مع حلول الشتاء من كل عام تتجه العيون إلى مدينة أسوان (جنوب مصر) كواحدة من أهم الوجهات السياحية في ذلك الوقت من كل عام فالمدينة تعتبر من أكثر مدن مصر الجنوبية تمتعاً بأشعة الشمس الدافئة، كما أنها ذات طابع مميز وتزخر بالعديد من المقومات السياحية.
مساحتها الصغيرة التي يمكن قطعها سيراً على الأقدام وموقعها على النيل وما يوفره لها من مناظر رائعة تجعل إيقاع الحياة فيها بطيئاً يبعث على الاسترخاء. ويمكنك التجوّل على الكورنيش مستمتعاً بمشاهدة القوارب الشراعية تشق عنان السماء بصواريها الطويلة أو الجلوس في المطاعم العائمة وسماع الموسيقى النوبية وتناول الأسماك الطازجة.
هنا يكون النيل في أبهى صوره ينساب خلال صحراء رمالها كالكهرمان وصخور جرانيتية حول جزر من الزمرد تغطيها بساتين النخيل والنباتات الاستوائية ويمكنك القيام بجولة في السوق الذي يزخر بأغطية الرأس والسلال وتفوح منه رائحة التوابل والعطور. ولا يفوتك منظر الغروب البديع وأنت تتناول الشاي في شرفة فندقك. إن أسوان كانت وما زالت المنتجع الشتوي المفضل منذ بداية القرن التاسع عشر، وتعتبر المكان الأمثل للابتعاد عن كل ما يزعج من صخب.
وتزخر المدينة كما قلنا بالعديد من المواقع السياحية والتاريخية، فهناك متحف النوبة الذي يضم 3000 قطعة أثرية تمثل فترات تاريخية مختلفة مرّت على النوبة منذ عصر ما قبل التاريخ والعصر الفرعوني والعصر اليوناني والروماني حتى العصر القبطي والإسلامي. وفي المركز الثقافي بأسوان يقوم الراقصون والعازفون النوبيون بالرقص والعزف كل ليلة في ذلك المركز القريب من الكورنيش، وتعرض الفرقة الشعبية فيه مشاهد من حياة القرية كما تؤدي رقصات التحطيب النوبية الشهيرة.
حديقة نباتية
وهناك جزيرة النباتات الشهيرة وهي عبارة عن حديقة نباتية تزخر بالنباتات والأشجار المستجلبة من جميع أنحاء العالم، وهي أفضل مكان لقضاء أوقات العصاري في الاسترخاء تحت ظلال الأشجار الوارفة. أما جزيرة «إلفينتين» فقد سميت بهذا الاسم حيث كان صيد الفيلة وتجارة العاج منتشرين في هذه الجزيرة وجعلت صلابة أرض الجزيرة النيل ينقسم ويأخذ مجريين قبلة أسوان، ويمكنك التجول عبر القرى النوبية حتى المتحف الصغير الواقع داخل حدائق ذات ظل ظليل؛ بالقرب من هذا المكان يوجد مقياس للنيل الذي يرجع تاريخه إلى العصر الروماني.
كما توجد بالجزيرة أطلال الكثير من المعابد التي أقيمت بها، منها معبد «خنوم» الذي شيّد في عصر الدولة القديمة، وجبانة رومانية إغريقية ومعبد ساتت الذي شيدته الملكة حتشبسوت. كما يمكن للسائح أخذ فلوكة لمشاهدة ضريح أغاخان زعيم الطائفة الإسماعيلية الراحل لمشاهدة المقبرة من الخارج وهي موجودة أعلى الهضبة بالضفة الغربية ومصممة على طراز المقابر الفاطمية والضريح من الداخل مصنوع من الرخام المرمري وكان أغاخان يقضي الشتاء كل عام في أسوان وحديثاً دفنت بجواره زوجته البيجوم أم حبيبة.
وهناك دير الانبا سمعان الذي تأسس في القرن السابع الميلادي وأعيد بناؤه في القرن العاشر ليكون قاعدة ارتكاز للرهبان المبشرين حيث اعتنق النوبيون الديانة المسيحية ويوجد بالدير كنيسة ما زالت رسومها الجدارية باقية تمثل صور السيد المسيح والقديسين، وكان الدير يعتبر من أكبر الأديرة القبطية في مصر.
المسلة الناقصة هي مسلة طولها 41 كيلومتراً ووزنها يصل إلى 1150 طنا ومازالت المسلة موجودة في مكان اكتشافها بأخدود أثناء نحتها في الصخر، وهناك احتمال أنه كان المقصود أن تكون هذه المسلة رفيقة لمسلة لاتيرن التي كانت موجودة أصلا في الكرنك وحالياً في روما، وهي مثال حي ملموس للجهود والوسائل التي كان يستخدمها قدماء المصريين في نعت هذه المسلات. وبالقرب من هذا المكان توجد المقبرة الفاطمية التي تضم مئات المقابر المبنية من الطوب اللبن والتي ترجع للقرن التاسع الميلادي.
مقابر النبلاء.. ومعابد فيلة
وتزخر الهضاب الشمالية لضفة الغربية بمقابر النبلاء المنحوتة في الصخر منذ الدولة القديمة حتى العصر الروماني، وتضاء ليلاً بكشافات مستترة، ويمكن رؤيتها بجلاء من الضفة الشرقية للنيل عند أسوان، وفي الداخل يزين جدران المقابر نقوش بارزة تصور مشاهد من الحياة اليومية والسير الذاتية لهم ونقوش بالهيروغليفية تحكي رحلات النبلاء إلى إفريقيا.
وتقع معابد فيلة على بعد 8 كم جنوب مدينة أسوان تم تقسيم معابد فيلة وإعادة تجميعها في موقع جديد على جزيرة اجيليكا على بعد 500م تقريباً من مكانه الأصلي في أعقاب إنشاء السد العالي. وهو مكان جميل أعد ليكون مماثلاً للموقع الأصلي وقد خصص لعبادة الآلهة إيزيس وتضم أجزاؤه المتعددة معبد الحتحور وبيتا للولادة وصرحين، وكلها تمجد الآلهة الواردة في أسطورة إيزيس واوزيريس.
وتوجد بعد المناطق الأثرية التي أضيفت في عصور مختلفة ومن أجمل هذه المناطق في أسواق (كشك تراجان ـ بوابة هادريان ـ المعبد الروماني ـ وبيت الولادة ـ والقرية المسيحية) ويمكنك ليلاً أن مشاهده عروض الصوت والضوء، وهي تجربة شيقة حيث يعكس الضوء المباني والصخور البركانية على المياه التي تحيط المعبد.
كوبري أسوان المعلق
افتتح الكوبري في السابع عشر من شهر ديسمبر 2002 أول كوبري معلق على النيل يدخل الخدمة ويعتبر ثاني كوبري ملجم في الشرق الأوسط وهي فكرة فرعونية قديمة استخدمها قدماء المصريين منذ الأسرة الخامسة ساهم الكوبري في حل مشاكل المرور ويحقق انسياباً في الحركة المرورية وهو يربط شرق أسوان بغربها ويخفف الضغط فوق جسم خزان أسوان الذي يعاني ضغط وسائل النقل.
الرحلات اليومية من أسوان
من السهل الوصول من أسوان إلى كل من كوم امبو وادفو بالبواخر السياحية أو بالفلوكة أو الأوتوبيس أو سيارات الأجرة. ويقع معبد كوم أمبو على بعد 45 كم شمال مدينة أسوان. ومن الجولات المحبذة الذهاب بالقوارب إلى معبد حاروايريس وسوبيك (معبد كوم امبو) حيث يوجد هذا المعبد البطلمي الرائع في مكان مهيب على أرض مرتفعة بجانب النيل تحيط به حقول القصب.
ولأن المعبد مشترك بين كل من حاروايريس الطبيب الصالح وسوبيك إله التماسيح فهو مشهور بمدخليه المزدوجين والبهوين وقدس الأقداس. ومن النقوش ا لبارزة على ا لجدران رسم يبين معدات جراحية قديمة ومناشير عظام وأدوات لعلاج الأسنان. ويوجد بالقرب من ذلك المكان ثلاثة تماسيح محنطة وهي الآن في مقصورة حتحور.
معبد ادفو
وتقع ادفو على بعد 105 كلم من أسوان تقريبا إلا أنه يوجد بها أفضل معبد ظل مصانا من العبث في مصر. وهو من المعالم التي يحرص على رؤيتها كل المهتمين والشغوفين بالآثار. وقد أقيم المعبد على امتداد فترة حكم ستة من البطالمة، وكان مكرسا لعبادة الإله حورس، الذي له رأس صقر، وتم اكتشاف المبنى الرئيسي الذي يضم بهو أعمدة عظيم بمعرفة مارييت في عام 1860.
ويوجد العديد من النقوش البارزة، من بينها رسم يمثل عيد اللقاء الجميل الذي يتم فيه عودة الارتباط السنوي بين حورس وزوجته حتحور، كما يضم رسما بارزا فائق الجمال على السقف للالهه نوت في مقصورة رأس السنة، وهذا المعبد الذي ينافس في عظمته معابد الأقصر يحتوي أيضا على مقياس النيل وساحة للقرابين وصرح في مدخله.
النوبة
كانت النوبة في وقت من الأوقات مملكة قوش القديمة، في الأرض الممتدة بجوار النيل من أسوان إلى الخرطوم في الجنوب. وتوجد صور للنوبيين في كثير من النقوش البارزة فالرسوم الخاصة بالمقابر تصورهم عادة كأجير أو تجار، ومازال للنوبيين عاداتهم وتقاليدهم المميزة و هندستهم المعمارية ولغتهم، وإن كان الكل منهم قد هاجروا إلى أسوان وكوم امبو أو جنوبا إلى السودان بعد أن غمرت بحيرة ناصر جزءاً كبيراً من موطنهم الأصلي.
وتضم النوبة العشرات من المواقع ذات الأهمية الأثرية، وهناك 24 معبداً بالإضافة إلى بعض الحصون والمقابر كانت مهددة بمياه السد العالي من بينها دندور والليسيه وعمدا ووادي السبوع، وقد تم نقل معظمها من أماكنها وأشهرها معابد فيلة وكلابشة وابو سمبل. واليوم يمكنك الاستمتاع بركوب باخرة سياحية لتقوم بجولة في بحيرة ناصر لتستكشف النوبة الجديدة وترى المعابد التي كان من العسير مشاهدتها بسبب صعوبة الوصول إليها في السابق منذ بداية القرن التاسع عشر.
أبو سمبل
لا يقتصر المعبدان الموجودان في أبو سمبل على كونهما من أروع الآثار في العالم، بل كانت عملية نقلهما وإعادة بنائهما حدثا تاريخيا في حد ذاته، فعندما تعرض المعبدان (على بعد 280 كم من أسوان) للغرق في بحيرة ناصر بسبب إقامة السد العالي، حصلت الحكومة المصرية على مساندة اليونسكو وناشدت العالم للمشاركة في هذا العمل الكبير. وأثناء عملية الإنقاذ التي بدأت في 1964 واستمرت حتى 1968 تم فك المعبدين ورفعهما مسافة 60 متراً على صخرة من الحجر الرملي.
حيث كان المعبدان قد أقيما منذ ما يزيد على 3000 سنة، وتم نقلهما وتجميعهما من جديد في هذا المكان بنفس الوضع والمسافات والشكل السابق، كما أقيم جبل صناعي للتغطية، وقام خبراء الآثار بحشو الوصلات وسدها، إلا أنه يمكن من الداخل رؤية موضع تقسيم الكتل الحجرية. وبإمكان السائح دخول القبة الصناعية ورؤية معرض الصور الفوتوغرافية التي تبين المراحل المختلفة للمشروع العملاق لنقل المعبدين وتقدم ثلاثة عروض يوميا بالصوت والضوء بثماني لغات.
معجزة معمارية
إن التصميم الخاص بمعابد أبو سمبل فريد من نوعه، فالبرغم من أن المعابد المنحوتة في الصخور غير مألوفة في مصر فإنها موجودة بكثرة في النوبة، ومع ذلك لا يوجد مثال آخر خلاف هذين المعبدين التوأمين شيدا من أجل رمسيس وزوجته نفرتارى يندمجان معا ليشكلا مجموعة واحدة، ويختلف المعبدان عن جميع المعابد النوبية الأخرى في أنهما لم يتحولا أبدا إلى كنيسة بل تركا وشأنهما لم تمسهما الديانات الأخرى التي جاءت بعد إقامتهما.
حتى تم إزالة الرمال والكشف عنهما سنة 1817 ومن المناظر ذات الشهرة العالمية التي تفوق الخيال في قوتها وعظمتها صورة واجهة المعبد الرئيسي بتماثيلها الأربعة الضخمة والقرود المصطفة المهللة لشروق الشمس. ويقع المعبد الأصغر إلى الشمال من المعبد الكبير، نحته رمسيس الثاني في الصخر تكريما لإلهة الحب والجمال «حتحور» ولأحب زوجاته إلى قلبه «نفرتاري» وتزين واجهة المعبد ستة تماثيل واقفة: أربعة لرمسيس الثاني واثنان لزوجته نفرتاري.
ما زال بالإمكان أن تحس قوة الفرعون الاله في هذا البناء الذي يجسد البسالة والقوة العسكرية للفرعون، كما يجسد أيضا وبدرجة متساوية حبه لزوجته وأطفاله الذي ترمز إليه الزهور والرقة في تصميم المعبد الأصغر، وتصور النقوش البارزة الرائعة تفاصيل موقعة قادش ومصاحبة رمسيس ونفرتاري للالهة وهما يؤديان طقسا دينيا.
ومن العجيب أن أشعة الشمس مازالت تنفذ إلى قدس الاقداس في أعمال المعبد الرئيسي وهو ما يعرف بتعامد الشمس في نفس اليومين من السنة وهما: الثاني والعشرون والعشرون من أكتوبر الذي يوافق عيد تتويجه وجلوسه على العرش. ومن المحتمل أن يكون هذا التوقيت مرتبطا بالتوحيد الرمزي، عن طريق أشعة الشمس التي تضئ تمثالي رع حوراختي ورمسيس الثاني.
القاهرة ـ وجيه عبدالعاطي