أكد خبير مالي أن التصريحات التي أطلقها مؤخراً معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي في طوكيو تشكل تحولاً في موقف الجهات المختصة بالدولة في موضوع ارتباط الدرهم بالدولار الأميركي.
وقال نبيل فرحات، المدير التنفيذي لشركة الفجر للأوراق المالية: «بناء على تعليقات معالي سلطان السويدي فإننا نعتقد أن فك الارتباط بين الدرهم والدولار قد يكون على الأبواب»، مشيراً في هذا الخصوص إلى معلومات عن قيام الجهات المعنية بدراسة هذا الموضوع بجدية ورفع توصيات إلى صانعي القرار.
وتلاقت تصريحات فرحات مع أنباء بتشكيل لجنة مختصة لدراسة هذا الموضوع بجدية وشمولية تمهيداً لرفع تقرير بشأنه إلى جهات الاختصاص. ولفت فرحات إلى أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسعار صرف الدولار وضعت ضغوطا تضخمية على اقتصادات دول الخليج نتيجة لارتباط سعر صرف عملتها بالدولار.
وبدأت نتائج تدهور سعر صرف الدولار تظهر سلبيا على ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة من الخارج مما رفع معدلات نمو التضخم في الدولة. ويبدو أن بعض دول مجلس التعاون بدأت في التشكيك في مدى جدوى ربط العملة الخليجية الموحدة بالدولار الأميركي
وظهر ذلك في اجتماع هذه الدول مؤخرا من خلال اقتراح تأجيل طرح العملة المحلية للعام 2011 مع إعطاء حرية كل دولة حاليا لمكافحة الضغوط التضخمية بالطرق التي تراها مناسبة. وهذا يشمل السماح للدولة بالتخلي عن الربط بالدرهم وربط عملتها بسلة من العملات بهدف مكافحة التضخم.
وأضاف أن هناك معارضين ومؤيدين لعملية فك ربط الدرهم عن الدولار. ويتخوف المعارصون من عملية فك ربط الدرهم عن الدولار على أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع سعر الدرهم مقابل الدولار وبالتالي سينجم عن ذلك عدة أمور سلبية.
وأهم هذه الأمور هو أن الإيرادات النفطية هي بالدولار وانه عند تحويل الدولار إلى سعر الدرهم فإن ذلك سيؤدي إلى نقص في حجم الإيرادات الدرهمية مما سيؤدي إلى تقلص حجم النفقات الحكومية وبالتالي بطء في نمو الحركة الاقتصادية في الدولة.
كما أن أحد الأسباب السلبية التي ممكن أن ينتج عنها ارتفاع سعر الدرهم مقابل الدولار هو ارتفاع تكلفة الصادرات الإماراتية على المستوردين من الخارج وبالتالي سيؤدي ذلك إلى انحسار حجم الطلب على السلع والبضائع المحلية المصدرة إلى الخارج.
كما تعتقد الفئة التي تعارض فك ربط الدرهم بالدولار أن ارتفاع سعر صرف الدرهم سيؤدي إلى عدم القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى داخل الدولة. وأخيراً هناك مسألة الودائع البنكية التي تستثمر في البنوك الأميركية والتي سينتج عنها أن الإيرادات ستنخفض قيمتها نتيجة لفرق تحويل العملة وبالتالي انخفاض إيرادات البنوك من الاستثمار في البنوك الأميركية.
وفي المقابل فندت الفئة التي تؤيد فك ربط الدرهم تخمينات الفريق الأول على انه في حالة انخفاض الإيرادات الحكومية وانخفاض الإنفاق الحكومي على أن ذلك غير صحيح حيث إن عملية ارتفاع ومن ثم ثبات سعر صرف الدرهم سينتج عنه ارتفاع القوة الشرائية للدرهم والذي بدوره يعوض الانخفاض في حجم الدراهم.
أو بمعنى آخر يمكن أن نجني في هذه المرحلة دراهم أقل ولكن هذه الدراهم تستطيع شراء خدمات وسلع أكثر مما لو كانت عليه سابقا قبل فك الربط. أما بالنسبة لموضوع ارتفاع سعر الدرهم سيؤثر سلبيا على حجم الصادرات الإماراتية فإن هذا صحيح لو أن الإمارات دولة مصدرة للخدمات والسلع ولكن من المعروف أن أهم صادرات دولة الإمارات هي النفط والسيولة الاستثمارية (الكاش).
وبالنسبة للصادرات النفطية فإنها مقيمة بالدولار وان ميزان العرض والطلب عليها يعتمد بشكل كبير على معدلات النمو الاقتصادية العالمية. حيث انه خلال الست سنوات الماضية ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 250% ومع ذلك رأينا أن الطلب على النفط لم ينحسر بل ازداد.
أما بالنسبة لقيام الدولة بتصدير الكاش إلى الخارج فإن ذلك يكون بهدف الاستثمار وبالطبع الدرهم القوي يستطيع أن يشتري استثمارات أكثر وهذا مما يزيد من إيرادات الدولة الاستثمارية والذي بدوره يعوض أي نقص في الإيرادات الاستثمارية للشركات والبنوك التي تستثمر في الأصول الدولارية.
وهناك ملاحظة مهمة للبنوك التي تستثمر في السندات الأميركية وهي أن حجم المشاريع التي تم الإفصاح عنها خلال هذا العام وتقوم الحكومة بتنفيذ جزء كبير منها يصل إلى أكثر من 500 مليار دولار. وهذا يعني أن جزءا كبيرا جدا من هذه المشاريع يتطلب الاقتراض من الخارج لتمويلها.
وهذا بالواقع يشكل فرصة للاقتراض بالدولار حاليا حيث إن ارتفاع سعر الدرهم لاحقا سيؤدي إلى تخفيضه تكليف الاقتراض. فمثلا إذا ما تم اقتراض 100 دولار حاليا وتحويلها إلى 367 درهما ومن ثم استثمار هذا المبلغ وبعد سنة إذا ما ارتفع سعر صرف الدرهم بمقدار 10% فإن ذلك سيخفض تكاليف الاقتراض بنسبة 10%
حيث انه سيأخذ 330 درهما لسداد هذا القرض (من دون حساب الفوائد). فما بالك إذا ما كانت التوقعات أن سعر صرف الدرهم في حالة فك الربط سيرتفع بنسبة 20 إلى 25% مقابل الدولار وهذا سيؤدي إلى أن القروض سيتم سدادها بتكلفة اقل تصل 20% إلى 25%.
وأشار إلى أن الاعتقاد بأن ارتفاع سعر صرف الدرهم سيؤثر على قدرة الدولة على جذب الاستثمارات الأجنبية فإن ذلك غير صحيح. حيث إن المستثمر الأجنبي يضع عدة معايير للاستثمار منها أن العائد على المشروع المستثمر به يكون مجديا ومن ثم يبحث عن استقرار سعر صرف العملة والاستقرار السياسي
بالإضافة إلى أمور أخرى كعدم وجود ضرائب وعدم وجو قيود على حرية انتقال رؤوس الأموال والأرباح. وبالطبع فإن حكومة الإمارات تعمل جاهدة على توفير هذه العوامل والواقع أن معظم هذه العوامل متوفر باستثناء عامل توفير استقرار سعر صرف العملة نتيجة لارتباط الدرهم بالدولار والذي شهد وسيشهد انخفاضات خلال السنة القادمة.
وهذا العامل لا يشجع المستثمر الأجنبي على الاستثمار في الدرهم حيث انه لا جدوى من الاستثمار في مشروع يعطي المستثمر الأجنبي عائدا بـ 15% سنويا وعند رغبة المستثمر على تحويل الأرباح من الدرهم إلى عملة المستثمر الأجنبي فانه سيكتشف أن معظم العائد الذي تم تحقيقه من المشروع تم خسارته عند التحويل نتيجة لانخفاض سعر صرف الدرهم مقابل العملة الأجنبية.
وبالتالي فإن احد المعايير الرئيسية لجذب الاستثمارات الأجنبية هي استقرار سعر صرف العملة وليس انخفاض أو ارتفاع سعر الصرف. مع العلم انه في حالة أن هناك توقعات بارتفاع سعر صرف الدرهم مقابل العملات الرئيسية
فإن ذلك سيكون أفضل للمستثمر الأجنبي حيث إن ذلك يقلل من مخاطر الاستثمار في الأصول الدرهمية حيث إن ارتفاع سعر صرف الدرهم سيعزز من نتائج الاستثمار الأجنبي عند تحويل الأرباح من الدرهم إلى العملة الأجنبية.
وذكر فرحات أن الفئة التي تطالب بفك الدرهم عن الدولار تهدف إلى تخفيض أعباء التضخم على المجتمع الإماراتي. حيث إن التضخم في الدولة هو الأعلى في الخليج وانه ناتج عن عوامل داخلية وخارجية. إن أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني هي تحقيق التوازن بين استمرار النمو الاقتصادي والسيطرة على معدلات نمو التضخم.
حيث انه حاليا في دولة الإمارات أصبحت معدلات التضخم عالية وتنال جميع شرائح المجتمع الإماراتي نتيجة لارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود وإيجارات السكن وغيرها من الأمور الدنيوية.
ومما ساهم في رفع معدلات التضخم هو عدة عوامل منها التضخم المستورد الناتج عن انخفاض سعر صرف الدرهم نتيجة لربطه بالدولار والذي انخفض بدوره مقابل العملات الرئيسية خلال السنوات الماضية. وهذا ساهم في رفع أسعار البضائع والخدمات المستوردة وخصوصا عن طريق أوروبا والدول الآسيوية.
ويقدر تأثير التضخم المستورد على معدلات التضخم في الدولة بنسبة لا تقل عن 7% خلال السنتين الماضيتين وبنسبة لا تقل عن 10. 2% خلال فترة الخمس سنوات الماضية. وذلك نتيجة لان الدولة تستورد ما نسبته 35% من إجمالي المستوردات من الخارج بعملة اليورو والاسترليني و كلاهما ارتفع بنسبة عالية مقابل الدرهم خلال السنوات الخمس الماضية.
وأشار فرحات إلى تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي وعن البنك الدولي (قديمة وحديثة) تحذر من أنه نتيجة لارتفاع العجز في الحساب الجاري في الولايات المتحدة فإن هناك حاجة (بالإضافة إلى أمور أخرى) ان يتم تخفيض سعر الدولار تدريجيا.
وذكرت تقارير مستقلة على انه كل تخفيض 1% في مقدار نسبة الحساب الجاري إلى الناتج المحلي فإن ذلك يتطلب تخفيض في سعر صرف الدولار بما يقارب 10 إلى 15% من قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية.
ونذكر أن تقارير صندوق النقد تقدر نسبة معدل العجز في الحساب الجاري إلى الناتج المحلي في أميركا بحوالي 6% وهي تعد نسبة غير مقبولة ويجب تخفيضها إلى 3% مثلا فإن هذا يعني أن هناك حاجة لتخفيض سعر صرف الدولار ما بين 30 إلى 45% من قيمته.
وهذا هو احد الأسباب التي ساهمت قيام الدول الكبيرة كالصين بتحجيم حجم الأصول المستثمرة في الأصول الدولارية والذي بدوره زاد من تفاقم حجم المشكلة. وقال: «يتفق العديد من الاقتصاديين على أن سياسة ربط العملة المحلية بالدولار جيدة في حالة أن التبادل التجاري بين الإمارات وأميركا عال.
ولكن إذا ما رجعنا إلى تقارير المصرف المركزي الإماراتي فإن حجم التبادل التجاري بين الإمارات وأميركا يشكل 9% فقط من إجمالي تعاملات الدولة. لذلك لايرى الاقتصاديون اي حافز لربط العملة بالدولار.
والسبب الوحيد الذي يحفز الدول على ربط عملتها بالدولار هو استقرار سعر صرف العملة المحلية، ولكن هذا يمكن تفاديه من خلال ربط العملة المحلية بسلة من العملات الرئيسية، وليس عملة واحدة فقط، لتشمل سعر صرف الدولار. فمثلا يمكن تخصيص 50% من سلة العملات بالدولار و30% باليورو و10% بالإسترليني والباقي بالعملات الأسيوية.
وهذا النوع من الربط سيساعد على تخفيف حدة انخفاض سعر صرف الدولار على القوة الشرائية للدرهم. حيث اي انخفاض في سعر صرف الدولار سيقابله ارتفاع مقابل في سعر صرف العملات الأخرى وبالتالي يعمل على استقرار سعر صرف العملة المحلية».
واختتم فرحات قائلاً: «إن التصريحات التي أطلقها مؤخرا من طوكيو معالي سلطان بن ناصر السويدي، محافظ المصرف المركزي توضح تحولا في نظرة الدولة على الدولار، فقد وجدنا تحولا في السياسة نحو الدولار
حيث ان فك ربط الدرهم بالدولار سيعطي المصرف المركزي المرونة التي ينشدها في اتخاذ السياسة المالية المناسبة لوضع الدولة المحلي عوضا عن اضطراره لاتباع سياسة المصرف الفيدرالي الأميركي، بهدف المحافظة على سعر الصرف.
وبالتالي وبناء على تعليقات معاليه، فإننا نعتقد ان فك ربط الدرهم عن الدولار قد يكون على الأبواب. حيث ان هناك معلومات عن قيام الجهات المسؤولة بدراسة هذا الموضوع بجدية بهدف العرض على صانعي القرار.
التضخم المستورد والمحلي
قال نبيل فرحات إنه بالإضافة إلى التضخم المستورد هناك التضخم المحلي والناتج عن النمو الكبير في عجلة الاقتصاد. حيث ان دوران عجلة الاقتصاد في الدولة في ظل المشاريع الضخمة التي تم الإعلان عنها ان يؤدي إلى استقطاب العديد من العمالة من الخارج في ظل توفر موارد محدودة لخدمة هذا العدد من الأعمال الجديدة.
وهذا بدوره يساهم في رفع أسعار البضائع والمواد الغذائية. ومما يساهم بشكل كبير في رفع معدلات نمو التضخم في الدولة هو ارتفاع إيجارات المساكن التي نمت بشكل كبير مما تطلب تدخل الحكومة للسيطرة عليها من خلال تعديل قانون الإيجار ليسمح لها بالنمو بمعدل 7% سنويا مقارنة برفع الإيجار العشوائي.
وحيث ان إيجار السكن يشكل ما نسبته 30% من مؤشر التضخم وإذا ما سمح لها بالنمو 7% سنويا فهذا يعني أن ضمان نمو مؤشر التضخم بنسبة لا تقل عن 1. 2% وهذا عن الإيجارات فقط. وإذا ما أخذنا التضخم المستورد فنحن ننظر إلى النمو في معدلات التضخم السنوية بنسبة لا تقل عن 9% على اقل تقدير.
وبالتالي هناك حاجة للسيطرة على التضخم ولكن من دون التأثير على عجلة النمو الاقتصادي. أي بمعنى آخر يمكن تخفيض حدة التضخم من خلال اتخاذ إجراءات تتعلق بتخفيض التضخم المستورد اولا. حيث إن التضخم الناتج عن نمو الحركة الاقتصادية هو غير محبذ ولكن مقبول.
أما التضخم الناتج عن فرق في سعر صرف العملة نتيجة لربط العملة بالدولار فهذا غير مقبول ولا تفسير منطقي له. وإجمالا ان انخفاض سعر الدرهم مقابل العملات الرئيسية (نتيجة لانخفاض الدولار مقابل هذه العملات) يؤدي إلى ارتفاع أسعار الخدمات والسلع المستوردة وهذا من شأنه ان يؤدي إلى ان القيمة الشرائية للدرهم تصبح ضعيفة جدا.
وهذا واضح من انه صحيح ان سعر برميل النفط تخطى الـ 90 دولارا للبرميل الواحد ولكن حسب منظمة أوبك فإذا ما تم حساب القوة الشرائية للدولار حاليا فإن سعر برميل النفط الفعلي يبلغ تقريبا 55 دولارا فقط. وهذا يكون نتيجة لانخفاض سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية العالمية.
أبوظبي ـ أحمد محسن

