يبدو أن وتيرة استعدادات الدول العربية بدأت منذ الآن لعقد قمة اقتصادية عربية تكون مخصصة لمناقشة وبحث القضايا والموضوعات المتعلقة بالجوانب الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.

ومن المقرر عقد القمة الاقتصادية العربية المرتقبة في دولة الكويت أواخر العام المقبل. وعقد في مطلع الشهر الماضي في مقر الجامعة العربية اجتماع تحضيري للقمة الاقتصادية العربية ذكرت الأنباء أنه تم خلالها استعراض نحو 200 مشروع اقتصادي واجتماعي وتنموي مقدمة من مختلف الدول العربية إلى الجامعة العربية. كما ذكر أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي على مستوى وزراء المال والاقتصاد العرب سيعقد دورة استثنائية له خلال الفترة القريبة المقبلة لبحث المشروعات المقدمة من الدول العربية.

وقد سبق لنا قبل أسابيع عديدة أن تطرقنا في مقالة لنا حول التشابك بين التكامل الاقتصادي العربي من جهة والإصلاحات الاقتصادية من جهة أخرى، ونعود اليوم مرة أخرى لنركز بشكل أكبر على الجانب الثاني، حيث تزداد أهميته بل وأولويته في نجاح أي تكامل اقتصادي ولكي لا تذهب القرارات المتعلقة بـ 200 مشروع اقتصادي واجتماعي أدراج الرياح على فرض تمكن القمة من إقرارها.

كما استذكرنا في بداية مقالنا ذاك التصريح اللافت الذي أدلى به وزير الدولة لشؤون المال والصناعة الإماراتي رئيس الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية السيد محمد خلفان بن خرباش بعد اجتماع هذه الهيئات في بيروت والذي أكد فيه أن الاختلالات لا تزال تتزايد في الاقتصادات العربية، على الرغم مما سجلته من تحسن في أدائها تعكسه معدلات نمو الناتج.

وهذا يتطلب بدوره وضع خطط لاستقرار الاقتصاد الكلي ومتابعة تنفيذ سياسات الإصلاح الطويلة الأجل وتطبيق السياسات الداعمة للنمو. وأضاف خرباش أن الدول العربية لم تستفد من فرص تحسين معدلات النمو والأداء الاقتصادي في الشكل المطلوب، في ظل ما تعانيه المنطقة من اضطرابات سياسية تؤثر في قدرة اقتصاداتها على جذب مزيد من الاستثمارات وتوظيفها.

لقد انتهج العديد من البلدان العربية في السنوات الماضية سياسات اقتصادية تتجاوب في ذلك مع المتغيرات الدولية والإقليمية سعيا وراء انفتاح اقتصادها وتطوير إمكاناتها على أسس من الكفاءة من خلال إعادة تنظيم دور القطاع العام الذي أصبح له جانب كبير من الاستثمارات والتعامل التجاري مع الخارج مما تسبب في حدوث اختلالات فاضحة من توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة وغياب الاحتكام إلى عوامل السوق من اتخاذ القرارات الاقتصادية علماً أن التنمية الاقتصادية انطلقت في غالبيتها عبر جهود القطاع العام، رغبة من الحكومات في مسارعة هذه التنمية والتخفيف من الاعتماد على الخارج، وتحسين مستوى المعيشة بإيجاد فرص للعمل وتأمين توزيع أفضل للدخل القومي.

إن اعتماد الدول العربية على القطاع العام مترتب عليه قيام قطاع صناعي يرتكز على استبدال الواردات بالإنتاج الصناعي المحلي وتوفير اكبر قدر ممكن من دواخل الإنتاج الصناعي من مصادر محلية خصوصا القطاع الزراعي مثل الصناعات الغذائية والمنسوجات القطنية منبهة أن القطاع الزراعي عانى في الدول العربية من بعض الإهمال والتراجع عكسته الفجوة الغذائية، فضلا عن إخضاع القطاع التجاري الخارجي لسيطرة القطاع العام عبر الشركات والمؤسسات التي أنشأتها الدولة ونتيجة لانحسار دور القطاع الخاص، مما تسبب في حرمان النشاط الاقتصادي من قدرات مالية وإدارية لا يستهان بها نزحت جميعها للخارج.

إن اتباع الدول العربية لسياسات الإصلاح الاقتصادي والخصخصة فرضتها عوامل البيئة الاقتصادية العالمية وعوامل محلية مثل شروط التبادل التجاري بالنسبة للبلاد العربية وغيرها التي ما زالت في طور النمو، واتجهت لصالح الدول الصناعية مما تسبب في خلل موازين مدفوعات الدول النامية.

وتزامن هذا مع اتباع سياسات مماشية للدول الصناعية مما قلل من إمكانات التصدير إليها، وتداخلها مع مشكلة المديونية الخارجية للدول العربية، وارتفاع أسعار الفائدة عالميا، فضلا عن سقوط الاتحاد السوفييتي والاتجاه لنظام السوق، والاتجاه للعولمة «الجات» وبروز القطاع الخاص كمحور رئيسي لتفعيل النشاط الاقتصادي والقيام بدور فاعل في عملية التنمية الاقتصادية.

إن الدول العربية التي اتبعت ذلك مثل الأردن والجزائر وتونس والمغرب ومصر والسودان واليمن وموريتانيا أصبح لديها أثار اجتماعية سلبية نتجت عن الخصخصة رغم صعوبة تقويم الآثار الاقتصادية خصوصا في المدى القصير إلا أنها ايجابية في المدى البعيد وهو ما يدلل لماذا طبقت خطوات الإصلاح.

وتعتبر التكلفة الاجتماعية نتيجة الانكماش الاقتصادي في مقدمة تلك الآثار التي تقع عادة مع بدء التنفيذ ويؤدي لزيادة التعطل عن العمل أو البطالة، وخفض دخول الفرد وخفض الإنفاق الاستهلاكي، ومعدلات التوفير، والاستثمار والإنتاج ويستمر ذلك لفترة يقضي عليها زيادة الاستثمار سواء من مصادر محلية أو خارجية.

وتتسبب برامج الإصلاح الاقتصادي كذلك في خفض الدعم للسلع الاستهلاكية، وتدني الدخل الحقيقي، والاستغناء عن بعض العاملين في المؤسسات وخفض الإنفاق في النواحي الاجتماعية من قبل الدول مثل الصحة والتعليم والنقل وغيرها. إلا أن اخطر تلك الآثار تكمن في زيادة البطالة، رغم أن الشعوب العربية (فتية) إذ إن حوالي 45% من السكان تبلغ أعمارهم 14 سنة أو اقل فضلا عن أن البطالة تزيد بين الفئات التي نالت قسطا من التعليم مما يثير مشاكل اجتماعية، ويتزامن مع هذا بروز ظاهرة الفقر لاعتبارات بعضها اقتصادي وبعضها يتعلق بالتنظيم الاجتماعي.

وفي مواجهة هذه الأوضاع قامت الدول العربية المعنية بالإصلاح بجهود تحسين أوضاع الفئات الفقيرة واستحداث برامج وآليات جديدة للحد من الآثار السلبية شملت إصلاح النظام الضرائبي وتعديله بما يؤمن العدالة في توزيع الأعباء الضريبية، وإقامة صناديق لتوفير الخدمات الاجتماعية.

وتقديم المعونات والمساعدات النقدية، والعينية لهذه الفئات، مع العمل على تركيز الخدمات، وتوجيهها للمستحقين فعلا كما عملت الحكومات على إعادة تدريب وتأهيل العاملين المستغنى عنهم، وتشجيع المشاريع الصغيرة لخلق فرص عمل جديدة خصوصا تلك المشاريع التي تمول من قبل أصحابها، وترشيد الإنفاق الحكومي، وزيادة النفقات العامة على الخدمات الاجتماعية وتعادل في المتوسط ما بين 10 إلى 14% من النفقات العامة الإجمالية ويتضمن الإنفاق التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والدراسي، والتقاعد.

ونظام دعم الأسعار للمستهلك، وتعويض العائلات ذات الدخول المتدنية نتيجة لارتفاع الأسعار مع تحرير التجارة وتخفيض الدعم للسلع الغذائية فضلا عن إدخال مرونة في مجال التوظيف، وإنشاء برامج لتدريب الشباب ومساعدتهم على اكتساب الخبرات الأساسية وتشجيعهم على إنشاء أعمالهم الخاصة وإقامة صناديق للتأمين ضد البطالة.

ومع ذلك فلا يمكن الزعم أن الدول العربية لديها حتى الآن برامج شاملة للإصلاح الاقتصادي، وهي مترددة بالفعل في تنفيذ هذه البرامج كونها سيكون لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية شاملة، فهي أولاً ستقلص نفوذ الحكومات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وسيطرتها الاقتصادية مما يتوجب معه تقليص التفرد بالقرار السياسي أيضا وإفساح المجال أما المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية. كما أن الحكومات متخوفة من ردود الفعل الاجتماعية إزاء موضوعات مثل فرض الضرائب أو تخصيص الخدمات العامة الأساسية مثل الكهرباء والماء وغيرها.

كما أن تقلبات أسعار النفط لا تضفي استقرارا على برامج التنمية المزمع تنفيذها، وبالتالي الحد من القدرة على ضمان الاستمرارية في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي التي تعتمد أساسا على استقرار السياسات الاقتصادية وديمومتها.

إن على الدول العربية اتباع استراتيجية متكاملة للتنمية الاقتصادية تراعي النواحي الاجتماعية والسكانية والبيئية وتعطيها أهمية توازي الأهمية المعطاة للنمو الاقتصادي.

كما أن محاربة الفقر يجب أن تكون مسؤولية تضامنية بين المؤسسات العامة والخاصة والتطوعية لا يمكن لأي منها التصدي لها منفردة وأن تكون استراتيجية مرنة وشاملة تطبق على مختلف المناطق الريفية والحضرية، وان تنصب الجهود على تحقيق التوازن بين السكان والموارد.

اعتماد تسعيرة للخدمات الحكومية في مجالس الصحة والتعليم تغطي جزءا من تكاليفها، فضلا عن الحد من الدعم الحكومي الشامل للسلع وتقليصه تدريجيا بما يكفل استرداد تكلفته الاقتصادية في مقابل إعادة توجيه الدعم مباشرة نحو الفئات المستحقة له بالفعل.