يبدو أن سياسة الاعتدال التي يتبعها معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة الرئيس الحالي لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» ونهج التحوط الذي ينتهجه معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي يرميان إلى إدارة المخاطر المترتبة على إتباع بن بيرناك رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي أسلوب «تحفيز قوى التضخم» من خلال طبع النقود لمحاربة الانكماش وزيادة السيولة، ويشكل هذا النهج مصدرا رئيسيا لتفاقم الضغوط على أسعار النفط في الأسواق العالمية في اتجاه الصعود المتواصل، وانكشاف العملات الخليجية بما فيها الدرهم الإماراتي أمام مخاطر تراجع سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية في العالم.
ويتمثل القاسم المشترك بين نهجي «الهاملي» و«السويدي» في إمساكهما العصا من منتصفها، بتبنيهما سياسات توفيقية تهدف إلى تعظيم المكاسب وتحجيم الخسائر، وتفادي الانزلاق نحو إمساك حبائل الأمور من أطرافها، بحيث تكون هذه السياسات مرآة تعكس وجهات نظر ومصالح مختلف الفرقاء على مختلف الأصعدة والمستويات، وتكون قادرة في الوقت ذاته على توفير أرضية مشتركة تمزج وتصهر المكونات المحلية والإقليمية والدولية لسياسات الدولة في المجالين النقدي والنفطي على نحو متجانس ومتطابق سواء على مستوي الخطاب السياسي أو على صعيد الممارسات العملية، وبالتالي، تكون هذه السياسيات بمثابة تجسيد حي لأدوار والتزامات الدولة في المجالين الدولي والإقليمي.
ورغم تنوع وتعدد أسباب صعود أسعار النفط وتراجع قيمة الدولار، يوجه البعض أصابع الاتهام إلى بن بيرناك رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، ويحمله مسؤولية حالة الاضطراب وعدم اليقين التي تخيم على أسواق النفط والعملات، حيث ترتب على قراره الخاص بخفض سعر الفائدة، وضع الدولار على مسار التراجع، ومن ثم، إرسال أسعار النفط والذهب إلى مستويات عالية.
طباعة الدولارات
وجاء هذا القرار انطلاقا من تبنيه سياسة طبع المزيد من الدولارات بهدف محاربة الانكماش، ودللوا على ذلك بنمو الكتلة النقدية الإجمالية (العرض النقدي بتعريفه الشامل)، أي»إم-3« بنسبة 7 .14% مقارنة بمستواها منذ عام مضي، مسجلة بذلك أسرع وتيرة نمو في تاريخ الولايات المتحدة، مقابل نسبة بلغت 8% عندما تولي بيرناك مهام منصبه كرئيس لبنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في مارس 2006.
ويشتهر بن بيرناك في الصحافة الأميركية باسم «بين المطبعي»، وجاءت هذه التسمية بسبب وعده بطبع النقود كوسيلة لزيادة السيولة، حيث اقترح في بداية عام 2003 أن تقوم طائرة هيلكوبتر بإلقاء الدولارات لمحاربة انكماش معدلات نمو الاقتصاد الأميركي حينذاك، ومن ثم، يعتبر بيرناك من المؤيدين لمبدأ محاربة الانكماش.
وساهم في تشكيل معالم الجدل السياسي بخصوص خفض معدل التضخم، وساعد في صنع القرارات الخاصة بخفض معدلات الفائدة إلى 1% وهو أدنى مستوى على مدى 45 عاما، وتشير الأعمال الأخرى لبن بيرناك إلى تحمسه لإدراج أكثر من مؤشر في النماذج المستخدمة في تحديد السياسة النقدية من اجل إنجاز استقرار اقتصادي أكثر كفاءة، وقد درس هذه الإمكانية على مدى أعوام، وكتب أوراقا بحثية توضح أساليب التنفيذ الممكنة.
استهداف التضخم
ومع ذلك، يظهر بيرناك تصميما على وضع السدادة على صعود مؤشر سعر المستهلك، حيث انه يعتبر من المناصرين لنظرية «وضع رقم مستهدف للتضخم» كإطار للسياسة النقدية، وتقوم هذه السياسة على فكرة بسيطة، مؤداها أن يقوم البنك المركزي بالإعلان عن رقم مستهدف للتضخم في المستقبل.
ويستخدم كل المعلومات وأدوات السياسة النقدية المتاحة لتحقيق هذا الهدف، وتقوم دول متعددة مثل كندا وفنلندا ونيوزيلندة واسبانيا والسويد والمملكة المتحدة بتجربة أنماط متعددة من سياسات معدل التضخم المستهدف ويعتبر هذا الإطار مغريا بوجه خاص لأنه يعطي البنك المركزي أو الحكومة هدفا محددا تماما ويحدد الأدوات اللازمة لتحقيقه.
وتحظى سياسته الخاصة بمحاربة الانكماش بدعم رفاقه في بنك الاحتياط الفيدرالي، ويتجلى ذلك في التصريحات التي أطلقها ويليام بول مدير بنك الاحتياط الفيدرالي في سانت لويس في 9 أكتوبر، وورد فيها تقديراته بشأن انعكاسات التضخم، حيث عبر عن وجهة نظر مؤداها بأنه لا يرى أية انعكاسات مترتبة على التضخم، موضحا أن ما يراه الآن هو التراجع الحاصل في سعر صرف العملة الأميركية، ولكنه لا يشاهد أي براهين تدل على ارتفاع أسعار السلع الأجنبية والسلع المصنعة نتيجة لتراجع سعر صرف العملة الخضراء.
وعلى نفس المنوال، لفت فريدريك ميشكين، المحافظ في بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في 28 سبتمبر إلى أن الضغوط التضخمية قد هدأت بإتباع أسلوب رفع الفائدة.
حيث أدى تشديد السياسة النقدية وتعهد البنوك المركزية بالحفاظ على ثبات الأسعار حول العالم إلى انخفاض التضخم وتثبيت التوقعات الخاصة بالتضخم، مذكرا بأن ليس لدي البنك هدف رسمي للتضخم، لكن رئيس مجلس إدارة البنك، بن بيرناك، يعتقد أن السياسة النقدية ستكون أكثر فاعلية لو كان للبنك مثل هذا الهدف.
وحذر ميشكين من أن على الاحتياط الفيدرالي أن يتوخى الحذر بشأن محاولة دفع التضخم إلى أقل من 2 في المئة، لأن هذا المعدل هو الذي رست عليه توقعات التضخم بشكل ثابت قرابة عقد من الزمن. وهو يخشى أن يكون خفض التضخم إلى أدنى من هذه النسبة بكثير مكلفاً.
وفي السياق ذاته، قدر تشارلز بلوزر رئيس البنك الفيدرالي في ولاية فيلادلفيا أن الاقتصاد الأميركي سينمو بشكل أكثر بطئًا خلال الأشهر القادمة، وذلك على الرغم من قرار اللجنة الفيدرالية بتقليل سعر الفائدة. وبالتالي، لن تكون مفاجأة بالنسبة له رؤية بيانات الاقتصاد أكثر ضعفًا في عناوين الصحف.
مشيرا إلى أنه على الرغم من أن الإشارات التضخمية هذا الصيف تبدو مشجعة، إلا أن هذا ليس معناه أن الاقتصاد الأميركي في موقف آمن، حيث لا يزال خطر التضخم موجودًا. ولا يزال سعر النفط مرتفعًا، وكذلك الأمر بالنسبة لنمو الأجور والسيولة. وإذا بدأ التضخم في التسلل مرتفعًا، وظهرت توقعات بارتفاع إضافي في التضخم في الأشهر القادمة - مما سيمثل خطورة على قرارنا بتخفيض سعر الفائدة - فإن النظرة العامة إلى الاقتصاد الأميركي سوف تتأثر وقد يتم تعديل السياسة النقدية.
الإقراض العقاري
وبالعودة إلى السبب الرئيسي في الاضطراب في الأسواق العالمية، وتغيير المؤسسات الرئيسية في العالم لتوقعاتها بالنسبة لنمو الاقتصاد الأميركي والعالمي، فإن تلك المشكلة بدأت نتيجة التوسع في الإقراض العقاري غير المحصن، أي لذوي الدخول القليلة وأصحاب السجل الائتماني المريب، من قبل البنوك الأميركية مدفوعة بارتفاع أسعار العقار في الولايات المتحدة.
ومع بدء تباطؤ سوق العقار، انكشفت خطوط الائتمان تلك على مخاطر أكبر من اللازم، ما أدى إلى انكماش الإقراض وارتفاع أسعار الفائدة السوقية. واثر ذلك سلبا على الإقراض للشركات والأعمال، وبالتالي انكماش النشاط الاقتصادي وتباطؤ النمو. ولان فقاعة العقارات الأميركية جذبت أموال الكثير من البنوك الكبيرة من أوروبا وغيرها، فقد انتقلت عدوى الانكماش الائتماني وتراجع الإقراض إلى بقية أنحاء العالم.
وضخت البنوك المركزية في أوروبا وغيرها المليارات في القطاع المصرفي لحماية البنوك من انكماش أسواق الائتمان نتيجة اضطرابات سوق العقار الأميركي. لكن تزايد المخاوف من انتقال أزمة العقارات عبر الأطلسي، جعل مؤسسات مثل منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي والبنك الدولي تراجع سلبا توقعاتها لنمو الاقتصاد الأميركي والعالمي في الربعين الأخيرين من العام والربع الأول من العام المقبل. لكن كثيرا من المحللين يستبعدون انهيار سوق العقارات في أوروبا بالشكل الذي يوشك عليه في أميركا.
ويذكر أن أزمة انهيار أسعار أسهم شركات الانترنت، التي عرفت بأزمة دوت كوم، في 2001 انتقلت تأثيراتها إلى أوروبا وبقية العالم من أسواق المال في نيويورك بقدر كبير. لكن كثيرا من المحللين يستبعدون أن يتكرر ذلك مع أزمة القطاع العقاري. فالاقتصاد البريطاني واقتصاديات دول اليورو لا تعاني من الاختلالات الكبيرة التي يرزح تحتها الاقتصاد الأميركي وأدت إلى عجز هائل في ميزان المدفوعات والحساب الجاري.
والملفت للانتباه أن الفقاعة العقارية الأميركية تعكس توجها أميركيا في السنوات الأخيرة، هو الإنفاق الكبير من دون أصول ما جعل الاقتصاد الأميركي أكبر مستدين في العالم، إذ تقترض أكثر من ملياري دولار يوميا عبر أسواق المال في نيويورك. ومع ارتفاع أسعار العقارات بشكل خيالي، استدان المستهلكون بضمان عقاراتهم وأنفقوا ببذخ. ولما أنفثت الفقاعة، لا يستطيعون تسديد ديونهم وعلى العالم ان يسدها عنهم، إما عبر دولار يضعف باضطراد أو بسندات توريق ديون.
وفي ظل تلك الأجواء، تظل احتمالات الركود الأميركي أكبر، خاصة إذا لم تؤد سياسة التخفيف النقدي للاحتياطي عبر خفض الفائدة إلى تنشيط السوق بما فيه الكفاية، وتبقى علامة الاستفهام المطروحة على مائدة البحث هي ماذا سيكون عليه موقف بيرناك عندما تطرق أسعار النفط حاجز المئة دولار للبرميل، ويجيب أحد المحللين عن هذا السؤال باقتباسه الإجابة التي تفوه بها في 21 أكتوبر 2004.
حينما أجاب عن هذا السؤال بقوله انه يتصور أن استجابة بنك الاحتياط الفيدرالي للضغوط التضخمية المترتبة على ارتفاع أسعار النفط ستتحدد بناء على الوضع الاقتصادي، فإذا ما كان التضخم عند الجانب المنخفض من النطاق المرغوب فيه، وإذا ما كانت الدلائل المتاحة تظهر تدني توقعات التضخم، في مثل هذه الحالة، لن تكون هناك حاجة ملحة للاستجابة إلى تهديد التضخم الناجم عن أسعار النفط المرتفعة، ولن تكون هناك حاجة كذلك لتشديد السياسة النقدية.
ومع اتباع بيرناك أسلوب ضخ السيولة إلى الأسواق لمحاربة الانكماش، وتنفيذه التوصية التي أوصى بها في مطلع عام2003 بتحميل طائرة هيلكوبتر بالدولارات لإسقاطها على رؤوس جمهرة الناس، تفاقمت حدة التحديات التي تواجه صانعي السياسات النفطية والنقدية في منطقة الخليج، نتيجة للانفصال الحاصل بين الأوضاع النقدية في هذه المنطقة ومثيلتها في الولايات المتحدة، حيث تألقت في الأفق مخاطر التضخم المستورد، وما يواكبه من تداعيات سلبية تتعلق بتآكل ثمار النمو الاقتصادي ودخول الأفراد والشركات.
سياسات توفيقية
واستجاب معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة الرئيس الحالي لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» لمسألة الارتفاعات القياسية في أسعار النفط عبر تبنيه ما يمكن أن يطلق عليها مجازا بالمواقف التوفيقية التي تعبر في المحك النهائي عن مختلف وجهات نظر ومصالح الفرقاء على مختلف مشاربهم ومستوياتهم.
من جانب، لم يشأ الهاملي أن ينضم إلى معسكر الدول المرحبة بشكل مطلق بارتفاعات الأسعار، ولم يرغب أيضاً في خلق هوة واسعة تفصل مواقفه عن مواقف هذا المعسكر، بل حرص على بلورة مواقف تمثل حلقة وصل بين سياسات الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء، حيث انه في الوقت الذي عبر فيه عن قلقه من أن يؤدي صعود أسعار النفط إلى مستويات عالية إلى إلحاق الضرر بآفاق نمو الاقتصاد العالمي والذي يعتبر المصدر الرئيسي لزيادة الطلب على موارد الطاقة، وبالتالي، انسجمت مواقف الهاملي مع مصالح الدول المستهلكة التي تعتبر الأسعار المرتفعة تهديدا لاقتصاداتها.
حيث نوه معاليه بالحوار الذي تجريه أوبك مع الأطراف الدولية المعنية بأسواق الطاقة، بقوله إننا نشعر بارتياح إلى النتائج التي تترتب على الحوار والتعاون بين المستهلكين والمنتجين للتكيف مع مستجدات السوق النفطية، مضيفا أن أوبك تمتلك 77% من احتياطي النفط العالمي من النفط الخام وتنتج 45% من الإنتاج العالمي، وأكد أن المنظمة تدرك تماما المسؤولية الملقاة على عاتقها في كافة الأوقات والأحداث وبما يعود بالنفع على المنتجين والمستهلكين.
التوترات الجيوسياسية
وفي نفس الوقت، حرص الهاملي في بلورة مواقفه وسياساته على خلق أرضية مشتركة تجمع مواقفه مع مواقف المعسكر المؤيد لارتفاع أسعار النفط، وهو ما تجلى في تأكيده على أن أسواق النفط لا تعاني من نقص الإمدادات، بل تتمتع الأسواق بوفرة في المعروض، وأوعز جزئيا أسباب الصعود إلى التوترات الجيوسياسية التي تفاقمت حدتها في الآونة الأخيرة.
وبالفعل، شكلت التوترات السياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط عاملا رئيسيا لارتفاع الأسعار، وهو ما جاء معالي محمد بن ظاعن الهاملي على تأكيده بقوله ان المنظمة ستتدخل دائما لتلبية أي نقص في الإمدادات، ولكنه قال أن ارتفاع الأسعار يحركه سيل من المضاربات والتوترات السياسية الدولية، وذكر الهاملي أن السوق تدفعها على نحو متزايد قوى تتجاوز سيطرة أوبك بسبب تطورات سياسية وتأثير متزايد لمؤسسات الاستثمار المالي.
وقد صاغ معالي محمد بن ظاعن الهاملي مثل هذه المواقف على أرضية تصاعد حدة الأوضاع الجيو سياسية في ظل تهديد تركيا بإرسال قوات إلى شمال العراق لتأديب قوات حزب العمال الكردستاني، وما ساعد في تفاقم تأزم الوضع حقيقة أن كردستان العراق تعتبر من أكثر مناطق العراق استقرارا وهدوءا، وتتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، فضلا عن تحقيقها مستوى عاليا من الازدهار الاقتصادي.
ومع ذلك، تفاقم الوضع نتيجة لعدم قدرة القوات الكردية العراقية على السيطرة على قوات حزب العمال الكردستاني في قيامها بشن هجمات ضد الجيش التركي انطلاقا من مواقعها في شمال العراق، ومع الأخذ في الاعتبار، التردي الحاصل في العلاقات التركية الأميركية نتيجة تمرير الكونجرس قانونا يحمل الإمبراطورية العثمانية مسؤولية ارتكاب مذابح بحق الأرمن في عام 1910، ومن ثم، تصاعدت المخاوف من أن أي صراع يشتمل على كل من تركيا والعراق والأكراد من شأنه أن يهدد بوقف إمدادات النفط العراقية، فضلا عن بروز مخاوف من تعرض خطوط أنابيب النفط المارة عبر الأراضي التركية لأعمال التخريب .
وعلي الرغم من تأثر أسواق النفط بموضوع الخلاف التركي ـ الكردي، إلا أنه لم يكن العامل الوحيد المتسبب في زيادة تفاقم الأوضاع الجيو سياسية، بل تأججت سخونة الأوضاع السياسية لأسباب أخرى، يبرز من بينها، احتدام حدة الخلافات بين إيران والدول الغربية وعلي رأسها الولايات المتحدة بشأن برنامج الأولى النووي، وتوتر العلاقات السورية الإسرائيلية بسبب ما يتردد عن قيام الأخيرة بشن غارة جوية على منشأة في الأراضي السورية.
وتصاعد الإضرابات الداخلية في باكستان والتي رافقها انفجار قنبلتين في كراتشي في 18 أكتوبر الماضي من قبل متشددين إسلاميين لاغتيال بنازير بوتو رئيسة وزراء باكستان السابقة لدى عودتها إلى بلادها.
ومن ثم، برزت سياسة معالي محمد بن ظاعن الهاملي على أنها جزء أصيل من سياسات بناء الثقة بين الدول المنتجة والمستهلكة، بتأكيده على تشجيع استمرار الحوار والتشاور وعقد الندوات، لما لذلك من فوائد في تحقيق التفاهم بين الدول المنتجة والمستهلكة، ولفته إلى أن أوبك لعبت دوراً رائداً في تأسيس وتطوير «منتدى الطاقة الدولي» وإرساء مبدأ الحوار في العديد من المجالات الأخرى.
سياسات نقدية متوازنة
وعلى غرار السياسات التوفيقية التي تبناها معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة الرئيس الحالي لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، استند معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي للمخاطر الناشئة عن تراجع سعر صرف الدولار إلى نهج تحوطي ذي أبعاد إقليمية ودولية.
من جانب، لم ينضم إلى المعسكر الداعي إلى فض علاقة الربط بين الدرهم والدولار الأميركي، ولم يشأ أن ينضم إلى الفريق الذي اتبع سياسات أحادية الجانب في دول مجلس التعاون الخليجي، بل آثر اتباع نهج توفيقي، فعلى الرغم من تأييده علاقة الربط بين الدرهم والدولار الأميركي، وتأكيده على أن مثل هذه الارتباط حقق فوائد كثيرة للاقتصاد الإماراتي، في المقابل، أتبع معالي سلطان بن ناصر السويدي رسميا سياسة تنويع الاحتياطات النقدية بعيدا عن الدولار.
وأعلن أنه يترقب التوقيت المناسب لشراء اليورو لزيادة نسبته ضمن الاحتياط النقدي، مؤكدا أن المصرف المركزي للإمارات ينتظر هبوط سعر اليورو قبل أن يشتري المزيد منه من أجل احتياطياته وأنه تجري متابعة تقلبات أسواق الصرف الأجنبي، ولم يشأ كذلك أن يغلق باب التكهنات أمام أنصار الطريق الثالث الذين يدعون إلى حلول وسط بين سياستي فك الارتباط مع الدولار والاحتفاظ باستمرارية الوضع الحالي.
فضلا عما سبق،أكد معالي سلطان بن ناصر السويدي أن العلاقة بين الدرهم والدولار ليست أبدية، ولكنه في المقابل، جعل تغيير هذه العلاقة مرتبطا بقرار جماعي خليجي، وبالتالي، لم يشأ الانضمام إلى معسكر الدول التي اتبعت سياسات نقدية أحادية الجانب، حيث أكد معاليه أن الإمارات لن ترفع قيمة عملتها بشكل منفرد. وربما تعود أسباب تبنيه لهذا النهج إلى أنه من شأن القيام برفع قيمة العملة من جانب واحد بين دول مجلس التعاون سيتسبب في عدم الاستقرار في الأسواق المحلية ويؤخر الوحدة النقدية الخليجية.
وعلى الرغم من قيام مصرف الإمارات المركزي بخفض الفائدة على شهادات الإيداع التي يصدرها للبنوك في الدولة أسوة بخفض أسعار الفائدة الأميركية، إلا أنه لم يخفض الفائدة بنفس مقدار خفض الفائدة الأميركية، حيث رد المصرف على قرار بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في 18 سبتمبر والخاص بخفض الفائدة بأن قام بخفض أسعار الفائدة على شهادات الإيداع لآجال أسبوع وشهر وثلاثة أشهر بواقع 15 نقطة أساس، حيث خفض سعر الفائدة على شهادات الإيداع لأجل أسبوع إلى 60 .4% من 75 .4%.
كما خفض الفائدة على شهادات الإيداع لأجل شهر إلى 70 .4% من 85 .4% وعلى الشهادات لأجل ثلاثة أشهر إلى 80 .4% من 95 .4%. وخفض البنك الفائدة على الشهادات لأجل ستة أشهر 20 نقطة أساس إلى 80 .4%، كما رد مصرف الإمارات المركزي على قرار الخفض الثاني للفائدة الأميركية بمقدار ربع نقطة مئوية من 75 .4 إلى 50 .4% بقيامه بخفض الفائدة على شهادات الإيداع بمقدار 20 نقطة أساس، أي أقل من مقدار الخفض في الفائدة الأميركية.
واعتبر محللون أن مثل هذه النوعية من الاستجابة من قبل المصرف المركزي الإماراتي قد فتحت الباب على مصراعيه أمام احتمالات عده، فعلى الرغم من أن معدل الفائدة الأميركية يمثل سعر الفائدة لليلة واحدة، باعتبار أن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي يسيطر فقط على هذا النوع من الفائدة، فيما يحدد السوق أسعار فائدة الآجال الأخرى، ومن ثم، فان خفض الفائدة الأميركية بمقدار نصف نقطة مئوية أي 50 نقطة أساس لتبلغ 75 .4% ثم إلى 75 .4% من مستواها السابق البالغ 25 .5%.
وبالنظر إلى الحالات السابقة التي كان فيها يقتفي مصرف الإمارات المركزي قرارات الفائدة الأميركية كان من المفترض أن يتراوح سعر الفائدة على شهادات الإيداع لأجل شهرين 8 .4 و9 .4% كحد أقصى، بحيث لا يكون الفارق بين سعري الفائدة في البلدين كبيرا، بيد أن رد فعل مصرف الإمارات المركزي قد أشر على وضع الخيارات على مائدة البحث والدراسة.
وهكذا، واجه معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة ومعالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي تحديات آلة طبع الدولارات الأميركية باتباعهما سياسات متوازنة تعتبر انعكاسا لخطاب الدولة السياسي والاقتصادي الذي يحتوي على مفردات تراعي المعادلات الإقليمية والدولية بتعقيداتها وتشابكاتها المتعددة.
شركات الوقود المحلية بين فكي كماشة
مع اقتراب أسعار النفط العالمية من مستوى مئة دولار للبرميل، تواجه شركات توزيع المنتجات البترولية المحلية معادلة ذات طرفين متناقضين يتمثل طرفها الأول في تنفيذ سياسات الدولة الرامية إلى كبح التضخم من خلال الحفاظ علي مستويات سعرية محددة للمنتجات البترولية، ويتمثل الطرف الآخر من المعادلة في كون هذه الشركات تعتبر في المحك النهائي شركات تجارية من حقها تحقيق أرباح مثل بقية شركات القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتنذر أسعار النفط المرتفعة بتعرض هذه الشركات لنزيف خسائر مستمر ناجم عن الخسائر المترتبة على فروق الأسعار بين أسعار المنتجات البترولية على المستوى العالمي، وأسعار تلك المنتجات في الأسواق المحلية، وهو ما قد يجعل هدف الوصول إلى نقطة التعادل بين الإيرادات والمصروفات مطمحاً عزيز المنال على أجندة الأهداف الاستراتيجية لهذه الشركات.
ورغم أن شركات توزيع المنتجات البترولية تعتبر شركات حكومية، إلا أن وضع ملكيتها مسألة مختلفة، حيث تملك الحكومة الاتحادية مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) بالكامل، وتمتلك حكومة دبي شركة «اينوك»، وتمتلك حكومة أبوظبي شركة «أدنوك».
وما يزيد من تفاقم الوضع بالنسبة لهذه الشركات، التحذيرات التي أطلقتها بعض التحليلات من أية زيادات في أسعار الوقود المحلية تواكب أسعار خام النفط الدولية التي تكون مرتفعة طوال الوقت، حيث حذر بعض المحللين من أن مثل هذا التحرك سوف يولد ضغوطاً تضخمية.
وتعتبر أسعار الوقود في الدولة أرخص بالمقارنة مع مثيلاتها في أوروبا والولايات المتحدة.
وأوصى خبراء بأنه يجب العمل على كبح صعود أسعار الوقود، حيث ان الاستهلاك المحلي للوقود يعد جزءاً من الصادرات النفطية للإمارات، وانه من الصعب حدوث تغير ملحوظ في عائدات البلاد من الصادرات النفطية المزدهرة حتى لو تم تخصيص كمية أكبر من النفط الخام للاستهلاك المحلي.
وتقدر احتياطيات النفط المؤكدة بحوالي 2 .98 مليون برميل أي ما يعادل 5 .9% من إجمالي الاحتياطيات العالمية.
وأفادت آراء بعض المحللين انه إذا ما قامت شركات الوقود بزيادة أسعار الجازولين والمحدد من قبل الحكومة وإذا ما سلكت أسعار الديزل مسار الصعود، فانه من المقدر أن تنعكس هذه الزيادة في تكلفة الإنتاج بالنسبة للصناعات وأسعار المنتجات الزراعية والمصنعة، ومن ثم، فانه في حالة صعود أسعار الوقود، سينقل المنتجون التكلفة إلى المستهلكين عن طريق تسعير منتجاتهم بمستويات سعرية أعلى، وبالتالي، تحتاج الإمارات أن تضع نصب عينيها على ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار الوقود.
ويبلغ سعر أرخص أنواع الجازولين في السوق المحلي نحو 57 .5 دراهم للجالون، أي 5667 .1 دولار، فيما يبلغ في المملكة السعودية، وهي أكبر دولة منتجة للنفط نحو 91 .0 دولار في عاصمتها الرياض، وفي الكويت تبلغ أسعار الوقود 78 .0 دولار للجالون فيما يتم بيعة أرخص بكثير في فنزويلا، وذلك عند سعر 12 .0 دولار للبرميل.
وفي الولايات المتحدة التي تعتبر أكبر دولة مستوردة للنفط، يبلغ متوسط سعر التجزئة للجازولين حوالي 787 .2 دولار للجالون، ويبلغ سعر الجازولين في بومباي عاصمة الهند التجارية نحو 40 .2 للجالون.
وتشير آراء محللين إلى أن شركات توزيع المنتجات البترولية المحلية تسعى إلى إقناع الحكومة بزيادة الأسعار، ونقلت تقارير صحافية عن مصادر في صناعة النفط قولها ان شركات توزيع المنتجات البترولية تأمل بأن تسمح الحكومة بزيادة الأسعار والتي بقيت عند هذا المستوى لمدة تزيد على عامين.
وتقدر آراء ان شركتي «اينوك» و«إيبكو» تخسران ما يصل إلى 5 .5 دراهم لكل جالون يتم بيعه، متضمناً تكاليف التخزين.
أسهم دانة غاز وآبار وطاقة تجني مكاسب صعود أسعار النفط
جنت أسهم شركات «دانة غاز» و«آبار للاستثمار البترولي» و«أبوظبي الوطنية للطاقة» مكاسب الصعود المتواصل في أسعار النفط، وذلك إثر تخطي أسعار النفط حاجز 96 دولاراً للبرميل، وهو ما قدم المزيد من الدعم لتقوية الأداء المالي وزيادة ربحية هذه الشركات.
من جانب، قفز سعر سهم شركة دانة غاز أول وأكبر شركة إقليمية من القطاع الخاص في الشرق الأوسط تعمل في مجال الغاز الطبيعي في سوق أبوظبي في 1 نوفمبر إلى أعلى مستوياته على الإطلاق على مدى 13 شهراً، وسجل ارتفاعاً نسبته 5 .9%، وبالتالي، جنى السهم مكسباً إضافياً إلى جانب المكاسب السعرية التي جناها، حيث سجل صعوداً نسبته 5 .6% منذ 5 سبتمبر 2006 ليصل إلى 01 .2 درهم للسهم الواحد، وتبلغ القيمة السوقية للشركة 1 .12 مليار درهم أي ما يعادل 3 .3 مليارات دولار.
وقد سجلت الشركة أول أرباح تشغيلية خلال النصف الأول المنتهي في 30 يونيو 2007، حيث ارتفعت الإيرادات لتصل إلى 443 مليون درهم إماراتي من عمليات تشغيلية في انتاج الغاز لمدة 171 يوماً، وتم تحقيق أرباح تشغيلية بلغت 226 مليون درهم إماراتي، وتعكس هذه النتائج استمرار ثبات ومتانة أداء الشركة خلال الربع الثاني.
وشهد النصف الأول من عام 2007 اتمام عملية استحواذ دانة غاز لشركة سنتوريون للطاقة في أوائل شهر يناير بقيمة 1 .1 مليار دولار أميركي، وبذلك احتلت الشركة الترتيب السادس ضمن مصاف الشركات الأكبر انتاجاً للغاز في مصر، وانطلقت في باكورة أعمالها في مجال التنقيب والانتاج في قطاع الغاز الطبيعي المتنامي في منطقة الشرق الأوسط. كما قامت دانة غاز بتعزيز موقعها في هذا المجال من خلال توقيعها عدة عقود مع حكومة كردستان العراق في شهر ابريل الماضي.
وارتفعت الأصول الطويلة الأمد للشركة بأكثر من نسبة 100% من حوالي 4 مليارات درهم إماراتي لتصل إلى 1 .8 مليارات درهم إماراتي خلال النصف الأول من هذا العام. وارتفع إجمالي الموجودات إلى 8 .8 مليارات درهم إماراتي وبنسبة نمو بلغت 30%، وارتفعت حقوق المساهمين إلى 86 .6 مليارات درهم إماراتي.
ومن ناحية ثانية، جنى سعر سهم شركة آبار للاستثمار البترولي مكسباً نسبته 9 .1% ليصل إلى 33 .4 دراهم، وقد أعلنت الشركة عن نتائجها المالية النصف الأول من العام 2007، محققة صافي ربح بلغ 86 .24 مليون درهم (76 .2 فلس للسهم)، مقارنة بمبلغ 42 .64 مليون درهم (16 .7 فلوس للسهم) أرباح النصف الأول 2006، وارتفعت الإيرادات بشكل كبير خلال النصف الأول.
ومن ناحية ثالثة، سجل سعر سهم شركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة) في 1 نوفمبر 2007 صعوداً نسبته 7 .1% ليصل إلى 61 .3 دولارات للسهم الواحد.
وتتبنى شركة «طاقة» استراتيجية كبرى تهدف إلى زيادة أصولها إلى ما بين 40 و60 مليار دولار بحلول عام 2012 من حوالي 16 مليار دولار حالياً، ثم زيادة قيمة الأصول إلى 80 مليار دولار بحلول عام 2017.
وقد أظهرت النتائج المالية لشركة «طاقة» عن النصف الأول من العام الجاري زيادة مقدارها 26% في الأرباح الصافية للنصف الأول من العام الجاري مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي لتبلغ 249 مليون درهم، وبلغت الأرباح الصافية في الربع الثاني هذا العام 186 مليون درهم لتحقق نمواً بنسبة 43%.
وارتفعت ربحية السهم خلال النصف الأول من العام بنسبة 25% لتبلغ 06 .0 درهم، كما ارتفعت ربحية السهم خلال الربع الثاني من هذا العام بنسبة 45% لتبلغ 045 .0 درهم، وحققت الشركة إيرادات بلغت 83 .2 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2007 بزيادة مقدارها 91%، مقارنة مع إيرادات الشركة التي بلغت 49 .1 مليار درهم خلال الفترة ذاتها من العام الماضي. كما سجلت الشركة زيادة في الإيرادات مقدارها 125% خلال الربع الثاني لتبلغ 79 .1 مليار درهم.
وتعتبر شركات «دانة غاز» و«طاقة» و«آبار» من بين حفنة شركات الطاقة القليلة في الشرق الأوسط التي يجري تداول أسهمها في البورصة.
وعلق إيريك سواتس رئيس قسم إدارة الأصول في شركة رسملة للاستثمار والتي تدير أصولاً قيمتها 800 مليون دولار على أداء أسهم هذه الشركات بقوله ان أسعار النفط المرتفعة تعني أسعار غاز طبيعي مرتفعة، ومن ثم، يعتبر سهم دانة غاز جذاباً بسبب محدودية الفرص المتاحة للمستثمرين في قطاع النفط، لكون معظم شركات الطاقة في المنطقة مملوكة للحكومات.
دبي ـ مجدي عبيد