توقع محللون أن يواجه الدولار الأميركي مزيداً من الانخفاض. وتصدرت اليابان والصين دول العالم في التخلي عن الاستثمارات الخارجية بالدولار في أميركا في أغسطس العام الحالي، مما يثير المخاوف من مزيد من هبوط سعر الدولار، وانخفاض عائدات السندات الأميركية، وأثبتت بيانات أميركية رسمية هروب 163 مليار دولار من الاستثمارات في شتى الأصول الأميركية. وقال مارك اوستولد الخبير الاقتصادي في انستجردي بيوفورت فيما نقلته صحيفة البراندا الروسية إن هذه الأرقام مذهلة.

وقد باع المستثمرون الآسيويون ما قيمته 52 مليارا من سندات الخزانة الأميركية وحدها، وعلى رأسهم اليابان (23 مليار دولار) ثم الصين (2. 14 مليار دولار) ثم تايوان (5 مليارات دولار). وهذه هي المرة الأولى منذ عام 1998 التي يبيع فيها مستثمرون أجانب سندات الخزانة الأميركية. وحذر اوستولد من أن عائدات السندات الأميركية قد لا تعاود الارتفاع قبل أن يغير هؤلاء المستثمرون رأيهم وتعود الاستثمارات بسرعة في السندات. وقال إن خطر التضخم يهدد سندات الخزانة الأميركية.

تحذير دولي

وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من أن قيمة الدولار الأميركي لا تزال أكبر من الحقيقة ويحتمل أن يواجه انخفاضاً على المدى المتوسط. وقد انخفض بالفعل سعر الدولار في الأيام الماضية مما زاد الضغوط على وزير الخزانة الأميركية هانك بولسون في اجتماع مجموعة السبع لأنه لم يستطيع الفخر بقوة الدولار. وقد تراجع الدولار الأميركي من حيث تفاوت القوة الشرائية أمام العملة الكندية لأول مرة منذ عام 1976 وقارب انخفاضاً قياسياً أمام العملات الدولية الرئيسية.

وقال ديفيدوو المحلل في باركليز كابيتال ان واشنطن كانت سعيدة بتراجع سعر الدولار، وقال إنهم لا يتهمون إذا كان الانخفاض غير منظم، ويعتقدون أن هذه وسيلة تعالج مشكلة العجز. وقال: قد يكون يكون جزء من أسباب هروب الاستثمار في أغسطس اقتراض الأجانب من أميركا خلال انهيار السيولة لمواجهة حاجاتها باليورو. وتحتاج أميركا تدفق استثمارات بمقدار 70 مليار دولار شهرياً لتغطية عجز الحساب الجاري الحالي، لكن مصادر التمويل الرئيسية تنصب واحداً تلو الآخر.

وقال بنك باريبا ان أميركا اعتمدت على «الأموال الساخنة» من الخارج لتغطية 25 ـ 30% من القروض الأميركية قصيرة الأجل وسوق الأوراق التجارية خلال العامين الماضيين، وهذا التدفق يواجه الخطر الآن عقب فقدان من السوق خلال الصيف وبعد تخفيض سعر الفائدة نصف نقطة ـ الذي قلل من ميزة العائدات الأميركية مقارنة بالدول الأخرى. وقال إيان ستاندارد المحلل في باريبا: إن هذه المعلومات سلبية جداً بالنسبة للدولار، وقال إن هذا يفوق أسوأ المخاوف، فليس الأجانب فقط هم الذين يبيعون الأصول الأميركية، بل الأميركيون أيضاً.

وبدأت البنوك المركزية في سنغافورة وكوريا وتايوان وفيتنام خفض مشترياتها من السندات الأميركية أو ألمحت إلى ذلك. والحقيقة أن هذه الدول تتخلى عن محاولات منع عملاتها من الهبوط لأن هذه السياسة بدأت تطلق براثن التضخم.

خطورة كبيرة

وقد تكون هذه البيانات أكثر خطورة إذا لم تكن عن هروب 60 مليار دولار من استثمارات الصناديق التحوطية في بريطانيا وجزر كاينمان ـ التي كانت في حاجة إلى تغطية مواقف أميركا في ذروة انهيار السيولة ـ وفق ما ذكرته صحيفة التلجراف البريطانية. وسألت البرافدا الروسية أندروجاكيوفيتش المدير المشارك لبرنامج ايكونوميك موبيلتي للتعليق على وضع الاقتصاد الأميركي حالياً وخفض أسعار الفائدة مؤخراً، فقال ان هذا الخفض قد يساعد ملاك المنازل الأميركية من خلال مرونة الرهونات العقارية الخاضعة لمؤشر السندات، والأميركيين الذين قد يفقدون منازلهم.

وثلاثة أرباع هؤلاء المقترضين أخذوا قروضاً بناء على سعر القروض بين البنوك في لندن، وهو الآن أعلى مما كان عليه من شهر أو من سنة، ولا يتأثرون بخطوة البنك المركزي الأميركي في خفض سعر الفائدة. وفي الوقت الذي حدث فيه تحسن في وضع انهيار السيولة وزادت لدى البنوك، فمن الواضح أن خفض سعر الفائدة سوف يترجم إلى ارتفاع جديد في نشاط الإقراض العقاري.

ومن دون رغبة في الحصول على قروض جديدة، فسوف يزداد تراكم المنازل التي لا تباع. والتراجع العام في سوق المنازل في أميركا له تأثيرات أوسع على الاقتصاد كله، كما رأينا التراجع الشديد في بناء المنازل الجديدة الذي قد يستمر فترة ما. وقد استخدم قطاع المنازل على مدى التاريخ كمؤشر لعودة الانتعاش الاقتصادي خلال فترات تراجع النمو، لكن ليس من المحتمل أن يساعد خفض سعر الفائدة على ذلك، وبدلاً منه لابد أن نركز على تدخل البيت الأبيض والكونغرس لدعم سوق المنازل وأسواق الرهونات العقارية الثانوية، وفي النهاية الاقتصاد بشكل شامل وفق ما قاله اندرو جاكوفيتش.

أزمة الأسواق تضع السياسة في مأزق

يواجه صانعو السياسات مهمة القيام بموازنة دقيقة في أعقاب الاضطرابات التي هزت الأسواق المالية في يوليو وأغسطس الماضيين، طبقاً لأحد كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي. يقول جيمي كاروانا، محافظ البنك المركزي الاسباني سابقاً ومدير إدارة النظم النقدية وأسواق رأس المال في صندوق النقد الدولي حالياً، إن على صانعي السياسات التأكد من عمل النظام المالي بشكل أفضل واكتسابه درجة أكبر من الشفافية، من ناحية، وأن يتجنبوا تطبيق قواعد تنظيمية إضافية وخنق الابتكار في الأسواق المالية، من ناحية أخرى.

وأضاف كارونا: «لقد أبرزت الاضطرابات المواضع التي ينبغي أن يركز عليها كل من صانعي السياسات والمؤسسات المالية الخاصة للعمل على ضمان الاستقرار المالي واحد من تكاليف التصحيح في الفترة المقبلة. وقال كاروانا، رئيس لجنة بازل للرقابة المصرفية سابقاً، إن «صانعي السياسات يواجهون مهمة القيام بموازنة دقيقة. فعليهم إعادة تقييم الأطر الاحترازية لتشجيع المستثمرين على الحفاظ على معايير الائتمان المرتفعة وتشجيع المؤسسات على تقوية نظمها المتبعة لإدارة المخاطر في أوقات الشدة والرخاء. وعليهم أن يحرصوا في الوقت نفسه على عدم تثبيط الابتكار المالي».

وصح بقوله: «ويجب على المؤسسات الخاصة أن تقوم بدورها في الحفاظ بشكل أفضل على الانضباط الائتماني طوال دورة الائتمان، وسوف تسهم بدور مهم في هذا الخصوص التطورات المستحدثة في أساليب إدارة المخاطر المرتبطة بالأدوات المركبة».

وأغدقت البنوك المركزية في عدة اقتصادات بمئات المليارات من الدولارات على النظام المالي اعتباراً من أغسطس الماضي مع انتشار مشكلات الائتمان التي بدأت بتزايد حالات التأخر في السداد في سوق القروض العقارية منخفضة الجودة في الولايات المتحدة انتشاراً سريعاً شمل أشكالاً أخرى من الديون على مستوى العالم وأصاب أسعار الأسهم بانخفاض حال، وانحصرت الاضطرابات منذ ذلك الحين، ولكن العمليات المنتظرة لشراء الحصص الكاملة لا تزال كبيرة ولا تزال مفضية إلى إعاقة التدفق في قنوات الائتمان.

وأشارت صورا كودريس رئيسة قسم بإدارة النظم النقدية وأسواق رأس المال، إلى أن أحد السبل الموصلة إلى التعافي هي تحسين الشفافية، فالأسواق التي يزداد فيها عمق المعلومات هي التي تسترد عافيتها بسرعة أكبر

ترجمة: أشرف رفيق