مطر منهمر، برق يبدد الظلمات، رعد تقشعر له الأبدان، طقس يدعوك إلى تسبيح الله والتأمل في روعة خلقه، جلت قدرته وتعالت عظمته، في بلد تكسوه الخضرة في شتى أنحاء الأرض المنبسطة إلى أعلى الجبال المرتفعة. هذا البلد كما عرفنا من عناوين الموضوع هو جزيرة سريلانكا، الجوهرة المكنونة في المحيط الهندي التي يؤكد خبراء الاقتصاد أنها تحتاج إلى يد غواص ماهر يلتقطها بمهارة من بين الشوائب.

وهي تشبه ثمرة الكمثرى في موقعها على الخريطة، ومناخها استوائي، تهب عليها رياح موسمية من الجهة الشمالية الشرقية من ديسمبر حتى مارس، ومن الجهة الجنوبية الغربية من يونيو حتى أكتوبر، وتتوفر بها مساحات زراعية واسعة وأيدٍ عاملة مما يجعلها فرصة كبيرة تبحث عن استثمارات جادة.

شعب سريلانكا عرف الفقر بكل أنواعه، حاول الهرب منه، لكن مخالبه تطالهم أينما ذهبوا فتنهش في لحمهم، فيقعون في شرك الطبيعة القاسية رغم جمالها، إضافة إلى معاناتهم من قلة الموارد وضعف فرص العمل، وصعوبة التنقل، فيصعب أمر معيشتهم، وتجتهد الحكومة في حدود إمكانياتها.

خاصة مع وجود المطر الكثيف الذي نادراً ما يتوقف على مدار ثلاثة فصول من السنة، فتحول البلد إلى حديقة خضراء يجري به 103 أنهار، لكنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة توفر ميكنة وأيدي عاملة ماهرة تجعل من أرضه مناطق تزرع محاصيل تدر إنتاجاً وفيراً، بجانب أشجار الفاكهة الشهية والأعشاب والتوابل، والأرز الذي يزرع مرتين في العام الواحد.

سريلانكا لؤلؤة المحيط الهندي، بلد ظلمه الإعلام، أو حرم من التسويق الجيد، فالقليل يعرفون أنه بلد يتمتع بطبيعة ومناطق سياحية وأنه يلقب بأرض الأحلام والأساطير، ولديه علاقة قوية بصفحات مهمة في التاريخ منها زيارة الرحالة ابن بطوطة حين كان يطلق عليه اسم سرنديب الذي تغير بعد ذلك إلى سيلان في عهد الاستعمار البريطاني حتى أصبح سريلانكا.

ونوعاً من العرفان الجميل وتخليداً للذكرى سميت مدينة «بنتوتا» على اسم ابن بطوطة، وقضى الشاعر العربي محمود سامي البارودي 17 عاماً في المنفى هناك، حيث الألحان والقصائد، وعلم أهلها العربية والإسلام. وارتبط وصول الإسلام إلى هذه المنطقة بوصوله إلى الهند وجزر أندونيسيا ، فلقد كان العرب على صلة تجارية بجزيرة سرنديب (سيلان) قبل ظهور الإسلام ، وكان طبيعياً أن يصل التجار العرب المسلمون إليها خلال القرن الهجري الأول، غير أن الانتشار الفعلي للإسلام في جزيرة سيلان بدأ بنهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني.

حيث انتشر الإسلام في سواحل الجزيرة، ثم وفد إلى الجزيرة مسلمون من التاميل الهنود، ومسلمون من الملايو وأندونيسيا، ولقد اتخذ ملوك الجزيرة مستشارين من العرب والمسلمين في فترات سابقة على الاستعمار الأوروبي. وعندما خضعت جزيرة سيلان للاستعمار البرتغالي ثم الهولندي، وأخيراً البريطاني، واجه المسلمون تحدياً من البعثات التنصيرية طيلة أربعة قرون، فلقد دعم الاستعمار هذه البعثات وأمدها بنفوذه، وأمام هذا التحدي لجأ المسلمون إلى المناطق المنعزلة، وظل الإسلام ينتشر بجهود فردية دون دعم مادي أو سياسي، ويقدر عدد المسلمين في سريلانكا بحوالي 000. 600. 1 نسمة.

بين أرجاء الجزيرة

وعلى مدار خمسة أيام لم تكن كافية لزيارة كل مناطق سريلانكا، فالجزيرة رغم صغر مساحتها «66 ألف كيلو متر مربع» إلا أن التنقل من مكان لآخر ليس بالأمر اليسير ويحتاج إلى حرص شديد ومهارة في القيادة، حيث تشعر في البداية انك عكس الاتجاه لكن سرعان ما تنتبه إلى أن نظام المرور المطبق في البلد معمول به من أيام الاستعمار البريطاني وعليك أن تأخذ الطريق اليسار بدلاً من اليمين كما هو في معظم البلاد، إضافة إلى أن السرعة القصوى لا تتعدى 60 كيلو متراً للساعة بسبب سوء الأحوال الجوية، وكثرة المنحنيات والارتفاعات وضيق مساحة الطرق.

وبعد حوالي 4 ساعات ونصف الساعة طيران من دبي إلى مطار كولومبو العاصمة أكبر المدن وأكثرها اكتظاظاً بالسكان، بدأت رحلة لم تكن سهلة داخل حافلة صغيرة استغرقت أكثر من 6 ساعات، قطعت خلالها حوالي 160 كيلو متراً، ليصل أفراد الرحلة الإعلامية - المدعوة من قبل حكومة سريلانكا للتعريف بمعالم البلد ـ إلى ما يشبه قرية سياحية، في مقاطعة تحيط بها المياه.

فكنا كأننا في فندق عائم بني فيه 25 بيتاً صغيراً على أعمدة مرتفعة وسط بحيرة، تفنن المهندس المعماري في إقامتها على طراز آسيوي فريد مستوحى من البيئة المحيطة ومستخدم لأدواتها من الأخشاب وقش الأرز دون اللجوء إلى الخرسانة أو الحديد، أما مطعم القرية فقد شيد فوق منطقة مرتفعة قليلاً تصعد إليها عبر سلم خشبي بينه درجاته فراغات تشاهد من خلالها سريان المياه وأنواعاً مختلفة من الأسماك.

أما المأكولات فتحتاج إلى شهية تفضل الطعام الآسيوي وتعرف أنواعه المحلية، فهي تتشابه مع بعض المألوف لدينا لكن عند تذوقها تجدها مختلفة الطعم وحارة جداً، لذا فكان الغالبية يميلون إلى طلب الأسماك، ويكثرون من طلب العصائر الطازجة والفاكهة الشهية خاصة الأناناس و«البابايا».

وبعد استقبال لطيف عقب انحناءة بالرأس سبقتها وردة جميلة، صعد كل منا إلى بيته الصغير وسط ذهول بروعة مكان، وكان الوقت قد تأخر ولا تسمح ظروف القرية بالسهر ليلاً فلا شيء غير صوت الأمطار، وحركة على أقدام حافية فلا تصدر عنها أصوات مزعجة، من عاملين وعاملات قصار القامة.

ظهرت عليهم ملامح التعب لاجتهادهم في العمل وسرعة تلبية احتياجات النزيل المدلل، الذي يكثر عادة من الطلبات طالما وجد الخادم المطيع، تجد نفسك مجبراً على النوم انتظاراً للصباح، الذي انجلى بصبح جميل يدعوك إلى التأمل والاستمتاع بطبيعة خالية من التلوث والضجيج، حيث كل شيء يمضي حولك بهدوء، يجعلك كأنك عبرت إلى بوابة زمن آخر غير الذي نعيش تسارعه وجنونه.

وكعادتنا العربية، التقطنا الكثير من الصور لأنفسنا، ولم نجد حرجاً في الطلب من المارة إن لم نجد أحداً من زملاء الرحلة التقاط بعض الصور التذكارية، وكان ذلك في الصباح الباكر، حيث عاد طاقم العاملين بالقرية لإعادة مراسم الاستقبال والانحناءة وتقديم الورود المتوفرة في كل مكان من حولهم، واصطحبنا أحدهم إلى إفطار تصدره مأكولات محلية، فأكلنا ما استسغنا طعمه، وطبعاً أكثرنا من طلب العصائر والفاكهة.

ثم تحركت الحافلة إلى مدينة كاندي وسط سريلانكا، وهي أقدم المدن التي تعتبر منبع البوذية وهي عاصمة المحافظة الوسطى للجزيرة، ووادي كاندي تأسس في القرن الرابع عشر وهو منطقة زراعية استوائية، يزرع فيه الشاي، والحركة فيه أشبه برحلة سفاري بين طرقات وعرة ضيقة، ورغم ذلك تجد متعة كبيرة في النظر إلى مناظر الطبيعة الأخاذة فتنسى عناء السفر.

وتطلب المزيد من التنقل والحركة دون أن تشغلك الاعتذارات المستمرة من مرشد الرحلة رانيل سمارا سيكيرا ومحاولات السير بمهارة من السائق السريلانكي محمد نوفل وتؤكد لهما أن الأمر شيق وبه مغامرة تعيدك إلى أيام المراهقة والخروج إلى الحقول والتخييم في الصحراء والسهر حتى ساعات متأخرة من الليل، ولا يبدو عليهما الغرابة فقد سبقنا إليهم الرحالة ابن بطوطة، وبالتالي يعرف الكثيرون منهم عن العرب حبهم للسفر والرحلات وشق الصعاب.

وأنت في الطريق إلى كاندي تلاحظ انتشار زراعات الأناناس بكميات كبيرة على جانبي الطريق، فيسيل لعاب ريقك على تذوق تلك الثمار الطازجة، وإن تقترب منها تجد نفسك محتاراً بين بقية أنواع الفاكهة المتعددة، خاصة شجرة جوز الهند التي يطلقون عليها اسم«كنج كوكونت» ويستفيدون من خشبها الذي يستخدم في الصناعات الخشبية وهو متين جداً، وتستخدم أغصانها في صناعة نوع من الحصائر والسلال ذات الاستعمالات المتنوعة.

أما الثمرة فعدا عن شرابها يستخرج منها الزيوت، وبرش جوز الهند المستخدم في المأكولات على أنواعها، وقشرتها السميكة تقطع طولياً وتصف حول جذوع الأشجار وعلى جوانب الطرقات لمنع انزلاق التربة، ويمكن نقعها لأيام في الماء، تحلل وتستخدم أليافها في صناعة الحبال، كما تصنع منها المكانس. ومع رخص ثمن كوب العصير الطازج تدعي الثراء الخليجي، وتطلب نوعين أو ثلاثة، وفي النهاية تدفع 100 روبية ثمناً لكوب كبير من العصير أي حوالي ثلاثة دراهم ونصف الدرهم.

بلد الألفي مسجد

يوجد في سريلانكا حسب ما أفادت مصادر غير رسمية في كولومبو ومواقع الكترونية حصلنا منها على بعض المعلومات عن البلد، 2000 مسجد موزعة على المدن المهمة والقرى التي ينتشر بها المسلمون، وأخذت منظمات إسلامية على عاتقها ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغتي السنهالية والتاميل، حتى تسهل الأمر على المسلمين الذين يتبعون الشريعة الإسلامية.

ويعتمد عدد كبير من السكان في حديثهم على اللغة الإنجليزية بجانب لغتي السنهالية والتاميل، أما العملة الوطنية فهي الروبية السريلانكية التي تساوي المئة منها دولاراً واحداً. وللمسلمين مدارسهم الخاصة، حيث يتلقى أبناء المسلمين من الذكور والإناث تعليماً إسلامياً، وتوجد في سريلانكا 500 مدرسة ابتدائية إسلامية تخضع لإشراف حكومة البلاد، وأكثر من 150 معهداً عربياً.

يوم الأحد

لتعليم مبادئ الدين الإسلامي وحفظ القرآن، تستقبل بعض المدارس أبناء المسلمين يوم الأحد حيث العطلة الأسبوعية، التي أسستها جمعية إسلامية. ويدرس رجال الدين الإسلامي بمدرسة دار العلوم في كولومبو باللغة العربية، كما أن هناك كلية السيدات المسلمات في مدينة كليليا، وجامعة كيلانيا للدراسات الإسلامية وتخضع هذه المؤسسات التعليمية لإشراف الدولة، ويعمل الخريجون في مدارس الأيتام والمدارس الابتدائية الإسلامية.

7 فنادق

يوجد في العاصمة كولومبو 7 فنادق خمسة نجوم، كما يوجد بها فنادق صغيرة، ومن الفنادق ذات السمعة الجيدة في العاصمة Gale Face Hotel محاذي للشاطئ، وبني قبل 145 سنة أيام الاستعمار البريطاني للجزيرة، ومكث فيه عدد من ملوك وأمراء بريطانيا والعالم، ويتميز بتميز فن عمارته، وبواجهته البحرية.

كما يتوفر في العاصمة التي تتلازم فيها مشاهد الفقر المدقع والغنى الفاحش، عدد من متاجر الأشغال اليدوية والحرفية المحلية المرموقة، ومن أهمها «برادايس رود» ومحلات «وديل». إضافة إلى محلات المجوهرات التي تبيع الأحجار الكريمة ونصف الكريمة التي تشتهر بها الجزيرة بأسعار جيدة.

سريلانكا ـ مرتضى البريري