عوضت أسعار النفط بعضاً من خسائرها مستفيدة من أجواء التشاؤم التي سادت أوساط المستهلكين والمتمثلة في فقدان الأمل بزيادة الإنتاج مع اقتراب موعد انعقاد اجتماعات منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في الرياض بعد غد السبت.

وارتفعت أسعار العقود الآجلة للخام الأميركي أمس لتبقى فوق 91 دولارا بعد أن فقدت أكثر من خمسة دولارات في الجلستين السابقتين إذ تنبأ محللون أن تظهر بيانات للحكومة الأميركية اليوم الخميس هبوطا متواصلا لمخزون الولايات المتحدة أكبر مستهلك في العالم.

وفي إحدى مراحل التعاملات الالكترونية لبورصة نيويورك التجارية نايمكس عبر نظام جلوبكس ارتفع سعر عقود النفط الأميركي الخفيف لشهر ديسمبر 25 سنتا إلى 42. 91 دولاراً للبرميل. وكان سعر الخام الأميركي بلغ عند التسوية في نايمكس أول من أمس الثلاثاء 17. 91 دولاراً للبرميل منخفضا 45. 3 دولارات.

وجاء تراجع الأسعار بعد أن سجلت مستوى قياسيا 62. 98 دولاراً منذ أسبوع. وحدث التراجع بعدما أجرت وكالة الطاقة الدولية خفضا حادا لتوقعاتها لنمو الطلب على النفط في الربع الأخير من 2007 والربع الأول من 2008 قائلة إن ارتفاع الأسعار ما يقرب من الثلث منذ منتصف أغسطس يؤدي بالفعل إلى تباطؤ الاستهلاك.

وخفضت وكالة الطاقة الدولية التي تقدم المشورة إلى 26 بلدا صناعيا مستهلكا للنفط توقعاتها لنمو الطلب في الربع الأخير من العام بواقع 570 ألف برميل يوميا وبمقدار 180 ألف برميل يوميا أخرى في الربع الأول من العام المقبل.

وساد تشاؤم في أوساط المستهلكين بعد أن قال وزير النفط السعودي علي النعيمي إن منظمة أوبك لن تعدل سياستها الإنتاجية في اجتماعها المقبل. والاجتماع التالي لأوبك لتحديد السياسة الإنتاجية سيكون في أبوظبي في الخامس من ديسمبر.

وتوقع استطلاع للرأي أن يظهر تقرير المخزون الأسبوعي للحكومة الأميركية هبوط مخزون الخام الأسبوع الماضي 800 ألف برميل في المتوسط وهو ما سيكون رابع هبوط أسبوعي على التوالي. وتنبأ المحللون أيضا بهبوط قدره مئة ألف برميل في مخزون كل من المقطرات والبنزين.

ووسط هذه الأجواء المتشائمة قال الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز إن أسعار النفط ستصل إلى 200 دولار للبرميل إذا شنت الولايات المتحدة هجوما على إيران. لكن شافيز قال انه لا يمكن إلقاء اللوم على المنظمة في الارتفاع القياسي للأسعار رغم ضغوط البلدان المستهلكة لزيادة المعروض من اجل المساعدة في تلبية الطلب وخفض الأسعار.

وأوضح «أعتقد أنه يتعين أن يستقر السعر. أليس هذا صحيحا. نحذر منذ نحو عامين من أن أسعار النفط تتجه إلى 100 دولار». وأضاف أن بلاده ستقترح تغيير نظام تسعير النفط الخام العالمي خلال قمة زعماء أوبك وأصر على أن خام تكساس الوسيط لم يعد مقياسا عالميا مناسبا غير أنه قال إن الاقتراح لن يشمل تحديد نطاق سعري.

وتابع «إحدى الأفكار التي نحملها إلى الاجتماع تتمثل في تغيير طرق قياس سعر النفط. نسبة خام تكساس الوسيط ضئيلة للغاية بالمقارنة مع إنتاج النفط العالمي اليومي، لذا فهو ليس المؤشر الأمثل».

واستمر انخفاض الخام الأميركي عن ذروة 62. 98 دولارا التي سجلها الأسبوع الماضي وتجاوزت خسائره سبعة دولارات للبرميل وسط عمليات بيع شجعت عليها الرغبة في جني الأرباح ومؤشرات على تباطؤ الاقتصاد وبوادر تحرك من منظمة أوبك لتهدئة السوق. وقال لورانس بول محلل الطاقة لدى جلوبال انسايت الاستشارية في لندن «تراجع أسعار النفط ليس مفاجأة.

هناك بعض القلق بشأن الطلب في الولايات المتحدة التي عانت من أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر». ووفقا لأحدث البيانات الحكومية فقد تراجع الطلب على النفط في الولايات المتحدة أكبر مستهلك للخام في العالم 4. 0% عنه قبل عام.

كما تشير أرقام حكومية أولية إلى تراجع واردات الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم إلى أدنى مستوياتها في عشرة أشهر في أكتوبر. وتتواصل مخاوف نقص المعروض، وتوقف جزء كبير من الإمدادات النيجيرية خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب التوترات في مناطق الإنتاج.

وفي أحدث حلقات مسلسل العنف الذي يستهدف المنشآت النفطية قالت متحدثة باسم شركة اكسون موبيل إن الشرطة أجلت عائلات موظفيها من مرفأ التصدير النفطي الرئيسي التابع لها في نيجيريا بعد وقوع هجوم مسلح هناك.

وتشكل الإمدادات الإيرانية أيضاً هاجساً أمام الأسواق والدول المستهلكة على السواء، ويتوقع محللون أن يؤدي أي تصعيد جديد في التوتر القائم بين طهران والغرب إلى توقف جزء كبير من صادرات إيران النفطية. كما تقول طهران إن العقبات التي تضعها الولايات المتحدة أمام الاستثمارات النفطية قد تؤدي إلى نقص كبير في إنتاجها.

وتدور شكوك كبيرة حول إمكانية نجاح مفاوضات تجريها شركات صينية لتطوير حقول إيرانية. وكانت سينوبك جروب الشركة الأم لسينوبك كورب الصينية قد أبرمت اتفاقا مبدئيا مع شركة النفط الإيرانية الوطنية لتطوير حقل يادافاران الذي تشير التقديرات إلى أنه يضم احتياطيات تصل إلى ثلاثة مليارات برميل من النفط وذلك قبل نحو ثلاثة أعوام غير أنها لم تتمكن من بدء العمل.

ومن جانبها بدأت اليابان خفض مشترياتها من النفط الإيراني خشية انقطاع الإمدادات. وتحصل الصين التي يمكنها الاعتراض على فرض المزيد من العقوبات من مجلس الأمن الدولي على نحو 12% من إجمالي صادراتها النفطية من إيران وترغب في شراء المزيد.

وكان مصدر بشركة النفط الوطنية الإيرانية قد قال إن بلاده خفضت أسعار البيع الرسمية للخام تحميل ديسمبر إلى العملاء الآسيويين حيث حددت العلاوة السعرية للخام الإيراني الخفيف على متوسط خامي عمان ودبي عند 70. 1 دولار.

في المقابل رفعت إيران أسعار الخام في ديسمبر إلى حوض المتوسط في نطاق 65 إلى 75 سنتا للبرميل وحددت سعر الخام الإيراني الخفيف بما يقل 05. 3 دولارات عن متوسط السعر المرجح لخام برنت في ديسمبر. كما زادت الأسعار إلى شمال غرب أوروبا بواقع 25. 1 إلى 30. 1 دولار للبرميل حيث تحدد سعر الخام الخفيف بما يقل 70. 1 دولار عن المتوسط المرجح لسعر خام برنت.

معادلة الطاقة وأسعار الصرف

قال محللون في ميريل لينش ان الموضوع المشترك هو طموح أسواق البلدان الناشئة، وعلى الخصوص الصين، التي تدعم نموها الاقتصادي غير العادي بتدابير لا ترتكز على آليات السوق، فالنظام النقدي في الصين والمثبت جزئياً أضرم نمواً اقتصادياً يقوم على التصدير عن طريق الاحتفاظ بعملة منخفضة تحكماً.

فمن خلال تثبيتها لأسعار العملة والسلع، حاولت البلدان الناشئة أن تحافظ على ارتفاع نموها الاقتصادي والحد من تغلغل آثار الصعود بأسعار المواد الأولية في الاقتصاد، فغدا هذا الارتباط الآن يصدّر التضخم إلى العالم من خلال أسعار نفط مرتفعة.

ولما كانت أسعار النفط مثبتة في الداخل وبوسعها أن ترتفع بين 30 و40% لتلتحق بأسعار النفط العالمية تواجه الصين ومختلف حكومات الأسواق الناشئة خيارين واضحين لكبح الطلب على الطاقة هما تبريد الاقتصاد أو زيادة أسعار النفط، فالخيار الأول يرجح أن يأتي بإعادة تقييم اليوان (العملة الصينية) وبذا القضاء على تنافسية التصدير بطريقة مثيرة، أما الخيار الثاني فيمكن أن يحصل من خلال زيادة في التضخم يوجب ارتفاعاً حاداً في معدل الفائدة.

إن القيام بهاتين الخطوتين مجتمعتين يمكن أن يؤدي إلى الخيار الأقل إيلاماً. ومن هناك حصول هبوط اقتصاد عالمي ناعم يبقى ممكناً على افتراض زيادة إمدادات بالنفط تبلغ 5. 1 مليون برميل يومياً في العام المقبل. يضاف إلى ذلك، ولكي يستقر الدولار وأسعار السلع، يقتضي أن تصل أسعار المساكن إلى القاع في القريب وعلى الحكومة الأميركية أن تبقي الإنفاق الحكومي تحت السيطرة.