أشبعت هوليوود الحرب الأميركية في فيتنام، بأفلام كثيرة تفاوتت قيمتها وتنوعت بين التجاري «البطولي» المحض، وبين التسجيلي الصادق بنقل ما حدث، والروائي الذي صور الحقيقة من ضمن رؤية نقدية للمثقف والفنان. مع أن نوعية الافلام الأخيرة المذكورة قليلة العدد نسبياً، إلا أنها صنعت صورة كاملة وموحية بعمقها الإنساني المؤثر.

المخرج الأميركي روبرت ريدفورد صاحب ومؤسس مهرجان «صاندانس» المخصص للسينما الأميركية المستقلة عن هوليوود، دخل إلى الحلبة بفيلم جديد تحت عنوان مثير «أسود للحملان»، يحتمل تأويلات بما يقصد العنوان بالأسود او الحملان. الفيلم ليس ذا قيمة بصرية تذكر، وخطابه اكبر بكثير من فنياته بالمعنى المجرد للكلمة.

قد يقول قائل إن هذه ليست سينما. وهو مصيب للوهلة الأولى، ولكن الأحرى أن يقال إن هذه ليست سينما معتادة، بمعنى خروجها عن مفاهيم التزيين او الجماليات، التي ينتمي إلى احداها الفن مبدئياً. من دون أن يكون أسيراً بالضرورة للاتجاهين.

كتب سيناريو «أسود للحملان» ماثيو مايكل كارنهان، صاحب سيناريوهات «وايت جاز»، «ستايت اوف بلاي»، «المملكة»، الذي شاهدناه منذ أسابيع، وفيه فرقة «الإف بي آي» التي تآتي لتنتقم من الإرهابيين القابعين في بلاد العرب. ويبدو ان الإرهاب والحروب تستهوي هذا الكاتب التائه بين تأليف جدي ومكتمل الشروط الإبداعية، وركب موجة تحقق على شباك التذاكر الأرباح.

على كل حال، أقنع كارنهان بفيلميه الأخيرين سينمائيين كبيريين للعمل معه، هما: مايكل مان المنتج المنفذ لفيلم «المملكة» و روبرت ريدفورد مخرج «اسود للحملان»، وهذا بحد ذاته انجاز مربح، لكنه ليس إنجازاً سينمائياً. بدليل أن ريدفورد استدعى أسماء لامعة من ممثلي الصف الأول مثل ميريل ستريب وتوم كروز اضافة إلى اسمه الشخصي. مع ان النص لا يحتاج إلى هذه الأسماء بما فيها اخراج ردفورد ذاته. لكن الأسماء الجذابة سوف تجر قدم الجمهور إلى فيلم بلا سينما، ضربة معلم للمخرج بلا شك. أراد بها ان يشاهد فيلمه عدد كبير من المشاهدين، وهذا فعل باطل يراد به حق.

يخطو فيلم «اسود للحملان» على ثلاثة قوائم، تتوزع بين السلطة والإعلام والمثقف، سيناتور في الكونغرس الأميركي يدعى غاسبر ايرفينغ (توم كروز)، من الحزب الجمهوري، يعد خطة حربية جديدة للانتصار في حرب افغانستان تقوم على السياسة لكن بذراع عسكرية، فيستدعي اعلامية مشهورة (ميريل ستريب) كانت قد شاركت في التعمية خلال الحرب على العراق وافغانستان على حد سواء، ويعرض عليها مشاركته مجددا في ايجاد الحل لحرب صنعتها السلطة والإعلام معا.

إلا انها ترفض الانصياع لما قامت به من قبل، حيث استيقظت من التجييش العاطفي الذي ساقها، من دون ان تعلن ذلك وجها لوجه مع السلطة، يجري حوار بينهما على طول عرض الفيلم (92 دقيقة)، يبدو خلالها السيناتور انه يسوق لحرب جديدة اكثر مما هو يسوق لسلام مزعوم.

في المقابل يجري حوار آخر، بين استاذ جامعي (روبرت ريدفورد) وتلميذه حول السياسة والاقتصاد والمفاهيم الكبيرة للحرب والسلام، حيث الحوار الثاني الواضح والنقي يتقابل مع الحوار الأول على مفترق طرق، وبالتالي تصير اميركا بحد ذاتها هي الواقفة تائهة بين خيارات متعاكسة، والمتحاوران تلميذان جامعيان اختارا الالتحاق بالجيش فيقتلان كنعجتين على ثلوج الجبال العالية في افغانستان.

هذا اختصار للحوارات المضجرة التي تحتل مساحة زمن الفيلم. افكار قابلة للنقاش لكن ليس في فيلم سينمائي. كان يمكن إلقاء هذه المحاضرات في موقع آخر يتحمل اكثر. والأنكى من ذلك كله ان الفيلم معد خصيصا للمشاهد الأميركي. فلا شيء يبرر غياب وجهة نظر الآخر الذي تقع الحرب عليه. ومتى ستصنع الضحية صورها، كي تكون مرآة يرى فيها القاتل وجهه.

وغني عن القول، إن حروب أميركا الجديدة على الإرهاب والدول «المارقة»، لم تحظ حتى اللحظة بأفلام ذات قيمة أو أهمية. من الممكن أن يكون من المبكر الحديث في السينما عن هذه الحروب. بعض الإنتاجات تناول الموضوع من زاوية تكريسية لصورة البطل الأميركي الذي يجلب الخير للآخرين، اي الصورة الاستهلاكية التقليدية لتعميمات استوديوهات هوليوود. مايكل مور وبريان دي بالما وأوليفر ستون، قدموا أعمالا وثائقية وروائية، لكنها على الهوامش، ولم تنفذ إلى الصلب، مع أنها ذات مستوى على اختلافها.

دبي ـ حسين قطايا