تعاني العملات المعدنية الصغيرة من فئة الفلس والخمسة والعشرة فلوس والتي تأتي باللون النحاسي من تجاهل كبير سواء من قبل المتسوقين أو التجار مع أن الغالبية يدركون أن هذه العملة التي يتجاهلها الكثير لصغر قيمتها قد تكون ملايين الدراهم وبحسابات بسيطة وعلى المدى القصير.

وعلى الرغم من تأكيدات المصرف المركزي على توفير العملات بكافة أنواعها وأنها متداولة في الأسواق إلا أن الكثيرين يدعون عدم وجودها في البنوك وتتضارب تبريرات التجار حول عدم التعامل بهذه العملة أو عدم الاكتراث بها،

ومدى إصرارهم على وضع الأسعار على معظم المنتجات التي تعرض للبيع باستخدام هذه العملات، وتجد قيمة السلة تزيد عشرة أو خمسة فلوس أو تنقص عن فئة الدرهم بخمسة أو عشرة أو خمسة عشر وفي أحيان عشرون فلسا، ما يعني أن التاجر يعلم تماما أن هذه القيمة البسيطة مهمة وبداية لتكوين مبالغ كبيرة.

«البيان الاقتصادي» استطلع آراء عدد من رجال المال والقانون والمستهلكين والحقوقيين عن هذه العملات الصغيرة ومدى أهميتها وهل من حق التجار أن يتجاوزوها أو يسعون إلى تجاهلها على الرغم من أهميتها وتوفرها خاصة أنها في النهاية الأمر لو جمعت تكون الملايين من الدراهم يمكن أن يستفاد منها. وأشار البعض أن من الضروري أن توجه هذه المبالغ إلى الجمعيات الخيرية أو ذات النفع، وأن يلتزم التجار بمزيد من المسؤولية وعدم استغفال المتسوقين بحسب تفسيرات البعض.

توفر العملات

بداية يقول الدكتور إبراهيم الشال رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الإمارات إنه من الغريب عدم توفر مثل هذه العملات الصغيرة في المحلات والمراكز حتى أنه يجزم بأنه لم يشاهدها على الإطلاق.

وقال إن الإشكالية ليست في التاجر بل تتعلق بأفراد المجتمع الذين يتغاضون عن استرداد الأجزاء الصغيرة من هذه العملات من مبدأ الاستحياء عن المطالبة بها لقيمتها الضئيلة وهم لا يفقهون أنها أساس لتكوين المبالغ الكبيرة، فالمليون يبدأ بالفلس.

واقترح أن تستغل هذه الفلوس لمصارف ذات جدوى اجتماعية كالجمعيات والمؤسسات الخيرية، بدلا من ضخها ضمن بند الأرباح التي يحققها التجار، وطالما أن التاجر أو المؤسسة أو الجهة وضعت أسعاراً تشمل هذه العملة فمن باب أولى أن توفر هذه العملات للمتعاملين معها،

على الرغم أن البعض يوفر بعضا من الحلويات الرخيصة ويعطيها للمستهلك بدلا من الفلوس وهنا أتساءل: هل المصرف يدفع مبالغ كبيرة لصك هذه العملات لمجرد وضعها في الأدراج أو توزيعها كعملات تذكارية، علما أننا لا نستطيع أن نغفل أهميتها التي تتكون على المدى البعيد.

غش وسرقة

من جانبه، توجه محمد سعيد النيادي مدير قسم التدريب بغرفة التجارة والصناعة بالعين اللوم على الطرفين التاجر والمستهلك، قائلا أنا ألوم المستهلك من جهة والتاجر من جهة أخرى، وأرى أن سعي التاجر إلى عدم توفير هذه العملات الصغيرة يعد نوعا من السرقة أو الغش واستغفال المستهلكين،

وألوم المستهلك كونه يستحي من طلب ما تبقى له من هذه الفئات كي لا يوصف بالبخل أو الحرص، ويرى أن المطالبة بها يوقعه في دائرة الاستغراب من قبل المتواجدين لحرصه على استردادها، وهذا لا معنى له سواء أننا بحاجة إلى مزيد من الثقافة الاستهلاكية التي تمكن الأشخاص من استيعاب ماذا يعني التهاون بالحقوق.

ويضيف أن التجار في غالبية المحال والمتاجر يضعون أسعارا تشمل الفلوس ما دون الربع درهم بمعنى انك تجد السلعة على سبيل المثال إما دون الربع درهم بمعنى أن المتبقي يكون أقل من الربع درهم وبالتالي لن يطلبها المستهلك أو تزيد على الخمسة فلوس

وبالتالي يكون المسترد من ما بعد الربع درهم، وبالطبع هذا تحايل واضح وضع على انه فن من فنون التسويق كي تقل القيمة في نظر المستهلك، وبالتالي يقبل على الشراء أو بهدف التنافس وإيهام المستهلك أن سعر المنتج اقل من المراكز الأخرى.

والواقع أن المستفيد الوحيد من هذه الفلوس أو كما تدعى بالأجزاء الصغيرة التي هي بداية لأموال طائلة هم التجار، وإن اكدوا على غير ذلك فهي اموال مهدورة، فبحسبة صغيرة عندما نحسب على سبيل المثال أحد المراكز المعروفة بالدولة

والذي يملك فروعا كثيرة ويصل عدد مرتاديه في اليوم الواحد إلى مئات الآلاف ولنأخذ على سبيل المثال، خمسون ألف متسوق في اليوم الواحد لو ترك كل واحد منهم خمسة عشر فلسا للمركز التجاري سيكون الناتج 7500 درهم يوميا تضخ ضمن أرباح هذا المركز، و في نهاية الشهر على أساس ثلاثين يوما يكون لدينا مبلغ يصل إلى مئتين وخمسة وعشرين ألف درهم،

وفي نهاية العام يكون لدينا قرابة 2 مليون وسبعمئة ألف درهم، لك أن تتخيل مبلغا مثل هذا بدءا من 15 فلسا تركها خمسون ألف مستهلك في اليوم الواحد على الرغم ان البعض يترك عشرين فلسا والآخر خمسة عشر وآخرون عشرة فلوس وشريحة خمسة فلوس، ورقم المستهلكين اكبر من هذا الرقم ويتفاوت بحسب أيام الأسبوع.

إذن لابد أن يكون هناك وعي لدى المستهلك بقيمة هذه العملات الصغيرة وعلى الجانب الأخر رقابة ذاتية لدى التجار وسعي من الجهات أو الجمعيات ذات النفع العام أو الجمعيات الخيرية للتوعية بأهميتها من جهة،

والزام التاجر على تحويلها إلى الكثير من المصارف الإنسانية، وأن لا يدفعها التاجر على أساس أنه مشاركة تطوعية منهم لأن هذه الأموال ليست لهم ولا يملكون الحق الذي يجعلهم يتصرفون بها على أساس أنها من مبدأ المشاركة في المسؤولية الاجتماعية.

أموال تهدر دون دراية

يعتقد عيسى الشامسي المدير المالي لجمعية أصدقاء البيئة أن العملات الصغيرة تشهد إعراضا كبيرا من قبل التجار من جهة، إذ يعمدون إلى إخفائها على الرغم من استخدامها في الكثير من السلع التي تعرض للجمهور،

والمستهلك دون دراية لا يطالب بها لأنه يجزم بعدم فائدتها او تداولها في مرات قادمة، وبالتالي نجدها تهدر بشكل واضح، وأنا هنا لا أفترض سوء النية ولكن أتمنى أن يعي المستهلك أهمية أن يسترد هذه العملات وأن يبادر إلى وضعها في أحد صناديق الجمعيات الخيرية.

وأضاف أن المستهلك يستهين بقيمة هذه العملات والتاجر يستحسن هذا السلوك مع العلم أننا لو فرضنا أن لدينا مئتي ألف مستهلك في اليوم الواحد يتركون 20 فلسا، فسيكون لدينا في آخر العام مبلغ يقارب خمسة عشر مليون درهم،

ولنا أن نفكر في مبلغ بهذه القيمة عندما يوجه لجمعيات خيرية أو ذات نفع عام، بالتأكيد أن هذا سيحل بعضا من الإشكالات المالية التي تعاني منها بعض هذه الجهات. وعلينا أن لا نغفل سؤالا مهما حول من هو المسؤول عن توعية المستهلك ودفعه إلى المطالبة بحقوقه وإن كانت بسيطة.

430 مليوناً قيمة العملة المعدنية بالأسواق

وحول عدم توفر هذه العملات في الاسواق والمراكز التجارية، يؤكد فهد أحمد الحوسني مساعد المدير التنفيذي بدائرة العمليات المصرفية بالمصرف المركزي على أن المصرف يوفر كل العملات المتداولة والرسمية ومن ضمنها العملات الصغيرة من فئة الفلس والخمسة والعشرة فلوس والتي تأتي بلون نحاسي، و المصرف يوفر أي طلب من العملات مهما كان نوعها

وبالتالي لا يحق لأي من التجار أو الذين يتداولون بالعملات الصغيرة ادعاء أنها غير متوفرة بالبنوك ففي حال ما طلب أي من البنوك من المصرف توفير عملة فإننا نسعى إلى توفيرها بغض النظر عن قيمتها أو فئتها وبالتالي نحن نؤكد على أن ادعاء البعض عدم توفرها غير صحيح، أضاف إلى ذلك أن العملات تصدر كل ثلاث الى أربع سنوات ما ينفي تماما زعم البعض عدم توفرها.

وعن العملات المعدنية المتداولة في السوق أشار الحوسني إلى أن قيمة المصكوكات المعدنية المتوفرة في السوق تبلغ قيمتها 430 مليون درهم، وأكد الحوسني على أن السبب في عدم الاهتمام بالعملات الصغيرة المتداول بها يعود إلى التضخم وانخفاض القيمة الشرائية للدرهم الذي أدى زيادة حجم العملات الكبيرة وانخفاض الفئات الصغيرة،

وأضف إلى ذلك أن الغالبية العظمى أن لم تكن كل الأجهزة الالكترونية تتعامل بفئة الدرهم فقط، وعلى الرغم أن الكثير من الدول وخصوصا الأوروبية تشهد نشاطا واضحا في تداول الوحدات والأجزاء الصغيرة من العملات المعدنية، بسبب سياسات التسويق للكثير من السلع التي تستدعي زيادة الطلب على الفئات الصغيرة.

وأشار الحوسني إلى أن المصرف تلقى عدة شكاوى منذ عدة سنوات حول عدم توفير العملات أو الأجزاء الصغيرة من فئة الفلس والخمسة والعشرة فلوس في أحد مراكز البيع الكبيرة، وتوجه هو بنفسه حينها للتأكد من صحة الشكوى، واشترى سلعة بقيمة 90. 5 دراهم وعندما دفع قيمتها طلب استرداد العشرة فلوس،

ولكن المحاسب ادعى عدم توفيرها من قبل المصرف وعندما كشف عن هويته، لمدير المركز أكد على توفر العملات الصغيرة في بعض نقاط البيع، ولكن الواقع انها غير متوفرة على الإطلاق، والإشكالية هنا تقع على أصحاب المراكز الذين لا يوفرونها على الرغم من توفرها.

مسألة قانونية

ويحذر الدكتور هاشم سعيد النعيمي مدير إدارة حماية المستهلك بوزارة الاقتصاد التجار من رفض إرجاع باقي العملة للمستهلكين قائلا نحن ممثلين بوزارة الاقتصاد نحذر من عدم التعامل بالعملات أو الأجزاء الصغيرة من فئة الفلس والخمسة والعشرة فلوس الطرفين قاصدا المستهلك و التاجر لاسيما وأن العملة متوفرة، مؤكدا على أنه فيما ثبت أن أحد التجار رفض إعطائها بدون وجه حق

فإن ذلك يعرضه للمساءلة القانونية، هنا يأتي الدور على المستهلك الذي يجب عليه الحرص على استرداد ما يتبقى له من عملات صغيرة وفي حال تسلمها هنا له الحرية في الاستغناء عنها أو منحها لموظف الحسابات «الكاشير» أو ليفعل بها ما يشاء لأنه تسلمها وبالتالي هي ملك له، وله الخيار في التصرف بها كيف شاء.

وأضاف النعيمي قائلا ينبغي على التجار الذين يتعاملون بالكاش ضرورة توفيرها لعملائهم، لان عدم توفيرها قد يوقع التاجر تحت بند التحايل أو الغش للاحتفاظ بهذه الأجزاء التي تتكون عنها في نهاية الأمر مبالغ كبيرة، ونحن بشكل عام نحرص على عدم استغلال المستهلك بل ونحارب ذلك.

وأكد النعيمي على ضرورة أن تكون هناك قنوات لتوعية المستهلك بحقوقه، بل والعمل على رفع مستوى الوعي الاستهلاكي لدى الأفراد، مشيرا إلى أنه لا فرق بين العملة الصغيرة أو الكبيرة وهي في نهاية الأمر تكون البداية لتكوين الملايين.

شكاوى إخفاء العملة

ويؤكد محمد موسى الجاسم رئيس مجلس إدارة جمعية حماية المستهلكين على تلقي عدة شكاوى من المستهلكين ذكر أصحابها أن بعض المراكز التجارية لا تتعامل بفئة الخمسة والعشرة فلوس وتم مخاطبة هذه المراكز بمكاتبات رسمية ووجدنا منهم تجاوبا وأدعى البعض منهم أن هذه العملات لا تدخل ضمن بند الأرباح في حساباتهم

مؤكدين على أن المستفيد منها هو المحاسب «الكاشير»، وأيا كان المستفيد منها لا يمكن ان نغفل أن هناك عملة لا تتداول وينتج عنها تكون مبالغ مالية كبيرة في نهاية العام، كان من الممكن الاستفادة منها فيما لو جمعت بشكل صحيح وبتعاون ما بين المستهلك والتاجر، مع العلم أنه من الصعوبة أن نكون جهة رقابية على مراكز البيع في الدولة

وهي بالآلاف ولكن ندعو هنا المستهلكين إلى ضرورة لعب هذا الدور الرقابي والتعاون من أجل حمل التاجر إلى توفير هذه العملات وتداولها ويمكن وضعها في الصناديق التي توفرها الجمعيات الخيرية بالقرب من المراكز التجارية .

وأضاف الجاسم قائلا ذهاب التاجر إلى وضع تسعيرات تشمل الفلسات يعني أن عليه توفير هذه العملات طالما أنه وضعها وهذا أمر طبيعي ولا يحتاج إلى مطالبات أو مناشدة للتجار، لأن وضع التسعيرات بهذه الطريقة يحتاج إلى إعادة نظر.

عملات معدنية

فئة الدرهم المعدني يوجد بالأسواق منها قرابة 340 مليون درهم وبنسبة تصل إلى 79 في المئة من حجم النقد، والنصف درهم قرابة 60 مليون درهم أي 120 مليون قطعة معدنية من فئة الخمسين فلسا وبنسبة تصل إلى 14% من قيمة النقد المعدني المتداول، و28 مليون درهم من فئة الخمسة وعشرين فلسا،

أي ما يصل إلى 112 مليون قطعة معدنية بنسبة تصل إلى 7% تقريبا، و3. 6 ملايين درهم من فئة عشرة فلوس ذات اللون النحاسي أي 36 مليون قطعة معدنية، و1. 6 ملايين درهم من فئة خمسة فلوس، أي 32 مليون قطعة معدنية من هذه الفئة تتداول في الأسواق، ومن الفئة الفلس الواحد 28 ألف درهم،

أي 2 مليون وثمانمئة ألف قطعة متداولة في الأسواق، ونسبة الفئات النحاسية الصغيرة من الفلس والخمسة والعشرة الفلوس 1% من قيمة النقد المعدني الذي أصدره المصرف المركزي.

حل ماليزي

وضعت ماليزيا نظاما رائعا يقوم على تبادل العملات الصغيرة من فئة الفلس بين المستهلكين أنفسهم، لذلك خصصت صناديق وضعت على مراكز المحاسبة «الكاشيير» وتفتح من جهة المستهلك. ويستفيد من هذه العملات المستهلكون وحدهم، فعندما يدفع المستهلك

ويتبقى له فلوس قليلة يضعها في الصندوق، عندما يأتي مستهلك آخر ويحتاج إلى عدد بسيط من الفلوس يتناولها من الصندوق، وهكذا أصبحت عادة يتعامل بها جميع المستهلكين تحكمها ثقافة استهلاكية تبث روح التكافل بين الجميع.

تحقيق وتصوير: سليم المستكا