رصد تقرير ل«ميريل لينش» صدر أمس آثار القرار الذي اتخذه مجلس الاحتياط الاتحادي (المصرف المركزي الأميركي) بتخفيض الفائدة، وأشار التقرير إلى أن وضع دول مجلس التعاون الخليجي في حيرة حاليا وهي توازن بين العملة والهدف التضخمي.

وتناول تكلفة ارتباط العملة مع الأهداف المتعارضة والقوى الكامنة وراء التغيرات المتوقعة في المنطقة. وقال التقرير ان المضاربة المتزايدة التي أحاطت بارتباط عملات دول التعاون الخليجي بالدولار قد ارتفعت عندما خفض الاحتياط الاتحادي معدل الفائدة بما مجموعه 75 نقطة أساس في الشهرين الماضيين. ونشأ ذلك لأن للمصرف المركزي هدفاً نقدياً وليس هدفاً يتصل بالفائدة.

فعندما تكون هناك عملة مرتبطة يصبح من الضروري أن تتبنى سياسة البلد النقدية التي ترتبط العملة بها وهي في هذه الحالة الولايات المتحدة. وإن النقطة الأساسية الآن هي أن اقتصاد الولايات المتحدة آخذ بالضعف عن طريق صدمات داخلية منها ارتفاع أسعار النفط وهذه أسوأ حالة يمكن ان يكون فيها اتحاد نقدي أو نقد مرتبط.

ان هذا الأمر يصبح مشكلة إذا كان المصرف المركزي في الدرجة الأولى يهمه التضخم، وثانياً إذا كان التضخم يتجه للارتفاع. فالتضخم في دول التعاون الخليجي آخذ في الارتفاع، يدفع به الدولار الضعيف والتضخم الداخلي الناجم عن صعود أسعار الغذاء والسكن.

والسؤال الأصعب الذي يرتسم في الأفق هو مدى اهتمام المصرف المركزي بالتضخم. فإذا سلّمنا ان وظيفة المصرف المركزي هي المحافظة على استقرار العملة أكثر من اهتمامه باستقرار الأسعار يكون التضخم غير مهم.

بيد ان ردّ فعل بعض المصارف المركزية في دول التعاون الخليجي عقب تخفيض الاحتياط الاتحادي لمعدل الفائدة 50 نقطة أساس في 18 (سبتمبر) يوحي بأن هناك اهتماماً إزاء ارتفاع الضغوط التضخمية في الداخل.

فالسعودية لم تجار أول خفض بالفائدة وكذلك البحرين وعُمان، بينما الإمارات العربية المتحدة خفضت الفائدة بمعدل 15 نقطة أساس. لكن كل تلك البلدان، ما عدا عُمان، جارت الاحتياط الاتحادي إثر تخفيضه الفائدة 25 نقطة أساس في 31 أكتوبر، مع أن السعودية اتخذت إجراءات من أجل تخفيف الأثر التوسعي على الاقتصاد الداخلي.

هناك أيضاً رغبة في السيطرة على التضخم في سياق التزام دول التعاون الخليجي بإنشاء اتحاد نقدي. فمجلس التعاون راح يسعى إلى إنشاء مقاييس تلاق، بما في ذلك التضخم، للوصول إلى نقد مشترك. لكن هذا الأمر، لم يتهيأ حتى الآن، فالأرضية المشتركة يصعب التوصل إليها كلما ارتفعت معدلات التضخم.

ان خطة الاتحاد النقدي موضوعة لِتُنَفَّذ في العام 2010، ويبدو أن هذا التاريخ صعب التحقيق. ويقوم البرنامج على الارتباط بالدولار الأميركي، ولكن هذا ليس مؤكداً وان الارتباط بسلة من العملات يبقى خياراً محتملاً. قد يؤدي التضخم إلى تصاعد الاستنكار الشعبي الذي كان أحد العوامل وراء إضرابات عمال البناء في دبي لأن الأجور لم تجارِ تكاليف المعيشة.

وأكد التقرير ان محاولة السيطرة على التضخم من خلال السياسة النقدية وفي الوقت نفسه المحافظة على الاستقرار النقدي لا يمكن الذود عنها في المدى الطويل. وهذا صعب خاصة إذا كان هناك باب مفتوح للرساميل القوية نسبياً وكانت الأموال تستطيع ان تتحرك بحرية إلى داخل الاقتصاد وخارجه. فإذا كانت معدلات الفائدة عالية في البلد المرتبط، تتدفق الأموال المضاربة في محاولة للشراء في بلد والبيع في البلد الآخر.

وقد أخذ أعضاء بلدان مجلس التعاون مبدئياً معدل الفائدة على الأموال الفدرالية كمرجع رسمي. وكانت هناك فترات تحصل فيها فروقات غالباً في صالح الولايات المتحدة. ويستطيع المصرف المركزي ان يتدخل للحيلولة دون ارتفاع العملة في حال حصول تدفقات إلى الداخل. لكن هذا يؤدي إلى ارتفاع بالاحتياط.

هناك قبول في الوقت الحاضر أن يستمر أعضاء مجلس التعاون في تكديس الاحتياطي بمعدل سريع كمُنْتَج ثانوي للتدخل النقدي. غير ان الارتفاع بالاحتياط ليس دون تكلفة. فالتدخل للحيلولة دون المضاربة خطر على الاقتصاد وليس بالإمكان الحصول على تحييد تام من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التضخم. فالارتفاع في إصدار السندات يخلق أيضاً تحريفات في المجالات الاقتصادية.

ان اعتماد المنطقة على مداخيل النفط المسعّر بالدولار يدعم الحجة التي تقول بالمحافظة على الارتباط بالعملة الأميركية. فقد وفّر الارتباط حتى الآن استقراراً خارجياً وصدقية في مجالات السياسة النقدية. غير انه كلما ازداد التنويع بالاقتصاد تناقص الدعم. ان الخوض في أسواق الأسهم كسياسة تنويعية يضع ضغطاً إضافياً على نظام الارتباط.

ان أسعار العملات في المنطقة تتداول بين 24% و73% تحت قيمتها بفعل التكديس في فوائض التوفير، فالأكلاف المقترنة بالضغوط التضخمية المتزايدة والاحتياطات المرتفعة والتحييد غير الكامل تزيد الضغط لاعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة.

وفي اعتقادنا ان عملتي الإمارات وقطر مرشحتان في السياق القصير لإعادة التقييم أو الارتباط بسلّة من العملات. أما عملة الكويت فتستمر بالارتفاع إزاء الدولار وتوفر دليلاً تستهدي به المنطقة، بينما المضاربة في السعودية ستبقى أمراً له أهميته.

لندن ـ «البيان»