تحل اليوم الذكرى الثانية لغياب المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد، الذي فقدته الساحة السينمائية والإبداعية العربية والعالمية، إثر تفجير انتحاري أودى بحياته وابنته ريما وعدد كبير من الضحايا في أحد فنادق العاصمة الأردنية عمان. في ذكرى مبدع أفلام الهالوين الأميركية، ومخرج «الرسالة» و«عمر المختار»، كثيرون يستعيدون تجربة هذا الفنان العربي،
ولا سيما في المهرجانات السينمائية، التي أطلقت مبادرات تكريمية، وكان آخرها مهرجان دمشق السينمائي الذي اختتم أمس، وقبله مهرجان دبي السينمائي في دورته الثالثة العام الماضي. فيما يلي مقالة تضيء على جوانب مضيئة من مسيرته الشخصية والمهنية:
لم يكن مصطفى العقاد يعتقد أن دراما الحياة التي سيعيشها، والخاتمة المأساوية التي ستصيبه وتصيب ابنته «ريما»، أكثر إفزاعاَ من الفزع، الذي شكله الفن والمخيلة العجيبة في سلسلة أفلام «الهالوين».
ولم تكن الولايات المتحدة قريبة من مصطفى العقاد، ولكنه مضى إليها وكأنها بعض من حلم توق روحه ومخيلته.. لم يمض إليها ليعيش حول تخومها كائناَ لا مكانة له ولا أثر، وإنما حاول أن يقتحم أعتى قلاعها هوليوود.. ويكون لنفسه مكانة وحضوراَ لافتاَ.
تمكن الشاب مصطفى العقاد العربي السوري الحلبي المولود وابن الأسرة العريقة المتوسطة المال، أن يقتحم المكان والزمان ويعبر المحيطات والقارات.. وقد أعانه على ذلك انه درس الثانوية في معهد حلب العلمي.. الذي كان يسمى على أيامه الكلية الأميركية،
وحاز فيه على شهادة (الهاي سكول) «البكالوريا».. عمل والده في الجمارك، وعمل مصطفى العقاد بعد تخرجه من الكلية الأميركية موظفاَ في البنك البريطاني للشرق الأوسط الذي يقع قريباً من قلعة حلب.
هذا الفتى الذي يختزن في إهابه فتوة جيل بأكمله حين تعرف على السينما هذا الفن الجميل المستحدث الذي خلب لبه، ورسم له مصيره ولأنه لا يرضى مكانة وسطاَ لطموحه، فقد قرر أن يذهب بعيداَ إلى أميركا، إلى عاصمة هذا الفن ليقتحم أسراره وأسواره ويخوض غماره، ولم تنفع معه توسلات المحبين من أب وأم وإخوة وبنات جيران متيمات..
وهذا ما حصل.. فلقد مضى مصطفى العقاد بما يحمله من طموح وإرادة وكثافة حضارية هائلة أورثه إياها المكان والزمان ليفض أختام المكان الجديد ويستجلي أسراره ويتمثل أعلى تشكلات حضارته وفنونه وبخاصة الفن السابع..
وهناك في الولايات المتحدة، تمكن من أن يتدرج في هذا الفن ويحقق لنفسه حضوراَ لافتاَ فيه رغم استعصائه على أبناء البلد الأصليين الذين كان غاية طموحهم أن يكون لهم دور عابر فيه وبرغم تشكل الشركات الكبرى وترسانات إنتاج الأفلام مثل: «فوكس» و«ووارنر برزر» و«يونيفرسال» و«كولومبيا».
وتمكن العقاد من أن يلفت أنظار الأميركيين إليه، عندما أخرج سلسلة من الأفلام بعنوان «الهالوين» وهي سلسلة من أفلام الرعب تحاول استكناه مفهوم عيد الهالوين لدى الأميركيين، هذا العيد الذي يرمز إليه باليقطينة المثقوبة على شكل غول أو فزاعة..
وهو من الأعياد التي تختزل المنجز التاريخي المشترك لوثنية الهنود الحمر.. ومسيحية المغامرين الجدد من الأميركيين، هذا العيد الذي يسمى «عيد الساحرات»، وقد كتب عنه آرثر ميلر مسرحيته الشهيرة «ساحرات سالم»، واستطاع العقاد بمعرفته لمقتضيات السوق وطبيعة تشكل أرواح المواطنين الأميركيين ونوازعهم..
أن يطلق هذه السلسلة من الأفلام التي ما لبثت بعد عرض أجزائها الأولى، أن أصبحت في مقدمة الأفلام التي تستقطب شباك التذاكر، وتحقق ريعاَ لافتة.. لأفلام تجارية الطابع لكنها تتشكل عبر أعلى أشكال الفن والإنجاز المؤثر والمثير.
وبذلك لعب من خلال أفلامه التي أنجزها وأبرزها «الرسالة» و«عمر المختار» دوراَ في رسم الطريق لهذه الدراما لتكون لائقة وجميلة كما تبدت على أيدي مخرجين لامعين مثل نجدة أنزور وباسل الخطيب وحاتم علي.. وبذلك لعب مصطفى العقاد وبشكل غير مباشر في استنهاض ليس الروح الوطنية والقومية، فحسب وإنما مجاوزة ذلك لاستنهاض فن الدراما التاريخية العربية عموماَ.
مسيرة فنية شاقة ونهاية مأساوية
كانت رحلة شاقة ومضنية، أمضى معظمها في المغترب الأميركي، واختتمت فصولها بحدث مأساوي ومؤلم حين قضى في تفجير انتحاري أثناء حضوره زفافاً في أحد فنادق العاصمة الأردنية عمان..
وما بين البداية والنهاية سطر المخرج السوري والعالمي الراحل مصطفى العقاد شهرته العالمية، ومنح السينما العالمية فيلمي «الرسالة» و«عمر المختار»، وهما أبرز ما أنتج في سبيل إيصال وجهة نظر العرب، وإيضاح مدى سماحة الإسلام، وتفسير ماهية الدين الحنيف للغرب بطريقة حضارية راقية.
العقاد ابن مدينة حلب السورية ولد عام1935، ودرس فيها المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وفي الثامنة عشرة من عمره قرر أن يدرس الإخراج، ولم يجد والده غير الرضوخ لرغبته، رغم أنه كان فقيرا، لكنه استطاع أن يوفر له 200 دولار هي كل مدخراته.
ولم ينف العقاد أن اسمه العربي كان عائقاً أمام تقدمه، لكن روح المقاتل التي كان يتحلى بها والتحدي الذي جعله يقطع كل هذه الأميال، بحثاً عن حلمه جعلاه يتواصل مع طموحاته، ولم يكن الطريق سهلاً أمامه، فهوليوود في ذلك الوقت تعج باليهود المسيطرين على صناعة السينما،
لكنه استطاع أن يفرض حرفيته وأخلاقياته على العاملين معه في مركز صناعة السينما الأميركية، متخلصاً من أي أعباء قد تعوق طريقه الذي رسمه لنفسه وسط هذه الأهوال والتحديات، وقد قال في أحد حواراته: «في حلب كنت أضحوكتهم ونصحوني: «احلم على قدك»، وفي أميركا أدركت أنني كعربي ومسلم لا ينقصني شيء..».
كان العقاد نموذجاً متفتحاً ومستنيراً، وكان يرى أن التطرف هو عين الجهل، وأكد للذين حاولوا تكفيره بناء على فكرة علاقته بالسينما، أن مخترع التصوير كان مسلماً وهو الحسن بن الهيثم. وأكد أن الاحترام الذي حققه في مجال صناعة السينما، يعود لتمكنه من حرفته ولغته وأدواته السينمائية، ما جعل معظم استديوهات الإنتاج السينمائي تتسابق للتعاون معه، بما في ذلك «يونيفرسال» التي تعاونت معه على إنتاج أفلام «هالوين».
كان في جعبة العقاد قبل أن يخطفه الموت، العديد من المشروعات السينمائية لعل أبرزها فيلم عن حياة القائد صلاح الدين الأيوبي الذي كان يبحث عن جهة تمده بتمويل هذا المشروع، كما انه كان يعد فيلماً عن «صبيحة الأندلسية» المرأة التي حكمت الأندلس، وهناك أيضاً فيلم آخر يروي قصة ملك من ملوك انجلترا.
إعداد ـ نائل العالم

