يعيش المصوّر الصحافي حالة ارباك اثناء ممارسته المهنة، وهو يدرك جيداً ان نجاحه وبالتالي استمراره مرهون بقدرته على نقل الواقع بكل دهاليزه وتضاريسه إلى الشاشة المسطحة وإيصاله للمشاهد، ،ونراه في كل يوم ومع كل حدث امام تحد.. كيف يستطيع سرقة الحقيقة وإخفاءها في شرائطه، وتهريبها إلى الناس؟

كراسي بلاستيك

عام 1997 كان المصوّر أسامة يصوّر احدى المباريات الرياضية حيث خسر المنتخب السوري، فاحتج الجمهور وأخذ يحطم موجودات المدينة الرياضية، وكان أسامة الأقرب بين المصورين إلى المدرّجات،

وراح الجمهور يرميه بكراسي البلاستيك، ثم انهال عليه لاعبو المنتخب السوري بالضرب، وكان الوحيد الذي تدخل هو أحد زملائه فتقدم وسحبه من بينهم. بعد ذلك لوحق من قبل المخابرات بتهمة شتم سوريا. وظل يشعر أنه مطارد حتى تدخلت وكالة الصحافة الفرنسية التي كان يعمل معها، وتمّ حل المشكلة.

كذلك كانت هناك قضية شون كونري، حيث كان أسامة برفقة أحد الصحافيين البريطانيين الذي اخبره بوجود الممثل العالمي في فندق «فينيسيا»، فاتصل بزميل له وقصدا الفندق وبعد فترة انتظار نزل كونروي، وطلبا الإذن بالتصوير فجاء الرد أنه غير مسموح داخل الفندق،

فقال أسامة لزميله انه يمكن تصويره بالخارج، وفوجئا برجال الأمن ينهالون عليهما ضرباً، ويكسرون الكاميرات أثناء التصوير بالخارج، ويقول اسامة «بعد أن أكلت قتلة حرزان حملت آلتي المحطمة وذهبت إلى مخفر الدرك حيث رفعت دعوى، فتحركت دورية بناء لاذن من المدعي العام،

وطلبت تسليم العناصر الذين ضربونا، وجرى اعتقالهم، يومها تلقيت اتصالات من محامين كثر في لبنان ولندن يعرضون عليّ تمثيلي في الدعوى ضد فندق «فينيسيا»، وبناء لتدخل وسطاء توصلنا إلى تسوية تقضي بأن تعتذر ادارة الفندق، وتدفع لنا قيمة الآلات التي جرى تحطيمها. وجرى إقفال الملف».

عسّاف والسكاكين

طيلة 17 عاماً امتهن عساف مهنة التصوير كانت المشاكل رفيقته الدائمة،ويرى عسّاف ان الصورة وثيقة تساعد التحقيق على الوصول إلى الحقيقة. كما أنها بديهية في زمن الإعلام المفتوح، لكن المنطق الأمني يرى غير ذلك وأصحابه يظنون أن منع المصور من تسجيل حدث ما يؤدي إلى التخفيف من حدة ومأسوية هذا الحدث.

وأحيانا يتراءى لعساف أن المشكلة بالنسبة للأمنيين ليست في الحادثة نفسها بقدر ما هي في الإعلام الذي يحاول نقلها. وما دامت الذهنية المسيطرة هي على هذا النحو فسيبقى الخلاف قائماً، وسيظل المصورون في أخذ ورد مع رجال الأمن هم يدفعون المصورين بعيداً من المسرح، والمصورون يسعون لإلتقاط أكبر كمية ممكنة من الصور بأقل قدر ممكن من الكدمات.

يذكر عساف بأنه في أحدى المرات كان ماراً بسيارته في وسط بيروت، فشاهد زحمة بشر وقوى مسلحة. كان الطرفان في عراك، قبل أن يسأل ماذا يحصل، استل كاميراته وركض باتجاه الجموع، ،شاهد حينها بنادق وسكاكين وعصيا وآلات حادة أخرى كانت تتصارع في ما بينها،

لكنهم تناسوا بعضهم واتجهوا نحوه بمجرد رؤيته، خناجر المتظاهرين وبنادق رجال الأمن، فلم يتمالك نفسه وقال لأحد الضباط: «أرى أنكم تخافون الكاميرا أكثر من السكاكين». ومرة أخرى قادته تغطية احدى المباريات الرياضية إلى السجن، كان يغطي مباراة في كرة القدم، ولما انتهت سمع ضجة وصخباً في الجانب الخلفي من المدرج، توجه نحوها وأطل من فوق الجدار،

فرأى ساحة معركة حقيقية،الجمهور متخلياً عن روحه الرياضية دخل في معركة دامية، ورجال الجيش يحاولون الفصل بين المتعاركين، وما ان شاهده الضابط حتى صرخ به طالباً منه مغادرة مكانه، قبل ان يطلق عليه النار. «انا صحافي»،

قال له عسّاف مطمئناً، لكن قوله زاده توتراً وغضباً،وبأسرع من المتوقع احاط به الجنود، وتم وضعه إلى جانب مرتكبي الشغب، ونقل إلى السجن، ووجهت له تهمة الاساءة إلى القوى الأمنية، وصدر حكم بسجنه ثلاثة أشهر ، خفضت بعد الاستئناف إلى ثلاثة اسابيع، وقد نفذ الحكم كسائر المجرمين.

أعقاب البنادق

المصوّر علي يقول «مشكلة المصور الصحافي في بلادنا هي جزء من المشكلة العامة، نحن قوم نخاف من الحقيقة، ونبذل جهوداً كبيرة من اجل اخفائها، او تحويرها حتى تتلاءم مع رغباتنا، يحصل هذا في شتى مجالات الحياة، والبديهي ان يكون موجوداً في مجال الصحافة لا سيما المصورة منها، بسبب وقاحتها المفرطة، ذلك انها تسعى إلى تثبيت اللحظة وترسيخها،

حين يكون هدف الآخرين محوها من الذاكرة واعتبارها لم تكن. كثيرة هي اللحظات التي تواطأنا على ازالتها من تاريخنا، ورفضنا الاعتراف بآثارها وتداعياتها، وأكثر منها الصور التي لم تمنح فرصتها في الخروج من رحم الكاميرا او هي خرجت مشوهة

تشير إلى غير دلالاتها الواقعية، بل تتناقض معها، لذلك كان منطقياً ان نبقى اسرى النيغاتيف، في مسيرنا ومصيرنا، وان تكون السلبية هي التعبير الادق عند سلوكنا، وادائنا، حتى كادت تصبح بعض قيمنا ومثلنا العليا».

بيروت ـ هوفيك حبشيان