«الرجاء ربط الأحزمة»، قالها أحد العاملين بطيران الإمارات معلناً عن الهبوط التدريجي لأول رحلة من دبي إلى تورونتو في كندا. وما إن انتهى من عبارته، حتى هرع معظم الركاب للنظر عبر نوافذ الطائرة ليستمتعوا بالمنظر الخلاب، والتمازج الجميل بين الخضرة والأنهار والبحيرات والمنازل ذات الأسطح المائلة، بالإضافة إلى انعكاس نور الشمس عبر الأبراج الزجاجية الزرقاء التي لبست لون السماء.

بدأت الطائرة تقترب من مدرج الهبوط، وبدأت الرؤيا تتضح للركاب الجالسين قرب النوافذ شبه الدائرية، وفي ظل صمت تام اخترقه صوت دافئ: «إنها لوحة فنية عملاقة، رسمت بألوان متناسقة، أطلق عليها اسم كندا». هذا ما قالته إحدى الراكبات، ووافق عليه باقي الركّاب العرب، الذين فهموا كلماتها، بتحريك الرؤوس، إعجاباً بمفردات عبارتها، تحمس أحدهم وقال: «نعم، بل إن جمال طبيعتها يستحق عناء السفر إليها سيراً على الأقدام».

السكان الأصليون

تشير كتب التاريخ إلى أن السكان الأصليين لكندا كانوا من الهنود الحمر، وهم الذين أطلقوا عليها اسمها الحالي والذي يعني باللغة الهندية «القرية الصغيرة». واليوم امتدت تلك القرية الصغيرة لتصبح هي نفسها كندا الحالية، أو بكلمات أخرى البلد ـ القارة التي تمتد بين المحيطين الأطلسي والهادي، وتمتد أقصى شمال أميركا الشمالية، بعرض بين الشرق إلى الغرب يصل إلى 5514 كيلومترا، وطول 4634 كيلومترا من الشمال إلى الجنوب.

وتعتبر مدينة تورونتو العاصمة الاقتصادية لكندا. وكما أطلق الهنود الحمر اسم كندا، سمّوا هذه المدينة باسمها الحالي، والذي يعني باللغة الهندية «إتحاد الماء» أو التقائه. لكن الاسم لم يعجب الإنجليز، الذين كانوا قد وصلوا للمدينة، فأطلقوا عليها اسم يورك، لكن الناس باتت تخلط بين نيويورك الأميركية ويورك الكندية، ومن بعدها عاد الكنديون ليعيدوا لها اسمها الأساسي، الذي بقيت تحمله حتى اليوم. وبالرغم من امتداد كندا الجغرافي الواسع والمتنوع، إلا أن عدد سكانها لا يتعدى 30 مليون نسمة، أغلبهم يعيشون في قطع ضيقة بمقاطعتي كويبك وأونتاريو، الممتدتين على الحدود مع الولايات المتحدة الأميركية.

مقاطعات مهمة

وهي تنقسم إلى عشر مقاطعات وإقليمين حدوديين، هما نيوفوندلاند، لابرادور، نوفاسكويتا، جزيرة الأمير إدوارد، نيو برانزويك، كويبك، أونتاريو، مانيتوبا، سسكتشوان، ألبرتا، كولومبيا البريطانية، يوكون والمناطق الشمالية الغربية. كما يقصدها الكثير من الناس من جميع أنحاء المعمورة، خاصة وأنها أحد أنشط وأجمل البلدان، وأكثرها سلامة في العالم، ويقدر الجميع الرقي الذي يسم تعامل شعبها، ومرونة الحياة فيها، باستثناء الضرائب طبعاً.

يطلق الكثيرون على كندا اسم «بلد المليون بحيرة»، بسبب كثرة المسطحات المائية التي توازي بكبرها البحار. كما تتميز بتناغم الألوان في طبيعتها، خاصة في فصل الخريف، ما يشكّل الكثير من المشاهد الجمالية، كتناسق ألوان أوراق الأشجار، وانعكاسها على البحيرات الساحرة في الصباح الباكر، وقبل الغروب. كما يلفت في طبيعة كندا، أيضاً، النباتات البرية والحدائق التي تحمل ألوان الطيف والمنتشرة بين المدن الحديثة.

ومن السهل لزائر البلاد إدراك ذلك الكم الجمالي الهائل من المناظر الطبيعية، تساعد في ذلك شبكة المواصلات الحديثة التي تربط البلاد ببعضها، فتجعلها لوحة واحدة، بأكثر من لون وشكل. كما أنها تجعل المسافات بين كل هذه المدن والقرى والأماكن السياحية المتنوعة قريبة جداً.

الصين تنافس فرنسا

تجمع كندا الكثير من اللغات، تصل بمجملها إلى 168 لغة، أولها الإنجليزية، بينما تتنافس اللغتان الفرنسية والصينية على المركز الثاني. فقد عززت الصين «مواقعها»، بعدما شهدت الفترة الماضية هجرة الكثير من الصينيين الساعين لحياة أفضل، ويرغبون بالعيش في بلد لا وجود لقانون يحدد الإنجاب لكل عائلة، بل على العكس يحثون السكان على الإنجاب. أما أكثر ما يهم الكنديون، فهو بناء حياة هنيئة، مستقرة، كما يهتمون بالطبيعة، ويعشقون الاستجمام والراحة دون الاهتمام الزائد بالنواحي المادية والادخار للمستقبل وتكاليف تعليم الأولاد، لأن الدولة تتكفل بذلك.

لا تضم مدينة تورونتو الكثير من المعالم الأثرية، فسكانها الأصليون كانوا من الهنود الحمر، الذين عاشوا في خيم متنقلة، دون بناء صروح وقلاع. لذلك، لا نجد في المتحف الأثري الذي يقع في أرقى مناطق المدينة إلا بعض الأذرع الهندية، والنبال والسهام، بالإضافة إلى القبعات التي تعلوها قرون الحيوانات، إلى جانب الملابس الجلدية والرماح وبعض الأدوات القديمة التي استخدموها في حياتهم اليومية.

صناعة السياحة

وفي وسط المدينة أيضاً يوجد قصر كبير تعود ملكيته لـ «السير هنري»، الذي أدخل الكهرباء لكندا، وكان آنذاك من أغنياء البلاد فهو الوحيد الذي كان في قصره 59 خطاً هاتفياً، في الوقت الذي كانت تورونتو بأكملها لا تمتلك هذا العدد من خطوط الهاتف. وفي هذا القصر لا يوجد إلا القليل من الصور الفوتوغرافية، والكثير من الأسلحة القديمة والأوسمة وبعض الأساس القديم الذي يعود صنعه إلى العام 1905.

وعلى الرغم من أن وسط المدينة ليس قديماً جداً، إلا أنه شهد الكثير من التغيير، مثل نقل سكة الحديد التي كانت تتوسط طريقه الضيق، وتحويل مجرى النهر الذي كان بمثابة مرفأ صغير للمدينة. وبما أنها حديثة نسبياً، إلا أن مواطنوها عملوا على ابتكار أماكن سياحية لاستقطاب الزوار، ومن هذه الأماكن التي لم يسبق أن سمعنا عنها سابقاً، نجد متحفا خاصاً لمراحل تطور الحذاء الذي ابتكره الإنسان قديماً، والذي أسسه أحد أمهر صانعي الأحذية في عصره، ولا تزال تحتل علامته التجارية مكانة مرموقة حتى تاريخنا هذا.

وفي متحف الأحذية أيضاً، أشكال وتصاميم ترجع إلى العصور الوسطى، كما أن هنالك بعض الأحذية تحمل نقوش الفراعنة، وبعضها صنع من الحجر وبعضها من المعادن وحذاء الأميرة ديانا، وآخر ذي حجم كبير جداً، يعود إلى أحد أشهر لاعبي السلة وأضخمهم في العالم. باختصار لم نر معالم سياحية كالتي نراها في معظم البلاد، بل محاولة لصناعة معالم لجذب الزوار.. بكلمات أخرى هم يبتكرون طرق جديدة لصناعة السياحة.

الشلالات الأميركية والكندية وروعة المشهد

كل من ينظر إلى شلالات «نياغارا» يصمت لوهلة من رهبة المنظر، ثم يملؤه شعور بالروعة. فالمياه تختفي تحت «غيوم» من الرذاذ المتناثر، المتولّد من سقوط الماء الهائل من أعلى الشلال. لكن هذا الرذاذ اللطيف يتحول إلى حبيبات صغيرة من البَرَد، جرّاء تجمّده في الشتاء القارس.

بعد الاندهاش، يحين دور الدليل السياحي، الذي يسترسل بالشرح عن هذا الشلال الواقع على الحدود الكندية الأميركية، مشيراً بيده إلى الشلال الثاني الذي يبعد بضعة أمتار، والذي يتبع للجارة الأميركية. لكن، ما أن ينهى كلامه، حتى يعقد الحاضرون مقارنة سريعة بين المشهدين، إلا أن النتيجة لن تكون في الصالح الأميركي.

الإعجاب يتحول إلى غيرة

لم نقابل أي شخص في كندا وعلم أننا من دبي، إلا وبانت ملامح الإعجاب على وجهه، ويقول بأسلوب يعكس الغيرة بوجه الإعجاب، أنتم سبقتمونا بعد إعلانكم عن برج دبي الذي سيكون الأعلى في العالم، الأمر الذي يجعلهم يغيرون قليلاً لأن برج الـ «سي إن» الذي كانوا يتباهون به لم يعد الأعلى في العالم. فقد كان هذا الإعلان سبباً لتحتل الإمارة المركز الأول في نشرات الأخبار، وتتصدر الصحف والمجلات المحلية، بعدما نجحت في سحب بساط التميز من تحت أقدام الكنديين، الفخورين ببرجهم العالي.

فبكلمات أخرى، دبي خطفت الأضواء، هذا ما يقوله الكنديون، وليس ببرجها الأعلى في العالم فقط، بل أيضاً بالحياة المسالمة والراقية التي باتت معروفة لدى سكان العالم، وأيضاً بمستوى العيش المريح الذي يتأمن لذوي الدخل المحدود، وأبسط دليل على ذلك شراء سيارة دون دفع ضرائب.

كندا ـ راشد دبدوب