بعد 18عاماً على الانتفاضة الشعبية في الشطر الشرقي من ألمانيا التي أطاحت بسور برلين وأعادت توحيد شطري ألمانيا وكتبت كلمة النهاية لدولة شيوعية كانت تعرف باسم «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» في الشطر الشرقي من البلاد يبدو أن قطار الرخاء الاقتصادي اقترب أخيراً من الشرق.

فقبل 12 شهراً فقط كان معدل البطالة المرتفع وانهيار صناعة التشييد والبناء الرئيسية إلى جانب تباطؤ مسيرة الاندماج في اقتصاد الشطر الغربي الأكثر ازدهاراً ورخاءً وفشل العديد من خطط الاستثمار الصناعي تشكل تهديداً خطيراً بدخول الشطر الشرقي من ألمانيا «دائرة النسيان الاقتصادي» ليصبح أقرب إلى دول الجنوب الفقيرة.

فرغم الدعم المالي الهائل من الحكومة الاتحادية في ألمانيا للشطر الشرقي الذي وصل إلى 100 مليار يورو (146 مليار دولار) سنوياً فإن التحول الاقتصادي لما كان يعرف بألمانيا الشرقية ذات النظام الشيوعي بدا كما لو كان أصيب بالشلل ليصبح هذا الجزء من ألمانيا حجراً ثقيلاً يجذب أكبر اقتصاد في أوروبا إلى أسفل.

فبعد أن كان الحديث في عهد حكومة المستشار المحافظ الأسبق هلموت كول في الأشهر التالية لانهيار سور برلين في نوفمبر 1989 عن أربع سنوات فقط يصل خلالها قطار الازدهار الاقتصادي إلى شرق ألمانيا أصبح الخبراء يتحدثون عن 30 أو 40 عاماً حتى يتمكن اقتصاد الشرق عبور الفجوة التي تفصله عن اقتصاد الشطر الغربي من ألمانيا.

ولكن المؤشرات التي ظهرت خلال الأشهر 12 الماضية دفعت الكثيرين إلى إعادة حساباتهم وظهرت من جديد نبرة التفاؤل وتتحدث عن دخول الشطر الشرقي من ألمانيا مرحلة الانتعاش الاقتصادي أو على الأقل خرج من دائرة «الشلل الاقتصادي».

وقد وصل مؤشر الثقة في اقتصاد الشطر الشرقي من ألمانيا في بعض اللحظات خلال العام الجاري إلى أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية. كما أن الخبراء يتوقعون أن يزيد معدل النمو الاقتصادي للشطر الشرقي عن معدل نمو الشطر الغربي خلال العام المقبل.

ونتيجة لذلك فإن الأداء الاقتصادي للشطر الشرقي من ألمانيا أنعش الثقة في الانتعاش الاقتصادي لألمانيا بعد أن تجاوزت العام الماضي سنوات من الركود. يقول أودو لودفيج كبير الخبراء الاقتصاديين في معهد الأبحاث الاقتصادية في مدينة هالي بشرق ألمانيا «هناك خطوات واسعة تحققت مقارنة بالتسعينيات».

ورغم ذلك من المتوقع تراجع معدل النمو الاقتصادي للشطر الشرقي من ألمانيا العام المقبل متماشياً مع التباطؤ المتوقع لكل من الاقتصادين العالمي والأوروبي. وقد أعلنت مؤخراً شركتا إيون العملاقة للطاقة وباسف للكيماويات اعتزامهما الاشتراك مع جازبروم الروسية العملاقة للغاز الطبيعي في مشروع مد خط أنابيب غاز باستثمارات تصل إلى 5 مليارات يورو لنقل الغاز الروسي من حقول سيبيريا إلى شرق ألمانيا بحلول عام 2011.

يأتي هذا في الوقت الذي ظهرت فيه بوادر تراجع بعض الشركات الألمانية عن الاستثمار في دول شرق ووسط أوروبا والعودة إلى الوطن الأم، حيث ستتجه غالباً إلى الشطر الشرقي بعد أن تراجعت الفجوة في تكاليف التشغيل بين تلك الدول والشطر الشرقي من ألمانيا.

كانت تلك الشركات قد اتجهت في أعقاب انهيار الكتلة الشيوعية في شرق ووسط أوروبا ثم انضمام بعض دول المنطقة إلى الاتحاد الأوروبي إلى الاستثمار فيها بحثاً عن عمالة رخيصة وحوافز استثمار كبيرة.

ولكن الطفرة الاقتصادية التي حققتها دول شرق ووسط أوروبا خلال سنوات قليلة جعلت تكاليف العمل في تلك البلاد مرتفعة. ورغم أن الصادرات كانت تمثل 5% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي للشطر الشرقي من ألمانيا عام 1994 فإن هذه النسبة زادت إلى 15% العام الماضي.

في الوقت نفسه فإن العديد من الشركات العاملة في مجال الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة ومراكز الأبحاث تتجه إلى التوسع في تلك المنطقة، ويرجع هذا جزئياً إلى البنية التحتية الحديثة وتكاليف العمالة الأقل التي تصل إلى ثلث مثيلتها في الشطر الغربي.

وكانت النتيجة المباشرة لهذه البيانات الإيجابية انخفاض معدل البطالة إلى 6. 13% بما يعادل نحو 16. 1 مليون عاطل مقابل 20% منذ نحو عشر سنوات. ويعتقد الاقتصاديون إن أعداد العاطلين في الشرق قد تنخفض في العام المقبل لأقل من مليون شخص.

وإذا كان قطار الانتعاش الاقتصادي قد وصل بالفعل إلى «محطة الشرق» فمن المؤكد أن الأمر مازال يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد حتى يلحق سكان الشرق بركاب الغرب في عربات الرخاء والازدهار.

(د ب أ)