يحمل أحد تجار الشنطة العديد من الاحتياجات الشخصية التي يبيعها من خلال جولات عدة على عملائه، حيث يوفر لهم أقلاما وساعات وجلديات وعددا من الأشياء التكميلية للرجال والنساء وهي من السلع المقلدة لماركات عالمية من بعض الدول الأوروبية بشكل خاص.

ويلاحظ أن الإقبال على هذه الماركات «المقلدة» والتي تباع بسعر يقل أحياناً عن سعر الماركة الأصلية بنسب عالية تصل أحيانا إلى أربعة أضعاف أصبح أكثر من مطلع العام الماضي من فئات لديها قدرة مادية جيدة، وأضاف أن البعض قد يخجل من أن يشتري السلع المقلدة أمام أصدقائه أو معارفه لكن ما يلبث البعض أن يتصل بي للحضور له في منزله أو موقع عمله حتى يشتري من سلع الماركات المقلدة دون أن يعرف المقربين منه، بل ومنهم من يريد أن يشتري هذه السلعة بأقل سعر ممكن.

وعلى الرغم من الجهود الكبيرة، التي تبذلها الحكومة في سبيل ضمان خلو الأسواق من هذا النوع من السلع، إلا أن أسواقنا المحلية، وللأسف الشديد، لا تزال تعج بالغث والسمين، وهناك العديد من الممارسات والتجاوزات الخاطئة في الأسواق وخاصة في أسواق دبي، المرتبطة ببيع سلع مقلدة ومغشوشة في وضح النهار دون رقيب أو حسيب، بقيادة وسيطرة العمالة الأجنبية.

ومعظم السلع التي تباع في السوق، يأتي معظمها من الصين، اليابان، ماليزيا، والهند، وأن الأسعار تختلف بحسب الجودة والعلامة. مشكلة انتشار ظاهرة السلع المغشوشة والمقلدة في بلادنا، سببها في المقام الأول ضعف التجهيزات البشرية والتقنية المتوافرة في أجهزة الرقابة في الدولة المعنية بالقيام بمهمة الرقابة الحثيثة على كل ما يباع في الأسواق من سلع وما يقدم فيها من خدمات، للتأكد من خلوها تماماً من الغش والتقليد التجاري، لاسيما في ضوء الانتشار والنمو الكبيرين في حجم المبيعات وتزايد أعداد المجمعات التجارية.

ومن بين العوامل المحفزة على انتشار ظاهرة السلع المقلدة والمغشوشة في بلادنا، تفشي ظاهرة التستر التجاري في عدد كبير من الأسواق المحلية، إذ يعمل عدد كبير من الوافدين بالاتجار في السلع والخدمات باسم الإماراتيين، فضلا على انتشار العمالة السائبة في الأسواق ـ طبعا معظمهم من المخالفين لقوانين الإقامة والعمل ـ التي تسرح وتمرح دون رقيب أو حسيب، على الرغم من جهود الدولة، التي لم تقف مكتوفة الأيدي بتسييرها الحملات الأمنية المختلفة.

إلا أن ذلك لا يمنع من وجود مخالفات أمنية واضحة كالاتجار بالصور والأفلام والألعاب الإلكترونية وبرامج الكمبيوتر ناهيك عن الجلديات والملابس والإكسسوارات والساعات والعطورات المقلدة فضلا عن غلاء السلع الأصلية من بين العوامل أيضاً التي ساعدت على انتشار ظاهرة السلع المقلدة والمغشوشة في الأسواق المحلية، أن ذلك النوع من السلع يشهد قبولاً ورواجاً بين أغلبية الناس بسبب رخص الأسعار، وبالذات من قبل شرائح كبيرة من ذوي الدخل المحدود، الذين يجدون صعوبة بالغة في شراء السلع الأصلية أو العلامات المعروفة، بسبب ارتفاع أسعارها.

كما أن الارتفاع الأخير الملحوظ في أسعار السلع والخدمات بسبب الضغوط التضخمية، أسهم بشكل كبير في ارتفاع الأسعار، مما ضاعف من رغبة ذوي الدخول المحدودة للتوجه نحو شراء السلع الرخيصة، بصرف النظر عن الجودة والنوعية، طالما أن أسعارها تتناسب مع مستوى دخولهم.

وبطبيعة الحال فإن إقبال ذوي الدخول المحدودة على شراء السلع المقلدة أسهم بشكل كبير في المضاعفة من جشع عدد كبير من التجار، الذين يحققون من وراء بيع مثل ذلك النوع من السلع مكاسب وعوائد وأرباحاً كبيرة للغايةً، دون النظر إلى العواقب والسلبيات الوخيمة، التي تخلفها السلع المغشوشة أو المقلدة على المستهلك، التي أحياناً تتعدى التأثيرات الاقتصادية لتطول تأثيرات سلبية في الصحة وحياة الإنسان، كما أن ضعف الأحكام والعقوبات، التي تطبق في حق التجار المخالفين، أسهم إلى حد كبير في تمادي المتورطين في الغش والتقليد التجاري.

وهذه الظاهرة دفعت الشركات العالمية ذات الماركات المشهورة والأكثر تعرضا للتقليد إلى تغيير إستراتيجيتها الإنتاجية، حيث اتجهت إلى تصنيع نفس المنتج في بلاد شرق آسيوية لأسباب كثيرة للاستفادة من انخفاض أسعار العمالة، والتهرب من الضرائب المرتفعة في بلدانها الأصلية، وذلك لإنتاج سلع أرخص من منتجاتها وتكون قادرة على منافسة أو مواجهة ذلك الطوفان الكبير من المنتجات المقلدة بشكل كبير.

وفيما يتعلق بتأثير هذه الظواهر على الوكيل المحلي للسلع الأصلية، يؤكد الماضي أن التخوف على مستقبل الوكلاء ليس كبيرا على الرغم من تقلص المبيعات، حيث غيرت الشركات الأجنبية سياستها التسويقية لمواجهة التغيرات في السوق، فأصبحت تقدم تسهيلات للوكلاء فيما يتعلق بالتسويق وشروط التعامل والسداد، مما زاد من مرونة التعامل وأعطى الوكيل مساحة أكبر للمنافسة والبقاء، وجعل الماركات الكبيرة قادرة على الاستمرار أكثر في السوق.

وفي رأيي أن الخروج من مأزق انتشار ظاهرة السلع المقلدة والمغشوشة في أسواقنا المحلية، والقضاء عليها تماماً، يتطلب اتباع الخطوات الوقائية التالية: (1) توفير الدعم البشري والفني لجهاز وزارة التجارة والصناعة، المعني بمراقبة الأسواق المحلية ومكافحة انتشار ظاهرة الغش التجاري، بما في ذلك توفير الأنظمة والأجهزة الرقابية الحديثة اللازمة، التي تساعد على كشف الغش التجاري، كالباركود وخلافه. (2) تغليظ العقوبات والجزاءات المالية والمعنوية في حق المخالفين لنظام مكافحة الغش التجاري.

حيث إن العقوبات المفروضة لا تزال غير مناسبة لحجم الفعل. (3) السماح للقطاع الخاص، بالتوسع في إنشاء المراكز والمختبرات الخاصة بقياس الجودة والتأكد من نوعية السلع التي تباع في الأسواق، الأمر الذي سيخفف بدوره من العبء الملقى على عاتق الأجهزة الحكومية المعنية بقياس الجودة وكذلك المعنية بمكافحة الغش والتقليد التجاري.

(4) توفير الدعم البشري والمادي اللازمين للمؤسسة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس، بما في ذلك مراكز الأبحاث، لتطوير المواصفات والمقاييس، بما في ذلك تطوير المنتجات بما يتماشى مع التطور الحاصل في المواصفات على المستويين المحلي والدولي. (5) الرفع من ثقافة ووعي المواطن بالأضرار والآثار الاقتصادية والصحية المترتبة عن شراء سلع مقلدة ومغشوشة.

وفي اعتقادي أنه من تفعيل تلك الخطوات ووضع الآليات المناسبة لها من شأنها أن تساعد بشكل إيجابي في الحد من ظاهرة البضاعة المقلدة وبالتالي جعل أسواقنا خالية منها أو الوصول بها إلى أقل المستويات الممكنة.

نقطة وأول السطر...

الحياة غريبة وفلسفتنا في العالم أغرب وكل فلسفاتنا ولدت من رحم التراث ورضعت أثداء الجهل.. ومع ذلك نعيش.. نعيش بالبركة.

باحث قانوني واكاديمي

ea.vog.cd@lamaj.rd