يبدو أن الخلل الحالي في أسعار العملات بدأ يخرج الكثير عن صمتهم بعدما تجاوزت الأمور حدود ما كان مسموحا من ضعف الدولار، وفي هذا الشأن جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي في معرض حديث له إلى مجلس الشيوخ الأميركي بأن الضعف المستمر في سعر صرف الدولار الأميركي دون تدخل من الجانب الأميركي وأن قيمة العملة الصينية غير العادلة يمكن أن تقود إلى ما أسماها «حرب اقتصادية».

وتأتي هذه الصرخة المرتفعة في وقت يواصل فيه الدولار هبوطه المستمر و غير المسبوق، فمؤشر الدولار أمام سلة العملات الرئيسية وصل لأدنى قيمته عند 75% في وقت تحقق العملات المقابلة لهذا المؤشر قيمها التاريخية حيث سجل اليورو مقابل الدولار نحو 48 .1، والجنيه البريطاني عند 11 .2 والدولار الأميركي بلغ مقابل الكندي 10 .1.

وبغض النظر عن شخصية القائل ومدى قوة تأثير بلاده في منطقة اليورو وما يمكن أن يفعله، فقد لامست هذه التصريحات الوتر لدى معظم مراقبي الأسواق الذين ظلوا حائرين أمام مسلسل سقوط الدولار في سوق العملة.

وحيث الضرر أصبح أشمل وأبلغ، فدول اليورو تنخفض قدراتها على التصدير، والدول المرتبطة بالعملات تنقسم إلى قسمين دول مصدرة للنفط يرتفع الدخل فيها مع ارتفاع أسعار النفط ولكن في المقابل تنخفض القوة الشرائية للعملة ودول ضعيفة تنخفض قدرات العملة الشرائية دون ارتفاع يذكر في الدخل.

وتقضي القاعدة المنطقية أن الدول تنظر إلى توازن عملتها الوطنية مقابل العملات الأخرى بحرص شديد ويبدي المسئولون قلقهم عند حركة العملة ضد عملات رئيسية بأكثر من 5% صعودا أم هبوطا، نجد أن المسئولين عن هذا الشأن في أمريكا يرددون على الدوام عبارات لم تعد مستساغة مثل «سعر صرف الدولار الحر» وأن يترك تحديد السعر في الأسواق ولا يحبذون التدخل في هذا الاتجاه، وهو تناقض عجيب بين السياسة والاقتصاد الأميركي الذي يتدخل السياسيون منه في أدنى شئون الدول الأخرى .

ولا غرابة في ذلك فهذا التصريح يعد الأدق في تجسيد واقع الحال الذي آلت إليه الأسواق العالمية بفضل أكثر من 5 سنوات من هبوط مستمر للدولار وارتفاع مقابل في كل سلع الدنيا بدءاً من المعدن الثمين الذي وصلت سعر الأونصة فيه إلى 845 دولارا مرورا بالنفط عند مشارف 100دولار للبرميل الواحد وانتهاء بسعر الأرز.

فالأمور قد تخطت جميع مراحل الخطر الحمراء وخرجت عن نطاق التوقعات. ففي كل مرة كان الكل يعتقد أن هناك حداً أدنى من الأسعار سوف يحصل عنده تدخل لفعل شيء ما ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن ولو حتى على مستوى تصريحات إيجابية تحد من هذا المسلسل.

وزيادة في تناقضات سوق العملة بين الدولار كعملة حرة تركته بلاده في الأسواق ليتحدد سعره وبين عملة اليوان الصيني الذي تقف بلاده سدا منيعا أمام ارتفاع قيمته، ففي صباح اليوم نفسه ومن الصين جاء تصريح غير مؤكد مفاده أن الصين ستعيد النظر في تركيب الاحتياط النقدي لديها لتزيد من حصة اليورو، ولمجرد هذا الخبر ارتبكت أسواق العملة نحو مزيد من الانخفاض في الدولار وارتفاع اليورو.

فالكل يعلم تداعيات تلك الخطوة لو بدأت فعلا فالصين تلك الدولة الأغنى في دول العالم حيث احتياط النقد الأجنبي هناك يزيد على ما قيمته 5 .1 تريليون دولار وعملتها الحالية لم تكن يوما عند قيمتها الحقيقية.

وبالرغم من الضغوط المتواصلة من قبل الأميركيين والأوروبيين في تحرير سعر صرف اليوان إلا أنه لم يتحرر فعليا ولو أخذ قيمته بناء على سعر السوق وتقييمات الاحتياط وقوة الاقتصاد الصيني لتغيرت التوازنات الحالية كليا ودخل في نادي العملات الصعبة وعندها تنقص قدرات المنتج الصيني على المنافسة لأنه الأرخص على الدوام.

ما يمكن استخلاصه حتى الآن أن فعلا جديا من قبل المسئولين الأميركيين لن يتم في القريب العاجل، فإما أن تنحسر هذه الموجة برد فعل ذاتي أو من خلال تشكل تحالفات من الدول المتضررة داخل أسواق المال يكون هدفها أن تهيئ لرفع قيمة الدولار.

لكن الخطورة الحقيقية أنه إذا دخلت أسواق المال في مثل ذلك الوضع فستكون فترة عصيبة ملأى بالمتغيرات السريعة جدا وتأتي بكوارث كبيرة على كثير من سلع و عملات العالم.

أثبت نظام النقد العالمي الحالي والمعمول به منذ أكثر من 35 سنة أنه ليس نظاما مثاليا أو ابديا بل إنه مليء بالعيوب والثغرات وقد تم توظيفه مرات عديدة لرفعة شأن عملات دول لا تستحق حتى أن تكون في ذيل القائمة وأودى بعملات أخرى كانت لها القوة الشرائية الحقيقية لا لشيء إلا أن تلك الدول لم تدرك اللعبة والمتغيرات السريعة التي أحاطت بها في حينه.

لكن السؤال الذي يعجز عنه اليوم كبار الاقتصاديين قبل المواطن البسيط في أي دولة يشاهد أوراق العملة في جيبه تنقص قيمتها الشرائية يوما بعد يوم دون ذنب منه أو حتى من اقتصاديي بلده، فهل من بديل؟

مستشار مالي

moc.oohay@fiasnamya