أعاد ارتفاع أسعار البترول رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية العالمية حول البترول الذي تتراوح أسعاره المالية حول مئة دولار للبرميل إلى رابح وخاسر في أنحاء العالم. في جنوب الصين اضطر ارتفاع أسعار البترول وانغ بوي صاحب شاحنة ان ينتظر في الصف لمدة 90 دقيقة حتى يحصل على حاجته من الوقود بحد أقصى 25 جالوناً فقط حيث تواجه الصين نقصاً في عقود البترول.

وعندما تقدمت روسيا لاستضافة دورة الألعاب الاولمبية الشتوية في يوليو الماضي تعهد فلاديمير بوتين الرئيس الروسي بإنفاق 12 مليار دولار من عائدات صادرات البترول، لتحويل منتجع البحر الأسود الصيفي إلى منتجع شتوي جديد فيما كانت روسيا على شفا الافلاس من عقد مضى.

خريطة جديدة

وقد أعاد ارتفاع سعر البترول رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية للعالم بالفعل مما شكل تحدياً للدول التي كانت صاحبة السلطة والسيادة والنفوذ. فالدول الغنية بالبترول تتمتع بعائدات غير مسبوقة في التاريخ وبفرص قياسية، فيما الدول المستوردة للبترول أمثال الصين والهند اللتين تضمان ثلث سكان العالم تواجهان ارتفاعاً في التكلفة الاقتصادية والاجتماعية.

وأصبح التغلب على هذا الوضع الآن مشكلة رئيسية في سياسة الاقتصاد العالمية فالدول التي تحتاج البترول تتجه إلى بعضها وترغب في التعامل مع أي حكومة بغض النظر عن طبيعتها. وفي كثير من البلدان الفقيرة بالبترول، تذهب كثير من النفقات ضحية للفساد، مما يحرم هذه الدول من آمالها في إحراز أي تنمية أو تطور.

ويمول البترول الصناديق الاستثمارية التي تديرها حكومات أجنبية، يرى فيها الغرب تهديداً لها بشكل جديد. وقال دانييل بورجين رئيس إدارة كمبريدج لأبحاث الطاقة إن القراء لم يكونوا يلاحظون من 5 أشهر تعبير صندوق استثماري سيادي أو حكومي في إشارة إلى الصناديق التي تديرها روسيا والنرويج والشرق الأوسط ودول أخرى حققت أرباحاً مذهلة من ارتفاع أسعار البترول. وقال إن هذه الصناديق أصبحت الآن من القوى الأساسية في الاقتصاد العالمي.

عائدات رهيبة

ولا يزال لارتفاع أسعار البترول أعراض أخرى هي أن الدول المصدرة تحصد عائدات رهيبة والدول المستوردة تتحمل عبئاً رهيباً أيضاً. لكن بعض الدول غير المتوقعة تسدد الفوائد والتكاليف الناتجة عن الأسعار المرتفعة للبترول.

مثلاً ألمانيا فرغم أنها تستورد كل حاجتها من البترول فقد ازدهرت من كثافة التجارة مع روسيا التي تمر بطفرة البترول ودول الشرق الأوسط التي تجني أرباح ارتفاع الأسعار. فزادت الصادرات الألمانية إلى روسيا بنسبة 128% من 2001 حتى 2006، وزادت صادراتها إلى أميركا بنسبة 155 خلال نفس الفترة.

وفي أنحاء أوروبا أدى ارتفاع سعر اليورو إلى تكوين غطاء ضد الاهتزازات في سوق البترول المقيم بسعر الدولار. وفي نفس الوقت فإن ارتفاع ضرائب العقود جعل ارتفاع أسعار البترول أقل أضراراً على السائقين. وقال ديفيد فايف محلل البترول في الوكالة الدولية للطاقة إن سعر 100 دولار للبرميل في الوكالة الدولية للطاقة هو سعر رمزي بالنسبة للأوروبيين.

الدول النامية

والوضع يفوق ذلك في أماكن أخرى، مثلاً الدول النامية يمكن أن يكون البترول أداة تحول فيها سواء كانت الطبقة المتوسطة هي المستهدفة أم رفع مستوى معيشة المجتمع ككل. في فنزويلا يصب رئيسها هوجو شافيز عائدات البترول في أتون ثورة اشتراكية، ويكون نظام رعاية صحية مجانيا وتعليما مجانيا وأغذية رخيصة مما مكن من الإنفاق العام ساعد في إحماء 4 سنوات من النمو الاقتصادي.

وقالت تيريزا بايز مديرة مؤسسة فيتش في أميركا اللاتينية المشكلة هي أنه ليس من الواضح كيف يتم استثمار عائدات البترول، وتوجه حكومة شافيز كميات هائلة من المال نحو صناديق تنمية وشركات مملوكة للدولة غير خاضعة للتدقيق.

وجاءت فنزويلا في المركز 162 من 179 دولة على مؤشر منظمة الشفافية الدولية، ما يعني انعدام الشفافية تقريباً في فنزويلا. والمخاوف بشأن الفساد أكبر في دول مثل أنجولا ونيجيريا وتحصل أنجولا الغنية بالبترول على ضعفين ونصف ضعف العائدات التي كانت تحصلها من 3 سنوات.

والفنادق في العاصمة لواندا محجوزة لأشهر مقدماً ويشغلها في الأساس العاملون في شركات البترول. وترتفع مبيعات السيارات الفاخرة ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو اقتصاد البلاد بنسبة 24% في العام الجاري.

غير أن المحللين من أبحاث قضايا أنجولا في الجامعة الكاثوليكية يقولون إن اثنين من كل ثلاثة من شعب انجولا يعيش على أقل من دولارين يومياً، وهي نفس النسبة التي كانت سائدة في 2002، في نهاية الحرب الأهلية في البلاد.

وتتوق الحكومة لأن توضح أن عائدات البترول تفيد المواطن العادي، فأنشأت طرقاً بطول 2400 كيلو متر وحدثت 4 مطارات ومددت السكة الحديد بطول 430 ميلاً. لكن كثيراً من أهالي انجولا يأخذونه كأمر مسلم به ان البترول أثرى المسؤولين أكثر من غيرهم.

وذكرت صحيفة في لواندا أسماء أكثر 20 شخصاً ثرياً في البلاد في عام 2003، وكان منهم 12 مسؤولاً في الحكومة و5 من المسؤولين السابقين. وتفكر انجولا في تغيير وضعها الدولي، بعد أن أصبحت أكبر مورد بترول للصين وسادس أكبر مورد بترول لأميركا.

فقد انضمت إلى منظمة الدول المصدرة للبترول، وتقلل من تعاونها مع صندوق النقد الدولي. وأهم التغيرات في انجولا بسبب البترول هي أن الصين أصبحت مصدر التمويل الأول لها حيث اقرضت لواندا 12 مليار دولار لإعادة بناء البلاد، مقابل ضمان استمرار التوريدات البترولية لبكين.

ثلث سكان العالم

وتواجه الصين التي كانت تصدر البترول في وقت مضى وتستورد نصف حاجتها منه الآن صعوبات في توفير الوقود البترولي من شنتشن إلى بكين العاصمة حيث ان شركات تكرير البترول الصينية ترفض توفير وقود الديزل بالأسعار الرسمية غير المربحة. ورفضت الصين أسعار التجزئة لبيع الوقود بنسبة 10% في أول نوفمبر الجاري من أجل حل هذه المشكلة.

وتواجه الهند مشكلات سياسية أكبر تعقيداً، كما يقول المحللون، فرغم أن الهند تستهلك ثلث استهلاك الصين من البترول، إلا أنها تستورد 70% من حاجتها منه وليس لدى الهند احتياطيات استراتيجية ويرتفع الطلب بمعدل أسرع من أي دولة أخرى باستثناء الصين.

وتدفع الحكومة دعما للوقود مثل الصين خاصة الكيروسين الذي تستهلكه العائلات الفقيرة للطهي، ويكلفها ذلك 12 مليار دولار سنوياً، إذاً فانه سواء كان سعر البترول 100 دولار للبرميل أو توقف عندها فإن الهند ستضطر إلى رفع هذه المبالغ من الدعم.

مشكلات المنتجين

والمشكلات التي تواجه الدول المنتجة من جانب آخر حميدة، هي في الأساس ماذا يفعلون بهذه الأموال الطائلة. تريد النرويج مثلا ضمان مكان لكل طفل في الحضانات اليومية حتى نهاية 2008 والنرويج تحتل المركز العاشر عالميا في إنتاج البترول.

أما دبي فقد استغلت هذه العائدات المرتفعة في الاستثمار السياحي والتجاري والعقاري والبناء، رغم أن القطاع البترولي يمثل الآن 5% من إجمالي ناتجها المحلي، حسب صحيفة نيويورك تايمز. غير أن أكثر العلامات الظاهرة على أي دولة من عائدات البترول هي روسيا،

حيث تنوي شركة نت جت يوروب الخاصة للطيران فتح مكتب في روسيا لأن الرحلات بين موسكو ولندن زادت بأكثر من الضعف. ونقلت نيويورك تايمز عن فلاديمير بوتين رئيس روسيا قوله «كلنا نذكر كيف كان حال البلاد من 7 ـ 8 سنوات» في ذاك الوقت كان سعر البرميل من البترول 16 دولاراً فقط.

ترجمة ':أشرف رفيق