كانت قضايا الحوكمة والشفافية على رأس قائمة المواضيع الأكثر أهمية في اليوم الخامس من فعاليات أسبوع مركز دبي المالي العالمي. وجاءت كلمات الحضور وحلقات النقاش واضحة بخصوص وضع حوكمة الشركات، إذ أجمعوا على أهمية التعامل بجدية بالغة مع مسألة الحوكمة وضرورة إطلاق مبادرات لإصلاح السياسات المتبعة في هذا المجال بهدف بناء أسواق المال في المنطقة.
وأشاد المجتمعون على هامش المؤتمر بالدور القيادي الذي يلعبه معهد «حوكمة» في هذا السياق وجهوده الكبيرة التي تعمل على تقوية المعرفة بها وتطبيقها على مختلف القطاعات ليس في الدولة فحسب بل في المنطقة أيضاً. من جهته افتتح الدكتور ناصر السعيدي المدير التنفيذي لمعهد «حوكمة» الجلسة قائلا: تدل فكرة مؤتمرنا، وهي «أسواق المال وحوكمة الشركات»، على الروابط الوثيقة بين الممارسات الرشيدة لحوكمة الشركات ونمو أسواق المال في المنطقة. فمن جملة العوامل التي ستعتمد عليها قوة أسواقنا المالية، مستوى الثقة التي يوليها المستثمرون لمؤسساتنا المالية والبنية التحتية لخدماتنا المالية.
وسوف تسهم الممارسات الرشيدة لحوكمة الشركات في بناء أسواقنا والحد من تقلبات أسواق المال الإقليمية، وذلك بالتعاون مع المؤسسات التي ستظهر لاحقاً بهدف غرس قيم الشفافية، والمحاسبية، وتحمل المسؤولية، والنزاهة، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تمويل النمو والتنمية الاقتصادية للمنطقة. وما نقوم به ما هو إلا استكمال لما بدأناه في مؤتمر حوكمة الأول العام الماضي، والذي صدر عنه «إعلان دبي» الداعي إلى تعزيز جهود حوكمة الشركات في المنطقة. وأشار إلى أنه وعلى مدى سنة ونصف السنة، ركز «حوكمة» على توحيد الجهود ووضع الإطار العام الذي سيكون الأساس لبناء تدريجي لحوكمة الشركات في المنطقة.
فقد دعونا أكثر من سبعة آلاف مشارك في السوق من جميع أنحاء المنطقة لتوحيد الجهود وتقديم الدعم لتحديث وإصلاح حوكمة الشركات، كما نجحنا في بناء علاقات متينة مع شبكة واسعة من المؤسسات الإقليمية والعالمية تضم نحو 30 مؤسسة، وهيئة تنظيمية، وحوكمة، وسوقاً مالية، ومجموعات أعمال لوضع وتطبيق أجندة إقليمية لحوكمة الشركات. وقال «عملنا خلال الفترة الماضية مع عدد من المصارف المركزية والبنوك، خاصة في إطار «جائزة حوكمة واتحاد المصارف العربية لحوكمة البنوك» التي أطلقناها لأول مرة بغرض إبراز الممارسات الرشيدة في القطاع المصرفي في المنطقة.
وقد شارك حوالي 40 بنكاً إقليمياً في هذه الجائزة، ونهنئ بهذه المناسبة «بنك برقان» الكويتي على فوزه بالجائزة الأولى تقديراً لالتزامه بالحوكمة الرشيدة، و«بنك ظفار» و«بنك الكويت والشرق الأوسط» على فوزهم بالمركزين الثاني والثالث».
وأضاف: «عملنا في الفترة الماضية مع سلطات الأسواق المالية في المنطقة على تطوير إطار عام لحوكمة الشركات في أسواق رأس المال، لإبراز الحاجة إلى الارتقاء بممارسات حوكمة الشركات بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية.
وفي هذا السياق، أجرينا دراسات لقياس مستويات «حوكمة الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي من وجهة نظر المستثمر». وفي الوقت الراهن، نخطط لإجراء دراسات مماثلة لدول المغرب والمشرق العربيين. كما أجرينا بالتعاون مع شركائنا، «مؤسسة التمويل الدولية»، استطلاعاً لآراء الرؤساء التنفيذيين حول ممارسات حوكمة الشركات على مستوى الشركة الواحدة».
وأشار إلى إطلاق مبادرات حيوية مع «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» و«البنك الدولي»، وآخرين، من خلال تطوير «مجموعات عمل حوكمة الشركات»، بما فيها مجموعات عمل إقليمية حول البنوك، والمؤسسات المملوكة من قبل الدولة، والإعسار وحقوق الدائنين.
واعتبر ان قطاع التأمين يحظى في المنطقة بالاهتمام، وقال: «أسسنا مجموعة عمل حول التأمين بالتعاون مع «الاتحاد العربي لهيئات تنظيم التأمين». وتعزز مجموعات العمل هذه دورنا الداعم من خلال جمع ممارسي وداعمي حوكمة الشركات ضمن شبكة ذات أهداف محددة لدراسة واقع ممارسات حوكمة الشركات، ووضع التعليمات الكفيلة بتعزيز وإصلاح حوكمة الشركات في المنطقة».
وتجسد مجموعات العمل هذه جهودنا على مستوى القطاعات المختلفة، ولكننا ندرك أيضاً أن تحقيق مستويات أعلى من حوكمة الشركات تتطلب وجودد إعلام واع واسع المعرفة يتابع مستوى الشفافية والمسؤولية لدى الشركات وقيادتها.
وفي هذا الإطار، أطلقنا بالتعاون مع «زاوية داو جونز» برنامجاً للصحافة الاقتصادية يعمل مع الصحافيين على متابعة أخبار الشركات في المنطقة من منظور الحوكمة الرشيدة للشركات. واختتم: «وأخيراً، وليس آخراً، تأتي مبادرتنا لبناء القدرات في غرف مجالس الإدارة في المنطقة.
فعلى مدى السنة الماضية، قمنا بتنظيم برنامج لتطوير المديرين يتألف من أربعة أجزاء، وتلقينا فيضاً من الطلبات من الشركات لتطوير برنامج اعتماد للمديرين. وفي السياق ذاته، أطلقنا برامج لبناء القدرات لأمناء مجالس الإدارة ومديري الأصول.
لقد أنجزنا الكثير منذ «إعلان دبي» ونأمل من خلال دعمكم أن نحقق المزيد من الإنجازات في السنة المقبلة. ويشكل مؤتمر اليوم الفرصة المناسبة لأن نتعاون معاً في وضع أجندة أكثر حيوية لحوكمة الشركات في المنطقة. وسوف تساعد النقاشات والمباحثات التي يسفر عنها هذا المؤتمر في بناء برنامجنا الاستشاري لعام 2008. ومن هنا، فإننا نتطلع إلى مشاركتكم البناءة ودوركم الفاعل.
وافتتح معالي الدكتور محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشؤون المالية والصناعة مؤتمر «حوكمة» مؤكداً على أن الفارق الجوهري الذي يمكن رصده حين نحلل تجارب صعود وهبوط الأمم، هو القدرة على الاستفادة من الأخطاء لتجنبها، وتركيم المعارف وتوجيهها في الاتجاه الصحيح.
واعتبر ان المفاهيم المتعلقة بحوكمة الشركات تأتي في مقدمة ما استفاده العالم من دروس نتيجة للأزمات التي يمر بها، إذ أن انفجار الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، (والتي كانت في المقام الأول أزمة ثقة في المؤسسات والتشريعات التي تنظم نشاط الأعمال والعلاقات فيما بين منشآت الأعمال والحوكمة)، تسببت هذه الأزمة في لفت الانتباه إلى الصلة الوثيقة بين الحكم والصالح والتنمية المستدامة.
وقال معاليه «أكدت الممارسات العالمية أن النجاح في تحقيق تنمية مستدامة عن طريق الحكم الصالح أمر له أدوات لا يتحقق من دونها، أبرزها العمل على تقوية الشعور بالشراكة بين فعاليات المجتمع في ظل استقرار سياسي: شراكة تتحقق فيها مبادئ المساواة والشفافية والإنصاف والمساءلة،
ويسود فيها القانون، بشكل يزيد من فعالية الحوكمة ويضمن جودة التنظيم والرقابة ويقضي على الفساد بكل أنواعه وأشكاله، مما يرفع من درجات الاستجابة والفعالية والمبادرة بين فعاليات المجتمع، ويخلق جوا من التوازن يشجع على استخدام فعال ومنصف للموارد بغرض تحقيق الرفاهية التي ترنو إليها كل الشعوب».
وتمكنت الدول التي أدركت هذه الحقائق وعملت بها مبكراً من تحقيق درجات عالية من التناغم في أداء قطاعاتها السياسية والاقتصادية المختلفة مما ساهم في نجاح برامجها التنموية. وأشار إلى أن مفهوم إدارة الحكم من السياسة وإدارة الدولة إلى الشركات، بات مفهوم الحكم الرشيد ويعني حزمة القوانين والقواعد التي تؤدي إلى الشفافية وإعمال القانون،
وهو أمر ساهم ي رفع كفاءة الاقتصاد ومعالجة المشكلات الناتجة عن الممارسات الخاطئة من قبل إدارات الشركات. وقال: «ليس بخاف أن منطقتنا العربية ـ رغم انشغالها الحالي بهذه المفاهيم ـ ما زالت في حاجة إلى قدر أكبر من التركيز على وضع آليات وخطط تنموية متكاملة، بحيث تتمكن من اللحاق بطريق التنمية وامتلاك مقومات المنافسة،
وكذلك القدرة على وضع سيناريوهات لمواكبة التطورات المستقبلية، وهي أمور لن تأتي إلا من خلال دراسات عميقة وتحليل علمي لكل المنهجيات الحديثة والتطبيقات العالمية الرائدة واختيار الأنسب من بينها لتحقيق نمو مستدام».
من هنا تأتي اهمية وجود جمعية (حوكمة) وأهمية هذا المؤتمر الذي يسعى إلى تحقيق إضافة على الصعيد الفكري والتطبيقي في مجال المؤسسات والنمو الاقتصادي ومفهوم الحكم الرشيد في الدول العربية، عبر استعراض أحدث ما توصلت إليه الذهنية الإدارية والاقتصادية العالمية ومناقشة أبرز التجارب التطبيقية.
واعتبر انه ليس غريباً أن تنشأ مثل هذه الجمعية الطموحة في دولة الإمارات، التي كانت واحدة من دول المنطقة التي بادرت إلى تفهم هذه الحقائق والعمل على التعاطي معها بشكل عملي ومدروس، ونجحت بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل قيادتها الحكيمة في ان تكون أنموذجاً عربياً يشار إليه للتنمية والتطور، واستطاعت من خلال اعتمادها آليات المنافسة والاقتصاد الحر، واتباع سياسة السوق المفتوح،
وتعزيز دور القطاع الخاص أن تؤسس لروح شراكة حقيقية بين مؤسساتها المختلفة سواء في القطاعات الرسمية أو الخاصة أو مؤسسات المجتمع المدني، في ظل عمل مستمر على تعزيز فاعلية العمل الحكومي وتبني عقلية التطوير، وذلك من أجل تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة تعود بالخير على الجميع.
واتخذت الإمارات العديد من الخطوات المهمة على صعيد تطوير إدارة الحكم كانت تجربة انتخابات المجلي الوطني الاتحادي واحدة من أبرزها، حيث جسدت تطلعات وطموح المواطنين في الدولة عبر توسيع رقعة مشاركتهم في رسم مستقبل وطنهم ودفع عجلة نموه.
كما جاء إعلان استراتيجية الحوكمة الاتحادية ليؤكد الأهمية الكبيرة التي تحتلها مبادئ المساواة والشفافية والإنصاف والمساءلة وسيادة القانون في رؤية قيادة الدولة الرشيدة لمسيرة العمل التنموي،
كما عززت الاستراتيجية ببرامجها الطموحة من أهمية الشراكة بين فعاليات المجتمع، والتعاون بين القطاعين الحكومي والخاص في تحقيق التناغم المنشود في تلك المسيرة، بحيث تضمن مستوى راقياً من العيش لكل فرد من أفراد المجتمع.
على الصعيد نفسه أشار معاليه إلى أن وزارة المالية والصناعة بصفتها المسؤولة عن تنفيذ السياسات المالية والصناعية المرتبطة بالتنمية الاقتصادية قد قطعت شوطاً كبيراً في اتجاه تنفيذ رؤية الدولة في تحقيق أداء حكومي عالي الجودة، يدخل في هذا الإطار الجهد المبذول في تطبيق الإجراءات المالية الموحدة للحكومة الاتحادية،
والتي حرصت وزارة المالية عند إعدادها على إعطاء الوزارات الصلاحيات في اتخاذ القرار في تنفيذ اعتماداتها بشكل يجعلها تتحمل مسؤولياتها في إدارة شؤونها المالية، إعمالاً لمبدأ المساءلة ولتحقيق أكبر قدر من الشفافية في إدارة الموارد المالية للحكومة الاتحادية.
ولا يخرج عن إطار الإصلاح المؤسسي أيضاً ما تبذله وزارة المالية والصناعة بشكل مستمر من جهود في سبيل تجنب الازدواج الضريبي الاقتصادي والمالي وعقد الاتفاقات الدولية التي تضمن ذلك، وكذلك تطبيق أحد النظم المالية والتقنية، وغير ذلك من خطوات علمية جادة تسعى إلى تطوير العمل الحكومي وتحسين الشفافية بهدف تعزيز المناخ الاستثماري في الدولة.


