يتسّم المخرج اللبناني إيلي خليفة بالصفاء ويحرص على وقار بعيد عن التكلّف. يأتي سلوكه على الخط المعاكس لأسطورة المخرج «قائد الاوركسترا» الذي يكاد يصاب بنوبات قلبية على موقع التصوير.

خليفة هادئ وهزلي في طباعه، لكنه حافل دوماً بالمستجد والمثير. ما أحوجنا في هذه البلاد إلى الطرافة والضحك، وكذلك في حياتنا وفي (سينمانا). أدرك خليفة هذا الواقع في بداية عمله في مجال الأفلام القصيرة، منذ «تاكسي سرفيس» و«ميرسي ناتيكس»، وحاول الهزأ بالمآسي التي عالجها بعضهم بالكثير من الادعاء والتكبّر الفارغ. أسلوبه الشفاف والرشيق يعود مجدداً في آخر انتاجاته، «يا نوسك»، النابع من نظرة لاذعة ونقدية لطبقة من الناس البسطاء يتدبرون أمرهم، كيفما اتفق في أجواء عبثية تثير الضحك والشفقة في آن معاً. وإلى نص الحوار مع المخرج ايلي خليفة:

ـ حبكة فيلمك الجديد «يا نوسك» بسيطة، على معهودك؟

ـ تتمحور الحبكة على مغامرات شاب سويسري يقرر الاستقرار في لبنان وفتح محل للبيتزا. أفلام أوروبية كثيرة تطرّقت إلى المشكلات التي يتعرض لها لبنانيون في فرنسا أو أتراك في ألمانيا، لذا أريد عكس المرآة، لإظهار ما قد يعانيه أوروبي أثناء اقامته في بيروت. اخترت ان يكون هذا الأوروبي سويسرياً لأنه يجسّد نقيض الشخصية اللبنانية.

ـ بات معروفاً عنك أنك تعالج المآسي اللبنانية على الطريقة الإيطالية. هل هذا يعني أنه بإمكاننا منذ الآن الحديث عن بصمة، كون الأفلام الثلاثة التي أخرجتها تأتي كلها في المزاج عينه؟

ـ تأثرت كثيراً بالأفلام الايطالية التي أنتجت في السبعينات من القرن الفائت. عندما درست السينما في المعهد، شاهدت هذه الأفلام كلها. أشعر أن لبنان ما بعد الحرب مثل ايطاليا ما بعد الحرب. أنا ميّال إلى هذا النوع من الأفلام الذي يتطرق إلى مشكلة اجتماعية، وتبنى عليه قصة طريفة بأسلوب ساخر.

ـ أنت تفضّل أن تسخر من المأساة بدلاً من أن تبكي عليها؟

ـ ليس التحدي في تحويل أمور جدية مهزلة بالأمر السهل. دائماً أستوحي أفكاري من مشاهدات يومية قد تكون عادية أو بلا قيمة. اي انها لا تهمّ الآخرين، اقلّه لا يستخدمونها لتحويلها أفلاما. مثلاً: مشهد على الاوتوستراد ألهمني فكرة «فان إكسبريس». رأيت فتاة مثيرة على الرصيف تنتظر سيارة تقلّها، ثم لفتتني سيارة «فان» في الشارع.

بسرعة ألّفت السيناريو في رأسي، و«ركّبت» الفيلم. في حين آتتني فكرة «مرسي ناتيكس» عندما تعرفت إلى عائلة في قرية لبنانية كانت تشاهد مسلسلاً مكسيكياً على التلفزيون، ولم تكن مهتمة الا بما تشاهده. أما «تاكسي سرفيس»، فأطلقت عنان مخيلتي بعدما قرأت بضعة أسطر في الجريدة عن رجل اتهم بالجنون. بهذه السهولة تأتيني الأفكار. يكفي ان أنظر من حولي.

ـ العبثية كلمة السرّ إلى أفلامك الثلاثة. ولم تكن الظروف التي دار فيها تصوير «يا نوسك» أقل عبثية من الحوادث التي يحلو لك تصويرها؟

ـ في الواقع، الوعكة الصحية التي تعرض لها والدي، جعلتني في وضع لا أحسد عليه، اذ لم أعد أعرف ماذا أفعل: كنت تائهاً بين الواجب الإنساني من ناحية، والالتزام المهني من ناحية أخرى. كنت أصور فيلماً كوميديا، لكن كل ما يحيط بي كان تراجيدياً، لكنني تصالحت مع الوضع وتخطيت الأزمة.

ـ من الواضح أنك لا تعيد الكرّة كثيراً. يبدو أن كلّ شيء جرى في سهولة تامة أثناء التصوير؟

ـ هذه السهولة في العمل نتيجة إنني أنجزت 80 في المئة من الفيلم قبل أول ضربة «مانيفيل». الاختيار الموفق للممثلين ساعدني أيضاً في ان أرتاح على «البلاتوه»، فشعرت أنني ضمن عائلة صغيرة تتألف من نحو 12 تقنياً وفنياً، والعدد ذاته من الممثلين الذين جال بعضهم في مخيلتي حين كنت أؤلف السيناريو، فاخترتهم على من دون تمحيص، والبعض الآخر صادفته أثناء التصوير.

نصيحتي الوحيدة لهؤلاء كانت: السيناريو الذي بين أيديكم ليس منزلاً من السماء. ما من مشكلة اذا نسيتم جملة او كلمة. المهم ان تمنحوا المشهد المعنى الذي يرمز اليه. في المقابل، كان اختيار الممثل الألماني سيغفريد تيربورتن، أكثر تعقيداً: كنت ابحث عن ممثل أوروبي في سويسرا. شاهدت نحو 60 فيلماً بالإيقاع السريع. لفتني ممثلان اثنان، أحدهما لم يرغب في المجازفة لأن السيناريو لم يكن جاهزاً، أما سيغفريد فكان متجاوباً معنا.

«لا أعرف شيئاً عنك، لكني أعدك بأني سأكون في بيروت في شهر مارس 2006»، قال لي في لقائنا الأول. لاحقاً أرسلتُ اليه أفلامي ونسخة من السيناريو الذي منحني في خصوصه بعض النصائح. هكذا، تقربنا أحدنا من الآخر. اللافت أنه لا يعرف شيئاً عن الشرق الأوسط ولا عن البلدان العربية، في حين أنني أعمل على مسألة الحوار بين الثقافات لا التصارع في ما بينها.

كان يهمّني ممثل يدهشه ما يراه. في اعتقادي، أنه حين وصل الى بيروت، كان ثمة شيء في باله، لكنه اكتشف شيئاً آخر. قد يكون انعكس هذا الجانب من سلوكه على الفيلم. سيغفريد شخص ميّال الى الانفتاح. اخترته لأن فيه شيئاً من تيرنس هيل، ومظهره الخارجي يليق للكوميديا.

ـ لماذا خلال كل السنوات التي خلت، تأخرت عن تقديم فيلمك الطويل الأول.. هل لكثرة اشتغالك على أفلام لمخرجين آخرين؟

ـ سبق أن عملت معاوناً لبرهان علوية في فيلمه الأخير الذي لم يصدر بعد، وفي فيلم دانيال عربيد، «معارك حب»، كنت المنتج المنفذ اللبناني، أما في فيلم جان شمعون وميشال كمون الأخير «فلافل»، فكنت مصوّر بلاتو، أحب مساعدة أصدقائي المخرجين في أفلامهم، لأنني، بكل بساطة، أحب السينما. اكتسب منهم أشياء كثيرة. جميلٌ الشعور ان تكون مشاركاً في عمل لمخرج آخر من دون أن تكون متورطاً فيه تماماً.

ثم الأفلام التي ارغب في انجازها لا تتلقى دوماً دعم الخارج الذي يميل الى أفلامنا عن الحرب الأهلية. فهم، من زاويتهم، يتطلعون الينا من هذا المنظار. كثر في الغرب سيُصدمون عندما يشاهدون «يا نوسك». أردت صورة على نقيض ما نراه على الـ «أورونيوز»، مع العلم ان الصورتين موجودتان في الواقع.

ـ لم تصوّر فيلمك بال35 ملم انما بالديجيتال. لماذا هذا الخيار؟

ـ لأسباب لها علاقة بالموازنة الضئيلة جداً، رغم أننا تلقينا دعماً من وزارة الثقافة، اذ حرّك الوزير طارق متري المساعدة التي كنا موعودين بها منذ عام 2003. عندما تصور فيلماً في عشرين يوماً، ليس كما لو كنت تصوره بثلاثة اشهر. لكي ارتاح، كان يجب أن أحظى بشهرين لإتمامه. لا يعني ذلك أنني انجزت عمل شهرين بـ 20 يوماً، لكني ضحيت بأمور كثيرة في السيناريو، الذي غيّرته كلياً أثناء التصوير، جراء الأخذ والرد بيني وبين الممثلين.

قبل ان أفكر بمنطق انجاز فيلم لبناني جيد، أرغب بعمل لائق فحسب. ليس هدفي ان أقتفي خطى تاركوفسكي، ولا أن أحدث ثورة في عالم السينما، إنما إضحاك الناس وتسليتهم.

بيروت ـ هوفيك حبشيان