لم ينفق العالم العربي عباس بن فرناس أكثر من بضعة دراهم ليكسو جسده بالريش قبل 1125 عاما، في أول «مغامرة» بشرية للطيران، وانتهت بعد دقائق بدق عنقه على مرأى من أهالي قرطبة.
لكن بعض رجال الأعمال في الخليج مستعدون اليوم لدفع أكثر من 75 مليون درهم ثمنا للحصول على طائرة خاصة تنقلهم على أجنحة السرعة والخصوصية وتعيدهم إلى مكاتبهم بعنق سليم، بعيدا عن أنظار (الحساد والمنافسين) وقريبا جدا من أعلى درجات الأمن الجوي.ويدفع من لا يملك منهم طائرة خاصة ثمنا يتراوح مابين 7 إلى 12 ألف دولار للرحلة الواحدة.!!
ويتفق المصنعون والمشغلون للطيران الخاص ورجال الأعمال على أن الإمارات أصبحت واحدة من أهم مناطق الاستقطاب للاستثمارات في قطاع الطيران الخاص وخدمات رجال الأعمال، وتسعى إلى إزاحة المملكة العربية السعودية عن (عرش ) الطيران الخاص.
وتشهد المنطقة نمواً هو الأعلى في العالم وسط تأكيدات على انه سيمتد لنحو عشر سنوات قادمة.ويربط هؤلاء أسباب هذه (الثورة) إلى ارتفاع الدخل القومي في المنطقة عموما وفي الخليج على وجه التحديد ما أدى إلى نشوء سوق مطرد النمو بفعل تزايد اعداد رجال الاعمال العرب منهم والأجانب الذين نقل اغلبهم مقار شركاتهم إلى المنطقة أو افتتحوا فيها فروعا للفوز بحصة من (كعكة) النمو الاقتصادي المدعوم بارتفاع أسعار النفط.
خدمات متميزة
وباتت المطارات العربية تتنافس لجذب رجال الاعمال بتوفير خدمات (تلعب على الوتر الحساس) كعامل الزمن الذي يؤرق (أهل البزنس) ويقوم مطار دبي بتوفير خدمة إلكترونية شكلت بالتنسيق مع الحكومة الإلكترونية كخطوة أولية بأمر من ديوان الحاكم.
هذه الخدمة تحديدا وجدت لمساعدة رجال الاعمال بكل التسهيلات الممنوحة لهم و ستمكنهم من القيام بالحجوزات المسبقة لجميع الخدمات مما يجنبهم أي تأخير أو عرقلة في سفرهم عبر دبي.
بعيدا عن القلق
ولم تعد أجواء الحرب أو القلق الأمني المسيطر على المنطقة عامل قلق يعرقل نمو هذه الصناعة ويقول مدير دعم تسويقي في شركة خليجية لخدمات الطيران «ان الحرب على العراق والأزمة الحالية في ذلك البلد ـ على سبيل المثال- لم تؤثر على تباطؤ الاعمال بقطاع شركات الطيران الخاص شارتر في منطقة الخليج والشرق الأوسط بل على العكس ازداد الطلب على هذه الخدمات».
ولفت إلى ان «جزءا من الزيادة الحاصلة في نمو الاقبال على الطيران الخاص جاء لأسباب أمنية حيث يفضل البعض استخدام طائرات خاصة في تنقلاتهم خلال ظروف الحرب». ويجمع المعنيون بهذه الصناعة على أن معدل النمو خلال السنوات الخمس المقبلة سيدور حول 40% في أعمال الطيران الخاص ورجال الأعمال،
وستشهد المنطقة مزيداً من التنافس على حصد حصص من السوق الإقليمي من خلال افتتاح مكاتب لها في دول المنطقة أو عقد شراكات مع شركاء محليين. ويتحدث مراقبون لهذه الصناعة عن وجود نحو 250 طائرة مخصصة للشخصيات الهامة ورجال الاعمال حاليا في الخليج.
يصل سعر الواحدة منها 75 مليون درهم إماراتي. ويقدرون القيمة الإجمالية للطائرات الخاصة في الخليج بنحو 19 مليار درهم ليقفز حجم الاستثمارات في هذه الصناعة إلى 38 مليار درهم إماراتي تمثل قيمة الطائرات الخاصة في المنطقة.
ويلفت المراقبون إلى ان 20% من قيمة الطائرات الخاصة في الخليج تمثل تكلفة «كماليات» يطلبها بعض رجال الاعمال الخليجيين في طائراتهم.ومع ان الشركات المصنعة لهذه النوع من الطائرات (تتفنن) في إغراء رجال الاعمال لشراء تلك الطائرات إلا أنها قد ترفض طلبات تعتبرها (متطرفة) مثلما حصل في معرض للطيران أقيم في الخليج قبل عامين،
عندما اضطرت شركة تصنيع طائرات كندية شهيرة لرفض تلبية طلب أحد الأثرياء بتثبيت رخام إيطالي على أرضية الطائرة بالكامل بما فيها الحمام والمطبخ وتركيب جاكوزي من السيراميك. وعلل المصنعون هذا الرفض بأن الرخام والجاكوزي يزيدان وزن الطائرة ويؤثران في كفاءتها التشغيلية،
وهو السبب نفسه الذي من أجله رفض المصنعون تصميم وإضافة درج كهربائي متصل بالطائرة لثري خليجي آخر!! وشهد ذلك المعرض لوحده إبرام صفقات لشراء طائرات بقيمة 100 مليار درهم (65. 3 مليارات دولار) كانت حصة الطيران الخاص في المقدمة بنسبة 70% من اجمالي حجم الصفقات.
وطبقا للخبراء فإن نسبة نمو الطيران الخاص في المنطقة خلال السنوات الخمس المقبلة يصل إلى 40% ، ما دفع بالعديد من دول المنطقة من إجراء توسعات هامة في مطاراتها أو بناء مطارات جديدة استعدادا لحصد عوائد تصل إلى 500 مليار درهم حتى عام 2020.
ازدهار غير متوقع
ويؤكد الخبراء ان سوق طيران رجال الاعمال والطيران الخاص يسجلان ازدهارا غير مسبوق فاق كل التوقعات إذ يصل حجم الطلبيات المتوقعة من الطائرات الخاصة برجال الاعمال إلى 400 طائرة مجهزة بأحدث وارقي المواصفات حتى 2015 وتصل قيمة تلك الطائرات إلى 30 مليار درهم إماراتي.
وما يعزز الاعتقاد بالمستقبل المشرق لهذه الصناعة ما تبديه المصارف الإقليمية الرئيسية من رغبتها في توفير التمويل للطائرات الخاصة لتعكس مرونة لم تكن موجودة سابقا. ويقدر المعنيون نسبة الزيادة في أسطول دول مجلس التعاون الخليجي من الطائرات الخاصة خلال 2006 بنحو 20% ويؤكدون ان حجم الاستثمارات المتوقعة في هذه الصناعة تصل إلى مليار دولار (68. 3 مليارات درهم) خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ويشير الخبراء إلى ان اقدام السعودية وحدها على تحرير النقل الداخلي يخلق فرصا استثمارية تصل قيمتها إلى 10 مليارات ريال، في حين يتوقع ان يصل حجم سوق الطيران الخاص في المملكة إلى 5. 7 مليارات ريال خلال عامين من الآن. ويتراوح ثمن الرحلة الداخلية الواحدة على متن طائرة خاصة في دولو الخليج إلى ما بين 7 الى 12 الف دولار.
ويقول مدير في شركة أخرى تقدم خدماتها لرجال الاعمال «إن منطقة الشرق الأوسط تعد من أكبر أسواق الطيران الخاص في العالم باستثمارات تتراوح بين 5. 1 إلى ملياري دولار». وأضاف «السعودية وحدها تستحوذ على 85% من حجم هذا السوق باستثمارات تتراوح بين 800- 900مليون دولار أي ما يعادل 37. 3 مليارات ريال تليها مصر وباقي دول التعاون ثم بقية دول الشرق الأوسط».
وأشار إلى أنه لا توجد تقديرات دقيقة لحجم السوق خاصة تقديرات النفقات والتي تشتمل على شراء طائرات وتمويلها وتكاليف مصروفات المطارات وغيرها. لكنه اشار إلى «إن أكبر أسطول لتلك الطائرات موجود في منطقة الخليج العربي والذي يقدر ب300 طائرة مختلفة النوعية منها المروحية الصغيرة والأغلبية من الطائرات الكبيرة بوينج وإيرباص ابتداء بطائرات سعة سبعة ركاب وانتهاء بطائرات سعة 47 راكباً.
وتشارك طائرات الأسطول في التجهيزات الداخلية والتي تشمل أحدث تجهيزات السلامة بالإضافة إلى تجهيزات الخدمات الأخرى كوسائل الاتصالات من الهاتف والفاكس والإنترنت، بالإضافة إلى الخدمات الأخرى حيث يتم توفير فريق عمل متكامل للعميل لتوفير كافة الخدمات منها نوعية الطعام المقدم على الطائرة والجرائد المفضلة للعميل وترتيب كافة مستلزماته الأخرى
مثل الحجز الفندقي والمواصلات بالإضافة إلى ترتيب عشاء عمل أو غداء حسب طلب العميل. وقال «كل طائرة يتم تجهيزها من الداخل حسب طلب العميل حيث يتم توفير غرف للنوم والاجتماعات في الرحلات الطويلة وهناك تصميم للطائرات من الداخل يسمح بتحويلها وتجهيزها حسب طلب العميل كما تشتمل الخدمات إمكانية تحويل اتجاه الطائرة من مدينة إلى أخرى إذا رغب رجل الأعمال في ذلك».
نمو موازٍ
ويقول مسؤول في رويال جت: «تنتظر صناعة الطيران الخاص في المنطقة مستقبلا متناميا بالتوازي مع النمو الاقتصادي الذي تشهده المنطقة، مع توقعات بمضاعفة حجم هذا القطاع ثلاث مرات خلال السنوات العشر المقبلة
وهو ما تعززه طلبات شراء الطائرات من الشركات العاملة في الشرق الأوسط، حيث تتجاوز الطلبيات المتوقعة خلال السنوات العشر المقبلة أكثر من 400 طائرة تضاف إلى 250 طائرة حاليا متخصصة في خدمات رجال الأعمال».
ويضيف «حققت شركة رويال جت في سنوات عمرها المحدودة نموا كبيرا تجاوز كل ما توقعته الدراسات الأولى»، مشيرا إلى أن الشركة نمت بنسبة 40% عما كنا نتوقعه، حيث تمتلك حاليا تسع طائرات مقابل خمس طائرات كنا نستهدفها في هذا الوقت، منوها إلى أن قطاع الطيران في العالم يشهد نموا وتدفقا في الاستثمارات وهو ما سيسهم في تطويره بشكل كبير في السنوات المقبلة».
ويقول مسؤول رفيع في دائرة الطيران المدني في دبي «توضح التقديرات الحالية بأن هناك نحو 250 طائرة خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تشير توقعاتنا إلى أن هذا العدد سيصل إلى 300 طائرة بحلول نهاية العام المقبل. كما تسير منطقة الشرق الأوسط بخطى واسعة نحو تبوؤ مكانة ريادية في هذا القطاع ولتصبح سوقا رئيسيا لطيران رجال الأعمال حيث تشير التوقعات إلى تحقيق نمو بنسبة 22% خلال الأشهر المقبلة».
وأضاف: «الطيران الخاص يشهد نمواً مستمرا وله خصوصية في هذه المنطقة من العالم، مشيرا إلى أن هذا الطلب سيساهم في دفع عجلة المنافسة في قطاع طيران رجال الأعمال المحلي، وستشهد السنوات المقبلة توقيع اتفاقيات تحالف وإقامة مشاريع مشتركة ضخمة».
تحذير
وعلى الجانب الآخر هناك من يحذر مشغلي طيران رجال الأعمال من أن شركات الطيران ستسعى إلى الاستحواذ على حصة من هذا القطاع، ويتوقع أن تتنافس شركات الطيران لتأمين حصة لها في هذا القطاع، ويتوقع أيضاً أن تعمل شركات الطيران على الاستثمار في تطوير وتوفير خدمات فاخرة في خطوة تهدف إلى ضمان ولاء عملائها وتعزيز حصتها من المسافرين من رجال الأعمال.
تمويل إسلامي
ويرى جون ساندويك، عضو مجلس إدارة شركة بحرين ايريكوتيف اير سيرفيس «أن ابتكار البنوك والإسلامية منها بشكل خاص أدوات تمويل مسألة مهمة جدا في المرحلة، كما أن التمويل من خلال الصكوك الإسلامية أحد أهم الأدوات التي نتطلع لتعزيز دورها في تمويل شراء الطائرات الخاصة ورجال الأعمال لتغطية النقص الراهن في هذا المجال إقليميا.
وأشار إلى أن حجم الصكوك الإسلامية حاليا في العالم تجاوز 100 مليار دولار، وبالتالي فان مثل هذا الرقم كفيل بالقيام بدور تمويلي متميز». واضاف «تشير دراسات الشركات المصنعة إلى أن حجم الطلب في المنطقة حتى عام 2020 من الطائرات للشرق الأوسط سينمو بمعدلات كبيرة، كما أن عوائد الطيران الخاص ستصل إلى 131 مليار دولار (482 مليار درهم) بحلول 2020».
ثمن تذكرة الرحلة الخاصة يعادل مرتبات 100 موظف
تبدأ تكلفة الرحلة الواحدة بحد أدنى 7- 12 ألف دولار للرحلات القصيرة والداخلية حيث يتمكن رجال الأعمال من الذهاب والعودة في وقت قصير ومحدد وتزيد التكلفة بالأخذ بعين الاعتبار المواصفات المطلوبة من قبل العميل ومدة الإيجار ويبلغ الحد الأقصى لتكاليف الرحلات 250 ألف دولار (أي ما يعادل مرتبات 100 موظف متوسط رواتبهم 9 آلاف درهم )
والتي عادة ما تكون للرحلات الدولية وهذه التكلفة قابلة للزيادة أو النقصان حيث إن هناك العديد من العوامل المحددة للتكلفة كحجم الطائرة ومدة إيجار الطائرة بالإضافة إلى طلبات العميل حيث يستأجر العديد من العملاء طائرات لقضاء مناسبة معينة في الخارج
وهنا يتم توفير كافة مستلزمات المناسبة المطلوبة وهناك عناية بأدق التفاصيل للعميل حيث يتم تجهيز الطائرة من الداخل بما يتناسب مع شخصية المستأجر من ديكورات وتجهيزات فالبعض يطالب بوجود غرف للنوم وخاصة في الرحلات الطويلة وآخرون يطالبون بغرفة للاجتماع وهذا يرجع لطبيعة الرحلة المستأجرة لأجلها الطائرة.
«التايم شير» يصل إلى الطائرات الخاصة
لم يعد التايم شير حكرا على العقارات فبعض شركات الطيران توفر نظام التمليك الجزئي والذي يتيح لرجل الأعمال امتلاك الطائرة حسب احتياجاته الشخصية حيث يقدر العميل عدد ساعات الطيران التي يحتاجها خلال العام الواحد وعلى هذا الأساس يملك جزءاً من الطائرة والذي يعد بالنسبة له أصلاً ثابتاً له الحق في التصرف فيه ببيعه بعد الرجوع للشركة ويورث فيما بعد،
كما يمكن للعميل الشراء بنظام التمليك الجزئي ودفع القيمة كاملة أو بنظام التقسيط وعادة ما يتم دفع 20% من القيمة كدفعة أولى وتقسيط باقي المبلغ على أقساط ويتم تحديد مواعيد الدفع مع العميل بما يتناسب معه وكذلك تتيح الشركة للعميل الشراء بنظام الإيجار المنتهي بالتمليك والمعمول به في أغلب شركات السيارات.
ويلقى هذا النظام إقبالا كبيرا من قبل رجال الأعمال وأن فكرة التملك الجزئي للطائرة بدأت منذ 15عاما في الولايات المتحدة الأميركية بامتلاك ثلاث طائرات وأصبحت الآن 600 طائرة وانتقلت فكرتها إلى منطقة الشرق الأوسط عام 2000 بواسطة الشركة الوطنية للطيران الخاص.
طائرات بغرف نوم وطاولات بلياردو
لا تألو الشركات المنتجة للطائرات المخصصة للشخصيات المهمة ورجال الأعمال جهداً في مسعاها لتثبيت وجودها عبر اختراق عقول وقلوب المستهلكين وتلبية متطلباتهم في الطائرات التي يرغبون في شرائها، حتى وإن كانت غريبة ومتطرفة في بعض الأحيان .
وإضافة إلى المواصفات والمقاييس التقليدية التي تتشابه كثيراً في الطائرات الخاصة مع اختلاف المنشأ، مثل الحجم والسعة والسرعة واستهلاك الوقود، فإن ما يميز العملاء في منطقة الخليج حرصهم على ان تشبه طائراتهم المنازل التي يسكنون فيها إلى حد بعيد، ويصل بهم الشغف بهذه المركبات الطائرة إلى حد التدخل في كل شيء.
ومن بين الطلبات التقليدية التي يواجه بها صناع الطائرات من قبل العملاء ما يتعلق بألوان الأرضية أو فرش الكراسي وحجم النوافذ التي يفضلها العملاء كبيرة، وأيضاً حجم شاشات التلفزيون الخاصة وألوان أدوات المائدة وغير ذلك، مما يمكن تخيله في المنزل.
غير أن الأمر يصل أحياناً ببعض العملاء إلى حد الطلب من المصنعين العمل على تخصيص مساحة لطاولة بلياردو على متن الطائرة، أو تثبيت غرفة نوم كاملة التأثيث حسب ذوق العميل بالطبع، وطلبات خاصة أخرى من قبيل ستائر النوافذ التي تعمل بأجهزة التحكم عن بعد
دبي ـ مشرق علي حيدر