غداة اندلاع حرب يوليو بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، استل المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي الكاميرا، وراح يلتقط كل ما استطاع التقاطه، بدءاً من بيروت وصولاً الى قرى جنوبية عدة، حيث جال مصوراً بأسلوب ارتجالي. فعاد من هناك بفيلم سماه «تحت القنابل» عن قصّة امرأة تبحث عن ولدها الضائع أثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان، بعدما تعقّب مشوارها الطويل عبر مناطق لبنانية حولتها الحرب ركاماً فوق ركام.
ولم تنقص مخرج «بوسطة» الجرأة والمهارة في الاستفادة مما أتيح له بالمجان، أي ذلك الديكور السينمائي «الخلاّب» الذي وضعه الإسرائيليون واللبنانيون في ختام 33 يوماً من الحرب العبثية. لكن أهمية الفيلم كامنة في الأسئلة التي يثيرها، ولعل أهمها: من أجل ماذا هذا الخراب النفسي والمادي كله؟ وممّا لا شك فيه أنه سيبقى اسم عرقتنجي طويلاً في التاريخ السينمائي اللبناني، لكونه أكثر مَن جعل الحرب تدين نفسها بنفسها. التقينا عرقتنجي في بيروت وكان معه الحوار الآتي:
* يقتصر توزيع الادوار في «تحت القنابل» على جورج خبّاز وندى أبو فرحات وممثليَّن آخرين يلعبان أدواراً صغيرة. لكن ما عدا هؤلاء، فالممثلون الباقون من غير المحترفين...
ـ بل إنهم أشخاص عاديون صورناهم في وظائفهم الحقيقية. حتى الذين نراهم في أدوار جيش لحد، لم يكونوا ممثلين، بل أناساً كانوا ينتمون فعلاً الى جماعة لحد، فأعطيناهم نصّاً مكتوباً قالوه قبالة الكاميرا. وعندما جاء الحوار على ألسنتهم بدا وكأنهم هم من كتبوه، وتبين أن أبحاثنا في هذا الشأن بالغة الدقّة. ثمة جملة، على سبيل المثال، عبّروا عن عدم رضاهم عنها، لأنها، بحسب رأيهم، لم تكن شبيهة بحواراتهم.
فقررنا تغييرها. سأعطيك مثالاً آخر: الفتاة التي تقول لأخرى «شقيقتك توفيت»، تستخدم عبارة «أختك صعدت إلى الجنّة... أنا المسيحي، لو تفرّدت في كتابة هذه الحوارات، لما كنت قادراً على جعلها تبدو حقيقية وصادقة إلى هذا الحدّ. فأسلوبي التعبيري مختلف. هذا ما جعل الحوارات تبدو حقيقية، مع الاعتراف ان هذا ساهم في أن يترجح الفيلم بين الوثائقي والروائي، فمرّة يطغى الروائي على الوثائقي ومرّة أخرى يحصل خلاف ذلك.
* لكن، ما الذي حثّك على تصوير «تحت القنابل»؟ وماذا عن ظروف عملية التقاط المشاهد؟ ـ هذا الفيلم تحيّة للذين فقدناهم في هذه الحرب الشرسة. هم نادوني وشكلوا حافزاً لي. تخيل أن تكون بازاء وضع مماثل: عشرات يموتون كلّ يوم وتجد نفسك مسمّراً في بيتك وليس من حيلة في يدك. ثمة شيء في داخلي كان يحثني على عمل شيء ما. كان لي خياران، لا ثالث لهما: إما أن أسلّم نفسي لمنطق الكراهية، وإما أن أنجز شيئاً مماثلاً لما أنجزته.
اخترت هذه الطريق لأنني سبق أن اختبرت الكراهية في أعمالي الوثائقية ولم تجدِ نفعاً. أقصد كراهية الآخر، هذه الكراهية التي اختبرتها وعشتها، قبل أن التقي هذا الآخر وأكتشف انه لا يختلف عني كثيراً. أقحمنا في هذه الكراهية رغماً عنّا. فهذه ليست المرّة الاولى أو الثانية والثالثة التي نعيش فيها حرباً ضروساً في لبنان. أهم عبرة ينبغي أن نستخلصها من هذه الحرب هي أن الضحايا هم دوماً المدنيون العزل والبسطاء الذين لا شأن لهم في التجاذبات السياسية الحاصلة في بلادنا. إذاً، هذه كانت أهدافي عندما باشرت التصوير.
* هل تعتقد ان أي فيلم يجب أن يكون قريباً من الحدث الى هذا الحدّ؟ ـ لا. أقول هذا برغم أنني أنجزت فيلماً عن حرب يوليو بعد أقل من سنة على اندلاعها. المسافة مطلوبة وضرورية في السينما. الريبورتاج أكثر تلاؤماً من السينما عندما يتعلّق الامر بمرافقة حدث. جاءتني فكرة هذا الفيلم في 14 يوليو، اي بعد يومين على اندلاع الحرب. في الواحد والعشرين من الشهر نفسه كنت قد شرعت في التصوير، وأنجزت تحديداً مشهد الباخرة التركية التي وصلت الى مرفأ بيروت لاجلاء رعاياها الاتراك.
بعد وقت قليل من انطلاقي في التصوير، وكوني أحمل الجنسية الفرنسية، اتصلت بي السفارة الفرنسية لابلاغي بأنها على استعداد لترحيلنا الى فرنسا. عندما وصلت الى العاصمة الفرنسية وجدنا ممولاً. كتبت ملخصاً لما أريد أن انجزه، وقلت فيه انني أرغب في التصوير في مراحل عدّة. احدى هذه المراحل هي المرحلة العفوية التي نرى فيها الجسور المهدمة والنازحين من المناطق الجنوبية. بعد اتمامي هذه العملية، كان ينبغي لي منتجة المادة المصوّرة واعطاء الشخصيات تبلوراً درامياً، ومنح الفيلم عمقاً ما.
لا شيء مما تراه في المحصّلة النهائية كان مكتوباً على ورق؛ لم آخذ سوى بعض الملاحظات التي يمكن اختصارها في ورقتين. في الواقع، لم نكن نعلم أين نحن ذاهبون. كان من الضروري العمل في مثل هذا المناخ. ثم بدأت بالكتابة، ويمكنني القول إنني كتبت بسرعة كبيرة لحاجة لدي الى التعبير واظهار ما يحصل لنا. كنا نريد أن يعلم الجميع مدى «الخبطة» التي تلقيناها. ثم، باشرت التصوير مجدداً في شهر يناير من السنة الماضية ومطلع هذا العام، مفسحاً المجال أن أبتعد قليلاً عن الحدث، كي أتجنب إعطاء الشريط مناح بروباغاندية. طبعاً، هذا لا يعني ان الفيلم خال من وجهة النظر، لكنه لا يرضي مزاج فريق على حساب فريق آخر، ويرفض أن ينضّم الى معسكر أحد، الفيلم يقف الى جانب اللبنانيين خصوصاً الضحايا منهم.
* في مهرجان البندقية السينمائي، حظي الفيلم باستقبال لافت، حيث دام التصفيق له نحو عشر دقائق في صالة ملأها 800 مشاهد. ـ هذه الحفاوة جعلتنا نخجل، لم أستطع حبس دموعي إثر عرض الفيلم في البندقية، لم تكن دموعي نتيجة شعوري بالفخر. لم يكن ممكناً التفاخر بهذا الفيلم. ما العظمة في هذا كله؟ لا أستطيع أن أشكر الاسرائيليين لل«ديكور» الذي صنعوه في بلادي. أين مهارتي في هذا الموضوع؟ براعتي تكمن في كوني استطعت أن أركب هذا الفيلم.
* هل ساعدك مهرجان البندقية في إطلاق الفيلم عالمياً؟ ـ مهرجان مثل البندقية قادر على منح شهادة مفادها أن الفيلم صالح للمشاهدة. بعد عرضه في هذا المهرجان، زاد عدد الذين أرادوا شراء الفيلم. يسرّني أن يرى الناس «تحت القنابل». كشعوب تعيش الحروب عن كثب، يجب أن تأخذ وجهة نظرنا في الاعتبار. من ناحية، هناك أميركيون يعتدون ومن ناحية أخرى هناك العرب الذين يتلقّون الضربات.
بيروت ـ هوفيك حبشيان
