قدمت المؤسسة العامة للسينما في سوريا أول أفلامها الروائية الطويلة في المسابقة الرسمية في مهرجان دمشق السينمائي الدولي بعنوان «الهوية»، وهو ثالث الأفلام الروائية للمخرج غسان شميط بعد «الطحين الأسود» و«شيء ما يحترق».

والهوية يحكي عن قصة حب بين شاب وفتاة في الجولان المحتل وسط حضور طاغ لهيمنة المكان والزمان على حالة الحب هذه، والتي انتهت بشكل مأساوي بانتحار العاشق وعزلة الحبيبة، بحيث يمثل المحتل الإسرائيلي المحور المكاني والذي يستبيح الأراضي والأعراض ويقتل ويدمر كل ما يقع في طريقه، في الوقت الذي تهيمن بعض العادات الشعبية في تلك المجتمعات لتمارس دوراً استعمارياً آخر على حكاية الحب، وتكون المحور الزماني للحدث في عملية الصراع الدرامي.

المهم أن المخرج ينقل المشاهد ضمن عمليات زمانية مكانية متعددة، يأخذه إلى حيث تتشعب الحكاية، ولكنه يمسك بقبضة الحدث فلا يجعله يفلت من بين يديه محافظاً قدر الإمكان على هوية الفيلم، وهي أبرز هويات الفيلم. يدرك شميط أنه سيثير ردود أفعال هامة في حال تعرض لموضوع الجولان المحتل، ولاسيما أن هذا المكان المحتل من سوريا يمثل جوهر الصراع بين سوريا وإسرائيل منذ نحو أربعين عاماً، وهنا يدخل الفيلم وفي جعبته قضية وطنية كضمان لردود فعل طيبة عنه، وبالتالي يبرز دور الفيلم كوثيقة على الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي المحتلة، ونزوع سكان تلك المنطقة على التمسك بهويتهم السورية، ولكن هل كان هذا هو هاجس المخرج حقاً؟

لا يعترف الفيلم كثيراً بهذا الأمر، ولو أنه أرانا عدة الحرب وحركة الجنود واستنفارهم لردع حركات المقاومة ضدهم، ولكن الفيلم يأخذنا عبر قصة أخرى للبحث في عادات شعبية واجتماعية تؤمن بمبدأ التقمص أو انتقال الأرواح من إنسان إلى آخر وهذا له أعراف اجتماعية، وتفاصيل قد يطول البحث فيها، ولكن يبدو أن هناك تحررا لهذا الهامش، بحيث يتاح للدراما السورية أن تناقش أمراً كهذا.

وتنتقل روح البطل «فواز» إلى جسد شخص آخر، يظل يعاني من هواجس كثيرة يومية تطلب منه أن يغادر إلى حيث يجب أن تكون الروح ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشاب «فواز» قضى منتحراً بسبب عدم تزويجه بالبنت التي يحبها والمدعوة «حياة».. الخيوط تتشعب والمخرج يسعى لكي يفرق عبر لعبة اللون والظل بين المشاهد، ليقول هذا ما يحدث الآن، وهذا ما كان يحدث بالأمس في ظل استغراق «فواز» الجديد، وقد سكنته روح «فواز» الماضي.

وهنا لم يعد الجديد يحتمل مأزق قلق الروح، فيسافر للعزاء في والد فواز القديم الذي قضى على يد الاحتلال الإسرائيلي، وهنا دخلنا في مرحلة ثانية من العمل، نعترف انها مشغولة بعناية واهتمام، وعندما يصل «فواز» إلى القرية يبدأ بتذكر كل الأماكن التي عاشت فيها الروح السابقة ولا تفاجأ الأم كثيراً، حينما تجد شاباً يخترق مجتمع النساء، لكي يقدم لها واجب العزاء ويعرفها بنفسه، وكانت تقول له حينها : «كنت أدرك أنك ستعود في يوم من الأيام»، ما يؤكد إيمان أهل المنطقة بحالة التقمص تلك إذ إن الروح أحياناً تعود لتذكر بها عبر دخولها في جسد آخر.

رحلة «فواز» الجديد قصيرة، ينهيها بزيارة عاجلة إلى «حياة» التي اعتزلت الدنيا بعد موت فواز، وانهارت حياتها بالطريقة التي جعلتها مريضة في الفراش، بفعل الزمن والخيبة. وحينما يعود «فواز» إلى بلدته عائدا من رحلة سريعة في معبد الذاكرة إلى قرية الروح إن جاز التعبير، يقف على الحدود ليسأله الضابط الإسرائيلي: ماذا كنت تفعل في رحلتك، فقال له كنت أبحث عن هويتي.. وهنا نعود إلى ما قدمناه في البداية في بحث المخرج والمؤلف على حد سواء في الهوية المؤقتة الاجتماعية والإنسانية بالدرجة الأولى، من دون أن نغفل مبدأ الهوية القومية التي عرج عليها المخرج.

يمضي المخرج غسان شميط في عمله بإيقاع بطيء متعب في كثير من الأحيان، وهذا شأن معظم المخرجين السوريين في روايتهم لسير ذاتية أو لقضايا محلية خاصة، ويبرز هذا المخرج بطلاً في التصدي لتقديم لوحات سينمائية مدهشة وحركة متزنة للظل والنور وللكاميرا والتشكيل اللوني، ولكن إيقاع العمل كان يصعب على المشاهد تجاوزه لصالح القصة والتمثيل، وهذا الأمر ربما لاحظناه في «الطحين الأسود» و«شيء ما يحترق».

مثل في الفيلم طاقم تمثيلي مؤلف من: قيس الشيخ نجيب وسلمى المصري وسوسن ارشيد وعبدالرحمن أبوالقاسم ومجد فضة، وزيناتي قدسية وغيرهم.. ويبدو أن تجربة قيس الشيخ نجيب لم يشأ لها صاحبها أن تمر مرور الكرام، فكان لا بد من أن يحمل الفيلم توقيعه كممثل، في حين يطل مجد فضة في أول عمل درامي له، بعد تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية إطلالة خاصة ربما حملت له نجومية تلفزيونية مدعومة بشكله أولاً.

الهوية فيلم قد يستحق الوقوف مطولاً عند مقولته وعند تفاصيله الإنسانية والاجتماعية، ولكن هل يكون له حظ بالخروج بإحدى جوائز المهرجان، في الوقت الذي توصف فيه السينما السورية بأنها سينما مهرجانات؟

دمشق ـ جمال آدم