نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن خبراء في صناعة البترول توقعاتهم أن يصل إنتاج البترول إلى أعلى سقف له بحلول عام 2012، حيث يقترب العالم بسرعة من هذا السقف من الإنتاج اليومي للبترول، برغم عطش العالم الشديد لهذا الإنتاج.
وقال الخبراء إن هذا السقف الإنتاجي ـ الذي توقع البعض أن يصل إلى 100 مليون برميل يومياً أقل من توقعات الطلب العالمي خلال العقود القليلة المقبلة. ويصل الإنتاج العالمي الحالي إلى 85 مليون برميل. وقالت الصحيفة إن مخزون العالم من البترول لن ينضب في المستقبل القريب بالطبع.
ويتوقع كثير من خبراء الطاقة أن يؤدي الارتفاع الصاروخي في أسعار البترول إلى تسريع تطوير أنواع بديلة من الوقود لتحسين كفاءة الطاقة. غير أن هناك أدلة على أن إنتاج البترول قد لا يزيد قبل أن يصل إنتاج أنواع الوقود البديلة إلى مستوى تجاري معقول. وقد يؤدي ذلك إلى فترة من النقص الشديد في الطاقة وارتفاع هائل في الأسعار والتنافس الشرس على موارد الطاقة.
نظرية ذروة الإنتاج
ويمثل الجدل الثائر حالياً نقطة تحول بالنسبة لنظرية ذروة الإنتاج التي كانت سائدة من قبل. فقد قال أصحاب هذه النظرية إن الإنتاج العالمي من البترول سوف يصل إلى ذروته قريباً ثم يبدأ في الانخفاض لأن نصف البترول المتاح في العالم قد تم استخراجه بالفعل. وثبت خطأ هذه النظرية عدة مرات لأنه لا أساس يثبتها.
ولا يصدق الكثيرون من كبار رؤساء ومديري شركات البترول القريبة وكبريات الدول المصدرة للنفط في العالم أن البترول المتاح في العالم بلغ نقطة النصف. ويعتقد هؤلاء أن ذروة إنتاج البترول عالمياً سوف تأتي لأسباب أخرى، منها محدودية الوصول إلى حقول البترول والارتفاع في تكلفة الإنتاج وزيادة تعقيد جيولوجيا حقول البترول.
وسوف يؤدي ذلك إلى انتظام إنتاج البترول عالمياً «دون زيادة أو نقصان» ولذلك يقولون إن هذه ليست الذروة، بل يظل إنتاج البترول ثابتاً فلا يرتفع ولا ينخفض.
سقف الإنتاج
ظهور سقف إنتاج البترول قد يعني تغيراً تاريخياً في عالم الطاقة
فقد زاد الإنتاج العالمي من البترول بمعدل متوسطه 3. 2% سنوياً منذ عام 1965، وفق إحصاءات بريتش بتروليوم. هذا التوسع في الإنتاج العالمي من البترول ـ الذي كان غالبيته رخيصاً بمقاييس اليوم ـ غذى التوسع الاقتصادي العالمي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتوقعت الوكالة الدولية للطاقة أن يرتفع إنتاج البترول إلى ما بين 3. 102 و120 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030. وقال رئيس تنفيذي شركة توتال الفرنسية إن إنتاج 100 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030 سوف يكون أمراً صعباً.
الحديث بوضوح
وقال كريستوف دوميرجري رئيس تنفيذي توتال الفرنسية إن هذه رؤية الذين يفضلون الحديث بوضوح وأمانة ولا يحاولون فقط قول ما يحلو للناس. وأضاف دوميرجري ان العديد من حقول البترول القائمة تستنزف بمعدلات سوف تضر التركيب الجيولوجي لها،
وبذلك ينخفض الإنتاج مستقبلاً أكثر مما يتوقع الكثيرون، والأكثر من ذلك كما يقول دوميرجري ان بعض الدول التي لديها احتياطيات كبيرة من البترول تحصل على عائدات كبيرة من إنتاجها الحالي وبالتالي تشعر أنه لا حاجة إلى زيادة تطوير هذه الحقول، وهذا سبب آخر لعدم زيادة الإنتاج.
وأكد جيمس مولغا رئيس تنفيذي كونوكو فليبس هذا الرأي وقال إنه لا يعتقد أن الإنتاج سوف يزيد على 100 مليون برميل يومياً، وتساءل من أين سيأتي هذا الإنتاج. كما تساءل إذا كانت صناعة البترول لديها ما يكفي لدعم الخدمات والناس لتنفيذ مشاريع جديدة للإضافة إلى الإنتاج الحالي.
حتى المسؤولين من بعض دول الأوبك «منظمة الدول المصدرة للنفط» التي أكدت كثيراً على استقرار إمداداتها للعالم من الوقود منذ عقود، يتوقعون انخفاضاً في الإنتاج. وقال مسؤول نفط ليبي إن العالم سيجد صعوبة في إنتاج 100 مليون برميل نفط يومياً.
وقال مسؤول سعودي سابق إنه لا يعتقد أن هناك مهندسين بدرجة كافية أو معدات كافية لرفع الإنتاج بالسرعة الكافية لري عطش العالم والاقتصاد العالمي بالبترول والطاقة. وأضاف يقول ان الاكتشافات الجديدة صغيرة ومرتفعة في تكلفة الإنتاج أيضاً.
أسباب القلق
يرى كثير من زعماء صناعة البترول أنه ليس هناك سبب للقلق. وقال توني هاوارد رئيس تنفيذي بريتش بتروليوم إنه لا يؤيد نظرية أن إمدادات البترول قد وصلت الذروة بالفعل. وقال ركس تيلرسون رئيس تنفيذي إكسون موبيل إنه إذا كان للشركات قدرة أفضل على الوصول إلى احتياطي البترول العالمي فسوف يرتفع الإنتاج وقد تنخفض الأسعار.
وقال إن الموارد الكافية الهيدروكربونات موجودة لتلعب دورها في الوفاء بالطلب العالمي، فإذا تم السماح للشركات بالوصول إلى هذه الموارد فسوف نستطيع رفع إنتاج الوقود للوفاء بالطلب العالمي عام 2030 ـ الذي يصل إلى 116 مليون برميل يومياً.
اختلاف السيناريوهات
تسيطر سيناريوهات متفائلة ومتشائمة دائماً على صناعة البترول، ولم يظهر أي من هذه السيناريوهات حتى الآن. وقال مايكل لينش رئيس الأبحاث الاقتصادية واستراتيجيات الطاقة «مؤسسة» إن صناعة البترول بالكامل في السبعينات كانت تعتقد وتؤمن بأن سعر البترول سوف يصل إلى 100 دولار للبرميل بحلول 1995،
وأننا سوف نكون بحاجة إلى حقول بترول جديدة واستغلال موارد جديدة. وبالطبع لم يحدث ذلك لأن الاكتشافات في المناطق الجديدة كانت خلال فترة انخفاض أسعار البترول في منتصف الثمانينات وأواخر التسعينات.
تفاؤل أميركي
ويشعر المسؤولون الأميركيون بالتفاؤل إلى حد ما، وتتوقع إدارة بيانات الطاقة أن يصل الإنتاج العالمي من البترول إلى 118 مليون برميل يومياً بحلول 2030. غير أن الإدارة تحذر من عدم تحقق توقعاتها إذا لم تستثمر دول غنية بالطاقة مثل فنزويلا والعراق استثمارات كافية لزيادة الإنتاج.
وقال كلاي سيل نائب وزير الطاقة الأميركي في وقت سابق إننا نعلم أن موارد الطاقة العالمية لم تنضب ومع ذلك فإن المخاطر مثل سيطرة الحكومات على مواردها البترولية ومحدودية الوصول إلى الحقول ومشكلات البنية التحتية قد تجعلنا نشعر بقدوم ذروة الإنتاج تماماً
مثل الحد من الإنتاج إلى الحدود التي تنخفض عن ما يحتاجه العالم، وقال إن تأميم موارد البترول يشير إلى إحكام الدولة السيطرة على حقول البترول لتحقيق أهداف سياسية، غالباً بفرض قيود على قدرة الآخرين على تطوير البترول والأسواق العالمية.
مستوى مستقر غير مستمر
كان الشائع أكثر بين المحللين من عامين أو ثلاثة أعوام الدعوة إلى تقنية جديدة لاستخراج موارد البترول. وتوقعت جامعة كمبريدج في تقرير سابق إن إنتاج البترول يمكن أن يصل إلى 110 ملايين برميل يومياً بحلول 2015، وقالت الجامعة إنه بسبب تقدم وسائل استخراج البترول، ليس هناك سبب للوصول إلى ذروة الإنتاج في أي وقت قريب،
وقالت في تقرير لاحق إن ذروة إنتاج البترول العالمي لن تصل قبل 2030، وحتى عندما يحدث ذلك فسوف يظل الإنتاج مستقراً عند مستوى معين قد يتغير من وقت لآخر لكنه مستقر لعقد أو أكثر ثم ينخفض تدريجياً. وشهدت شركات البترول سنوات من الأسعار المرتفعة وبالتالي تحاول زيادة الإنتاج، ووفر ذلك شعوراً أفضل لرؤساء شركات البترول عما هو ممكن وما هو مستحيل.
ماذا يقولون
يعتقد كثيرون أن غالبية حقول البترول الكبرى في العالم قد اكتشفت بالفعل، وبحلول عام 1970، اكتشفت شركات التنقيب عن البترول 10 حقول عملاقة يمكن أن ينتج كل منها أكثر من 600 ألف برميل يومياً وفق ما قاله مات سيمونز رئيس شركة سيمونز للاستثمارات المصرفية في الطاقة.
وأضاف أن التنقيب خلال العشرين سنة التالية حتى 1990 لم يسفر إلا عن حقلين فقط. ومنذ عام 1990 اكتشفت الشركات حقلاً واحداً يحتمل أن ينتج 500 ألف برميل يومياً هو حقل كاشجان في بحر قزوين، ويقول سيمونز إنه ثبت أن الإنتاج من هذا الحقل مرتفع التكلفة وصعب.
غير أن الاكتشافات الكبيرة لا تزال ممكنة حيث أعلنت شركة البترول البرازيلية مؤخراً عن اكتشاف حقل بترول بحري في الأطلنطي يبدو أنه أكبر اكتشاف منذ حقل كاشجان القزويني. غير أن أكثر الحقول الواعدة تقع في بيئات وأماكن صعبة لأسباب جغرافية أو سياسية أو مناطق النزاعات المسلحة.
وأدى ارتفاع الأسعار أيضاً إلى تضخم تكلفة أرصفة الحفر ومعدات أخرى. وترتفع الأسعار بشكل كبير لدرجة أن صناعة البترول لا تستطيع الاستثمار للوفاء بالحاجة. ولكي تفي الصناعة بالطلب المتوقع أن يصل 90 مليون برميل يومياً بحلول عام 2010 لابد أن تستثمر 350 مليار دولار على الحفر والإنتاج اعتباراً من 2005، كما قال خبراء اقتصاديون.
وقال مسؤول بترول سعودي سابق إن الجميع يعتقدون أن السعودية سوف تخرج العالم من هذا المأزق، والسعودية تفعل مابوسعها لكنها لن تستطيع أن تفعل شيئاً على المدى الطويل لأنه لن يكون كافياً.
عوامل سياسية واقتصادية
ليس من المحتمل أن يرتفع إنتاج حقول العراق من البترول حتى يتحسن الوضع الأمني وتعود الاستثمارات الخارجية إلى البلاد. كما أن مستقبل الإنتاج في كل من إيران ونيجيريا محكوم بتطورات سياسية والاستقرار الداخلي. والعمالة واختناقات الإنشاءات من العوامل التي تجعل من الصعب تطوير حقول بترولية جديدة.
ومن أكبر العقبات أمام تطوير حقول جديدة طفرة أسواق السلع ذاتها. فإن ارتفاع أسعار المواد الخام المستخدمة في إنشاء أرصفة البترول ومعدات الاستخراج قد بلغ مداه. وخلال سنوات أسعار البترول المنخفضة أو المعتدلة في الثمانينات والتسعينات لم تطور الشركات خبراء جيولوجيا بالعدد الكافي وعمالة ماهرة أخرى لتفي بالاحتياجات المطلوبة الآن.
وقال أندرو جولد رئيس تنفيذي شركة شلومبرجرر عملاق خدمات شركات البترول إن سنوات من انخفاض الاستثمارات في المواهب الجديدة أدت إلى محدودية الموارد البشرية الماهرة اللازمة لصناعة البترول. وأدى ارتفاع أسعار البترول إلى تضخم شديد في أسعار أرصفة البترول ومعدات أخرى.
وارتفعت التكاليف بشكل كبير لدرجة أن صناعة البترول لا تستطيع الوفاء بالاستثمارات اللازمة المطلوبة للوفاء بالطلب المستقبلي، ولكي تفي هذه الصناعة بالطلب البالغ 90 مليون برميل يومياً في 2010، لابد أن تبلغ الاستثمارات 350 مليار دولار، على أن يبدأ ذلك منذ عام 2005.
لكن الوكالة الدولية للطاقة تقدر أن الاستثمارات التي أنفقت في عام 2005 كانت 225 مليار دولار فقط. وقال لاري تشورن كبير خبراء الاقتصاد في قسم الطاقة «بلاتسي» في شركة مكجروهيل أن الإخفاق في إنفاق الاستثمارات اللازمة خلال السنوات القليلة الماضية لابد أنه أخرج صناعة البترول من منحنى الإنفاق.
وما يعقد من المسألة أن غالبية حقول البترول الكبيرة في العالم طاعنة في السن والقدم، ويتضاءل الإنتاج منها بسرعة كبيرة. ولذلك لكي يظل الإنتاج العالمي عند مستواه الحالي، تحتاج صناعة البترول إلى إضافة إنتاج جديد يصل إلى 4 ملايين برميل يومياً على الأقل سنوياً وتصل هذه الحاجة إلى خمسة أضعاف إنتاج الأسكا من البترول تجعلها الكبير في خليج برودهو، ولا يفترض هذا التقدير أن هناك أي ارتفاع في الطلب على الإطلاق.
ويتوقع البعض أن يصل الانخفاض في إنتاج الحقول المنتجة إلى 5. 4% سنوياً. ويعتقد الخبراء أن المعدل الأقرب إلى الصحة في انخفاض إنتاج هذه الحقول سيصل إلى 8 ـ 10% سنوياً خاصة والمعدات الحديثة في الاستخراج ستنفذ هذه الموارد بسرعة أكبر.
وإذا صدقت هذه التوقعات سوف تحتاج صناعة البترول إلى رفع الإنتاج اليومي بمقدار لا يقل عن 8 ملايين برميل يومياً، أي 10 أضعاف إنتاج الأسكا من البترول حتى يظل الإنتاج الحالي كما هو دون توقع ارتفاع في الطلب.
ويعتقد خبراء أن العالم في حاجة إلى نقل تركيزه في الطاقة من التغيرات المناخية إلى اهتمامات أكثر إلحاحاً على المدى الأقرب. ويقول أحد الخبراء إن ذروة إنتاج البترول العالمية هي أزمة بالفعل لا نعرف عنها شيئاً. ويحتمل أن تقع هذه الأزمة بين 2008 و2012.
الدولار وسعر البترول
تدرس منظمة الأوبك أثار انخفاض سعر الدولار على اقتصادياتها عقب نداءات بأن تسعر البترول بالعملات المحلية لهذه الدول بدلاً من الدولار. وقالت صحيفة «فاينانشيال تايمز» ان هذه الخطوة هي محاولة للتغلب على الخلافات بين هذه الدول بشأن رد فعلها على انخفاض سعر الدولار،
وقد دفعت كل من إيران وفنزويلا منظمة الأوبك نحو التخلي عن الدولار في مواجهة معاصرة متزايدة من المملكة العربية السعودية التي تستضيف قمة رؤساء دول الأوبك. وقال الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد عقب الاجتماع ان انخفاض الدولار يعني ان الدول المنتجة للبترول تدعم الحكومة والشعب الأميركي.
وأضاف أننا نعطيهم بترولنا وهم يعطوننا ورقة لا قيمة لها، ونحن نعرف جميعاً أن الدولار الأميركي ليس له قيمة اقتصادية. ويلتقي وزراء المالية والخارجية لدول الأوبك في أبوظبي خلال أسابيع لبحث أثر الدولار، وفق إشارات غير واضحة عن مؤتمر قمة رؤساء الأوبك.
وحذر وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل من أن الدولار قد ينهار إذا ذكروه في إعلان مؤتمر رؤساء الأوبك في الرياض، ولكن هذه التصريحات وصلت إلى الصحافة. وقلل الوزير عقب الاجتماع بأن أهمية بحث وزراء المالية والخارجية لأثر انخفاض الدولار
وقال: إن الإعلان لم يكن به أي إشارات غامضة أو مخفية ويعكس واجب أعضاء الأوبك في تعظيم عائدات مواردها. وتملك السعودية احتياطيات كبيرة بالدولار، وتعاني من انخفاض سعره. وتضغط إيران على الأوبك لتدرس خيار تسعير بترولها بناء على سلة عملات وليس بالدولار.
ترجمة: أشرف رفيق