أنها شكلت أربعة أخماس النمو في الطلب العالمي على النفط، خلال السنوات الخمس الماضية ومما يفسر أسباب ارتفاع أسعار النفط، وهي تجثم على 75 في المئة من الاحتياطات العالمية من العملات الأجنبية.
ولقد انعكست قوة الاقتصادات الناشئة المتزايدة في أسواق أسهمها التي ارتفعت بحدة في السنوات الأخيرة فقد قفز مؤشر مورجان ستانلي كابيتال انترناشيونال للأسواق الناشئة منذ عام 2003 أكثر من أربعة أضعافه، من الناحية الدولارية مقارنة بزيادة 70 في المئة فقط في ستاندارد أندبور 500 الأميركي. وبلغت الأوج في البرازيل بمكاسب غير معقولة تجاوزت 900 في المئة.
وخلال الفترة ذاتها نما إنتاج الاقتصادات الناشئة بمعدل 35 في المئة مقارنة بإنتاج الدول المتقدمة الذي لم يتجاوز 10 في المئة، وبات الاعتماد أكثر من ذي قبل، على الاقتصادات الناشئة للمساعدة في إنهاض الاقتصاد العالمي.
لكن هل يمكن التعويل عليها في استمرار هذا الجهد؟
تجيب الايكونومست بأن ذلك معقول جداً فالأسواق الناشئة من مناظير عدة تبدو أكثر عافية من بعض الأسواق المتقدمة. فهي كمجموعات لم تعد تعتمد اعتماداً مالياً على الأجانب وهي تمتاز مجتمعة بفائض حساب جار، وبفضل الاحتياطات الكبيرة والديون المخفضة باتت في خانة المقرضين.
وهي تعاني من عجوزات موازنية أصغر في المعدل من البلدان الغنية وتظل معدلات التضخم منخفضة في المنظور التاريخي وعلى العكس من الأحداث السابقة، فإن أغلب العملات لا تبدو أنها مقيمة بأكثر من قيمتها وبالتالي تكون عرضة للانهيار والواقع أن أغلبها مقيمة بأقل من قيمتها،
الأكثر إثارة أن اقتصادات الأسواق الناشئة الـ 32 كافة المتابعة من قبل الايكونومست أظهرت هذا العام وللعام الرابع على التوالي نمواً إيجابياً. وهذه نقلة نوعية جبارة. ففي كل سنة سابقة منذ سبعينات القرن الماضي، عانت إحداها من الركود، إن لم يكن من أزمة مالية حادة.
لكن من الخطورة بمكان اعتبار الأسواق الناشئة متجانسة وهذا يعيد ذكريات مطلع تسعينات القرن الماضي، عندما ضخ المستثمرون أموالاً طائلة في أي صندوق يحمل علامة «السوق الناشئة». ففي الأول من أبريل 1994، عندما كانت حمى الشراء في ذروتها، نصح أحد الوسطاء الماليين في هونغ كونغ عملاءه بشراء أسهم في بوتان دراي دوكس. وسرعان ما تلقى طلبيات ضخمة.
بالرغم من كون بوتان مملكة محصورة في الهملايا، لم تكن تمتلك حينها سوقاً للأسهم. وطالبت مجلة الايكونومست المستثمرين بضرورة التمييز بين البلدان فبالرغم من أن الاقتصادات الناشئة لم تكن أكثر عافية عن ذي قبل فإن أعداداً متراكمة تخفي بعض الرعب وتعتبر الهند وتركيا وهنغاريا، أكثر الاقتصادات مخاطرة،
إذ تعاني جميعاً من عجوزات في الحساب الجاري وتضخماً نسبياً عالياً في السعر الاستهلاكي حيث تكون تلك الاقتصادات التي تعاني من عجز الحساب الجاري، عرضة لتدفق مفاجيء معاكس في الرساميل، فيما لو أصبح المستثمرون العالميون أكثر تعرضاً للمخاطر.
ناهيك عن أن الاقتصادات التي يعتبر فيها التضخم ونمو الائتمان عالياً، وعجوزات الموازنات مرتفعة كالهند، فإن الفرصة ضئيلة لتخفيف السياسة النقدية أو المالية إذا تعرض الاقتصاد للضعف.
أهمية التدفق الرأسمالي
إن طبيعة التدفق الرأسمالي متهمة أيضا، فالاستثمار الأجنبي المباشر أكثر أمناً من الرأسمال المضارب، ولكن وفقاً لـ «شيتان آهيا» الاقتصادي في مورجان ستانلي، فإن 85 في المئة من التدفقات الرأسمالية إلى الهند هذا العام، كانت على صورة دين أو محافظ استثمارية اتجه معظمها إلى البورصة.
وتظهر الهند مؤشرات خطيرة على وفرة غير منطقية فلقد غمرتها موجة عارمة من الفرح، الشهر الماضي، عندما بلغ سنسكس، مؤشر الهند المعياري، 20 ألفاً للمرة الأولى. وأوضحت ايكونوست انديا، ان العشرة الأولى تطلبت عشرين عاماً، أما العشرة الثانية فجاءت في غضون 20 شهراً،
أما الاقتصاد الصيني فيبدو أقل مخاطرة بفضل موازنة رسمية صغيرة وفائض حسابها الجاري الضخم، واحتياطياتها الواسعة، كما ان العضوين الآخرين فيما يسمى مجموعة بريك، وهما البرازيل وروسيا، فإنها يتمتعان بتصنيف مخاطرة أفضل من الهند والطفرة الائتمانية في روسيا مخيفة، بارتفاع الاقراض 55 في المئة خلال العام الماضي،
غير أن الاقتصاد محصن بفائض خارجي وموازني ضخم، بفضل أسعار النفط المرتفعة، وبعد معاناتها من عجز في الحساب الجاري خلال القسط الأعظم من العقود الثلاثة الماضية، فإن البرازيل نعمت بفائض لخمس سنوات،
وأيضاً بفضل أسعار السلع المزدهرة ومن ناحية أخرى، فإن أوروبا الناشئة، تومض باللون الأحمر، بمعاناتها من عجوزات متوسعة في الحساب الجاري، والتضخم المتزايد، والاقراض البنكي المتفشي، والفقاعات العقارية والواقع، إن هنغاريا وتركيا تبدوان أكثر حنكة مقارنة بدول البلطيق،
فلاتفيا تعاني من عجز في الحساب الجاري مقداره 24 في المئة من الناتج الاجمالي المحلي وتضخماً بنسبة 13 في المئة، وأسعار عقارات متزايدة بمعدل 60 في المئة سنوياً، ويواجه الاقتصاد سخونة حادة،
غير ان عملتها مربوطة باليورو، مما يعني عجزها عن رفع سعر الفائدة، كما ان استونيا وليتوانيا وبلغاريا ورومانيا، تعاني من عجوزات في حساباتها الجارية لأكثر من 12 في المئة من الناتج الاجمالي المحلي.
وان شريحة كبيرة من البنوك الاقراضية في البلطيق ومناطق أخرى من أوروبا الناشئة، كانت خاضعة أو مربوطة بالعملة الأجنبية وتلك الاقتصادات عرضة لتغير في الشعور الاستثماري، وإذا ما أدى تدفق سريع للرساميل إلى انهيار العملات، فإن الديون ستتضخم في العملة المحلية وفي الطرف المقابل،
فإن تايلاند وماليزيا وتايوان وجنوب أفريقيا لا تمتلك أدنى تصنيف للمخاطر، فقط، وإنما أسعار أسهم تبدو أقل قيمة من أماكن أخرى وفي تايلاند وماليزيا، وتايوان فإن نسبة وتناسب السعر والربح مازالت أقل من معدلها لعشرين سنة.
ومن جهة أخرى، فإن أسواق الأسهم الناشئة، تمتلك الآن مناسيب سعر وأرباح أعلى من الأسواق المتقدمة للمرة الأولى منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، وكانت الأسهم تتداول برخص نظراً لاعتبار تلك الأسواق أكثر مخاطرة، والآن باتت اقتصاداتها أقل مخاطرة وعت الأرباح بسرعة تزيد عن الدول الغنية.
وهذا قد يبرر تقييماً عالياً غير أن حجم بعض نسب الأسعار والأرباح، تثير مخاوف من تشكل فقاعة. ولقد شهدت البورصات الناشئة طفرة مشابهة مطلع تسعينات القرن الماضي حتى انتهت بسلسلة من الأزمات المؤلمة، المكسيك في نهاية 1994 شرق اسيا في 1977 روسيا في عام 1998 البرازيل في عام 1999،
تركيا في عام 2000 الأرجنتين في عام 2001 وفنزويلا في عام 2002، وفي نهاية 2002 فقد مؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة قرابة 60 في المئة من قيمته الدولارية لعام 1994، فلماذا لا تكون الطفرة الأخيرة مستدامة؟
ومن السمات المميزة للفقاعات مثل هوس دوت كوم في أميركا، وأكثرها حداثة، أزمة الرهن العقاري، هي رفض معظم الناس الظن بأنها فقاعة، حتى يحل البلاء. وفي تناقض صارخ، فإن كثيراً من الناس وصفوا سوق الأسهم في الصين بالفقاعة،
وأهمهم آلان جرينسبان، الرئيس السابق للبنك الاحتياطي الفدرالي. ويبدو أن الصعود الأخير في الأسعار يجعل تلك التحذيرات علماً بالغيب. غير أن تقريراً لجولدمان ساكس، يقول إن كثيراً من العوارض العامة، التي تشاهد عندما تكون الفقاعة على شفا الانفجار، غائبة عن الأسواق الناشئة الحالية.
مضيفاً بأن نسبة الأسعار والربح ليست أقل من الفقاعات السابقة فقط، ولكن الاختلالات الاقتصادية والمالية، التي تتولد عن ارتفاع أسعار الأصول، مثل العجوزات الخارجية المتوسعة، غائبة أيضاً عن كثير من الاقتصادات. وعلى المنوال ذاته وقبل تفجر الفقاعة وتحديداً في أميركا نهاية تسعينات القرن الماضي، وفي آسيا عام 1997، فإن الأرباح تقلصت، بيد أنها مازالت تنمو بقوة في الصين وسائر أنحاء آسيا.
ويتوقع كثير من المحللين، أن هوس الأسواق الناشئة سيرتد بعد فترة التقاط قصير لأنفاس. وستزداد الفقاعات تضخماً قبل انفجارها، وتنبأ كريس وود الخبير الاستراتيجي في سي ال سي أي clsa بأن نسبة السعر والربح المقبلة في آسيا، ستبلغ ذروتها أكثر من أميركا بمرتين.
تدفق الأموال الأسواق الناشئة
تشير التوقعات إلى استمرار تدفق الأموال الأجنبية إلى أسواق أسهم البلدان الناشئة بسبب تخلفها عن بقية أنحاء العالم. وفيما تشكل تلك البلدان 30% من الناتج الإجمالي المحلي العالمي، فإنها لا تشكل سوى 11% فقط من رسملة سوق الأسهم العالمية.
وسيؤدي النمو السريع في الأرباح وبالتالي أسعار الأسهم، إلى جانب الإصدارات الجديدة على تعزيز وتقوية قيمة تلك الأسواق. ووفقاً لتقدير حديث أصدرته إرنست أنديونغ فإن الصين والهند وروسيا والبرازيل، شكلت تقريباً نصف الأموال المجمعة على النطاق العالمي من الإصدارات العامة خلال الربع الثالث من العام.
ومن ضمن المخاطر الكامنة، أن مثل تلك الاستشرافات، ستستقطب اهتماماً خارجياً واسعاً، فقد كانت طفرة أسهم الأسواق الناشئة، فرصة غائمة للمستثمرين العالميين، غير أن المزيد من التدفقات من الرساميل الأجنبية قد تجد طروداً من الحكومات والبنوك المركزية.
واستناداً إلى صندوق النقد الدولي، فإن صافي التدفقات للرساميل الخاصة إلى الاقتصادات الناشئة ارتفع إلى قرابة 4% من ناتجها الإجمالي المحلي، في المعدل هذا العام، متفوقاً على ذروة الموجة السابقة خلال النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. وقد تراوحت التدفقات الصافية إلى البرازيل والأرجنتين ما بين 5 إلى 6% من الناتج الإجمالي المحلي.
وفي أوروبا الناشئة زاد عن ذلك. وفي النطاق ذاته، فإن التدفقات الرأسمالية الجارفة، قد تضر بالاقتصاد من أوجه عدة. فهي لا تكتفي بنفخ فقاعات الأصول، وإذكاء الاقتراض الفاحش، ولكنها قد تفضي إلى ارتفاع حاد في أسعار الصرف، ملحقة الضرر بتنافسية قطاعات الصادرات، ولو أن بلداً يعاني من عجز في حسابه الجاري،
فإن ذلك سيجعله أكثر عرضة لهجرة سريعة معاكسة للرساميل. ومن جانب آخر فلو أن البنوك المركزية تدخلت لكبح جماح عملاتها، فإن تراكم الاحتياطات، قد يؤدي إلى خسارة فادحة للظروف المالية، ورفع التضخم، وهذا ما يحدث بالضبط في معظم البلدان الناشئة في أوروبا.
ولقد سمحت كثير من الاقتصادات الناشئة لأسعار صرفها بالارتفاع مقابل الدولار. ولقد قفزت العملة البرازيلية بنسبة 23% هذا العام. وبإجمالي 100% منذ 2003 وكرد فعل على التضخم المتزايد، فإن البنك الاحتياطي الهندي، سمح للروبية بالارتفاع بحدود 12% منذ أبريل.
وهو الأمر الذي قوبل بعاصفة من الاحتجاجات من قطاع الأعمال الهندي، ومع ذلك فإن الروبية لم ترتفع أكثر من الين الصيني منذ منتصف 2005، وأقل بكثير من عملات آسيوية أخرى، مثل البات التايلاندي.
ترجمة وائل الخطيب


