قدم المخرج السوري عبداللطيف عبدالحميد فيلمه الروائي السابع ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان دمشق السينمائي بعنوان «خارج التغطية «بحضور عدد كبير من الجمهور والنقاد الذين غصت بهم صالة دار الأسد للثقافة والفنون.

ووقف عبد الحميد على الخشبة يجري مكالمة وهمية عبر هاتفه المتحرك تمهيداً لخلق جسر من التواصل الطريف مع فيلمه، ومقدماً في هذه الفسحة أبطال عرضه السينمائي بغياب الممثلة الأردنية صبا مبارك.

فيلم عبدالحميد ينتمي إلى سينما «نسيم الروح» الفيلم الذي قدمه قبل خمس سنوات، الذي سبق وكسر فيه نمط اللهجة المحلية التي اعتمد عليها عبدالحميد لفترة طويلة في أفلامه التي قدمها.

تحكي قصة الفيلم عن عامر وزهير وهما صديقان، يغيب زهير قسراً وظلماً عشر سنوات يمضيها في السجن، بتهمة قد تكون سياسية لا يشير إليها الفيلم صراحة، يهبُ خلالها عامر نفسه ووقته وقوته وحياته لزوجة صديقه الغائب وابنته، ويبدع في تحقيق رغباتهما.

زهير الغائب سيخرج إلى الحياة، وعامر لم يكن يتخيل مثل هذه المواجهة الوحشية بين الخير والشر.. مبارزة كلاسيكية قاتلة بينه وبين شيطانه.. من منهما يقود الآخر؟ هل يأتي زهير فيعود عامر إلى زنزانته الزوجية الميتة.. أم يوصد بكل ما أوتي من شر الباب عليه من حيث هو، كما هو منذ عشرة أعوام؟

الفيلم لا يقدم إجابات جاهزة وسط هذه المعركة، ولكنه يميل بشكل مبطن للتعرض إلى عائلات بعض السجناء الذين يمضون وقتهم طويلاً في مكان لا يعرفون متى يخرجون منه، والحبكة تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك اتهاماً بحق أولئك الذين يلعبون دور السجان على جريمة اجتماعية كبيرة تحدث نتيجة هذا الأمر، وهو ما يترك مجالا للشيطان أن يتحرك ضمن البشر إن جاز لنا أن نقول هذا، أو كما أشار الفيلم إليه.

الأمكنة التي يختارها عبدالحميد للتصوير أمكنة بسيطة لا ادعاء فيها والأشخاص الذين يتحدث عنهم هم ببساطة تلك الأمكنة، لا يجد صعوبة في التعريف بهم بهذه الطريقة، ربما كانوا خارج التغطية حقاً لأنهم يعيشون على هامش الحياة، ولكن لا بد من إضاءة بحقهم،

وهكذا تنتقل كاميرا عبدالحميد في شوارع دمشق تحاول ان تلتقط بعضاً مما يدعم وجهة نظر المخرج فتراه يمسك بنماذج اجتماعية عابرة يقدمها في دقيقة وربما أقل.. ويمضي وراء قصته. ويبدو اختيار العنوان له علاقة مباشرة بالأشخاص الذين هم خارج التغطية في المجتمعات الإنسانية، والذين سيواجهون بمآزق حياتية ستجعل منهم أبطالا في زمن لا علاقة لهم به.

وعلى الرغم من محبة عامر لعائلته وسعيه لأن تكون سعيدة، خاصة علاقته بابنه إلا أنه لا يستطيع أن يتجاهل رسائل قلبه في علاقته بزوجة صديقه، ويحدث ما كان متوقعاً بالنسبة لنا كمشاهدين، يحدث اللقاء الجسدي ويكسر حاجز الصمت،

ويولد حالة من القلق والتعب والإحساس الدائم بالخيانة بين الاثنين في الوقت الذي يعلن عن خروج زهير من السجن وهنا يبرز الشيطان عامر في صورة جديدة مع ضرورة أن يبقى زهير بالسجن

ولكن إلى أي حد يستطيع الشر أن يتغلب على الخير في هذه العلاقة هذا ما لا يستطيع المخرج أن يغلبه من اجل فسحة التفاؤل في العلاقة الإنسانية على الأقل، فيلزم عامر نفسه بالصيغة الجديدة ويخرج من حياة صديقه بعد أن يخسر زوجته حينما تعلن الأخيرة أن لا رغبة لديها بالاستمرار معه.

خطورة الفيلم في خطورة الطرح الفكري له، وفي خطورة الملامح الاستهلاكية التي قد لا يستطيع المجتمع أن ينأى بنفسه عنها. في كل عمل سينمائي يقدمه عبد الحميد يكون بسام كوسا بطله وربما فايز قزق، وفي «خارج التغطية» اختار الثاني على الرغم من ان هذا الخيار قد لا يكون حقيقياً أو فاعلاً في مجرى قصة العمل،

ليس لضعف خبرة قزق ولكن لأنه قد لا يكون في مكانه الصحيح. وهذه وجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ، ولكن خيار صبا مبارك كان في مكانه، وهي تطأ أرض أول فيلم سينمائي سوري بنجاح، وهي تؤدي دور زوجة الصديق، وعموما لا نستطيع ان نتحدث عن خطأ في خيار الممثلين في سينما عبداللطيف عبدالحميد وهو يقدم نجاحات لافتة في هذا الخصوص.

خارج التغطية فيلم لا تستطيع ان تراه بعين واحدة أو موقف واحد وهو يترك المجال لقراءات كثيرة معقدة لا تشبه البساطة التي يقدم فيها، وهذه صيغة يتفرد بها عبداللطيف عبدالحميد عن سواه من المخرجين السوريين في مجمل الأعمال التي يقدمها عبر المؤسسة العامة للسينما.

دمشق ـ جمال آدم