أحال اكتتاب شركة موانئ دبي العالمية مركز دبي المالي العالمي إلى ما يشبه مهرجانات التسوق التي تعج بالحركة والحيوية وكثرة المتسوقين، ولكن التسوق ـ إذا جاز التعبير ـ في المركز من نوعية تختلف عن مهرجانات التسوق العادية، سواء من حيث نوعية الأشخاص المترددين أو المنتجات المعروضة أو حتى القواعد المتبعة في إنجاز الصفقات.
ولكن يبقى القاسم المشترك هو تدفق المترددين على نحو غير عادي، وتقاطر الأعداد الضخمة على الانضمام والمشاركة للاستفادة من ما هو متاح من مزايا وفرص، وأشر هذا الإقبال الكبير على دخول الإمارات مرحلة أكثر رحابة واتساعاً صوب تأكيد دورها كفاعل مالي عالمي يخاطب المستقبل ويتعامل مع الضرورات.
ومبعث إلصاق هذا التشبيه بالمركز، هو ما يشهده في الوقت الحالي من تدفق غير عادي لكبرى المؤسسات المصرفية والمالية في العالم، الأمر الذي دفع بعض المحللين إلى تصوير مثل هذا الوضع على أنه بمثابة تدفق جماعي للمؤسسات الاستثمارية على مختلف مشاربها وأوزانها،
وهو ما يؤكد قناعة المراقبين بأن مركز دبي المالي وبورصة دبي العالمية حفزا البعض على الاعتقاد بأنهما صارا قريباً من هدفهما الرامي إلى إرساء مكانة عالمية أسوة بمراكز المال في لندن ونيويورك وطوكيو، وذلك في ظل أجواء التفاؤل بأن الاكتتاب الأولي لأسهم شركة دبي العالمية يشكل مجرد حلقة في سلسلة حلقات من الاكتتابات لشركات محلية من العيار الثقيل.
توقيت مثالي
ويرى المراقبون أن توقيت طرح اكتتاب شركة موانئ دبي العالمية يعد مثالياً بكل المعايير، حيث انه تزامن مع صعود أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وهو ما أغرى بعض المحللين على الاعتقاد بأن الإمارات تعمل على توفير الأوعية الاستثمارية لجذب هذه السيولة الضخمة.
ملأ مركز دبي المالي العالمي وبورصته الدولية فراغاً عانى منه أصحاب الثروات العربية لعقود، وهو غياب وجود مركز مالي عربي يضع ضمن أولوياته خدمات إدارة الأصول والثروات، وهو ما جعل بوصلتهم تتجه تلقائياً إلى عواصم المال في الغرب، وذلك رغم الجدل المثار دوماً حول ما درجت الأدبيات العربية على توصيفه «بالأموال العربية المهاجرة»،
وعجت هذه الأدبيات بالمقولات التي تزج بأصحاب هذه الثروات في قفص الاتهام، الأمر الذي رسخ القناعة لدى هؤلاء بأن إدارة ثرواتهم بعيداً عن هذه الأرض المترامية الأطراف، هو الضمان لشعورهم بالاطمئنان على أموالهم، وهكذا ظهرت فكرة توطين رؤوس الأموال العربية على انها مجرد خيال محض لا تمت للواقع العملي بأية صلة.
ورغم تباين التقديرات بالنسبة لحجم الأموال العربية المهاجرة والتي تتراوح بين 800 مليار دولار أميركي إلى 3 تريليونات دولار أميركي، إلا أن الأهمية الكبرى لمثل هذه الأموال تكمن في حاجة الدول العربية إليها لتمويل مشاريعها التنموية
التي يعول عليها كثيراً في دفع عجلة التنمية في العالم العربي الذي يعاني من نقص شديد في معدلات الاستثمار، وما يرتبط بها من مضاعفات تؤثر سلباً على الخدمات العامة كالتعليم وصحة فضلاً عن النقص الحاد في مشاريع التي من شأنها أن تساعد في محاربة آفتي البطالة والفقر.
السيولة النقدية
وتفيد تقديرات بعض المحللين أن الدول الخليجية جنت مكسباً من صادراتها النفطية خلال الفترة 2002 ـ 2006 يصل إلى 5. 1 تريليون دولار، وسجلت الدول المصدرة للنفط بحسب تقديرات مؤسسة «جلوبال انسيت» عائدات نفطية قيمتها 650 مليار دولار في عام 2006 بمفردة، بزيادة نسبتها 22% عن مستوى العائدات في عام 2005،
وهو ما يوازي ضعف العائدات المتحققة في عام 2004، وتفيد توقعات المؤسسة بأنه من المقدر أن تحقق هذه الدول عائدات مع استمرار النفط المرتفعة، وتتنبأ مؤسسة جلوبال انسيت بأن منطقة الشرق الأوسط سوف تشهد نمواً نسبته 4. 5% في عام 2007، و7. 5% في عام 2009.
وتتفق آراء المحللين بأن الإمارات سوف تلعب دوراً حيوياً في تعظيم عوائد الدول المنتجة للنفط من السيولة الضخمة التي تمتلكها، وأن طرح شركة موانئ دبي العالمية يجسد النهج الذي تتبعه الدولة في توفير أوعية استثمارية قادرة على استيعاب هذا الحجم الضخم من السيولة، وذلك في ضوء ما يتمتع به مركز دبي المالي من مميزات تجعله مقصداً مثالياً للسيولة الخليجية، وتتمثل هذه المزايا في التالي.
وقد بدأ الاكتتاب على أسهم شركة موانئ دبي العالمية وسط توقعات بأن يشكل هذا الاكتتاب نقطة تحول في إعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال والصفقات خارج وداخل المنطقة، وأن تعمل كعامل محفز على توليد الثروة بما يفيد أسواق المال الأخرى في المنطقة والأفراد والشركات. وتستند هذه التوقعات إلى ما تتمتع به بورصة دبي من أنظمة للتداول وبنيان تشريعي وتنظيمي يضاهي تلك الموجودة في البورصات العالمية.
يقدر محللون أن بورصة دبي ستعمل على جذب القسم الأكبر من رأس المال السائل في المنطقة والتي تزيد قيمته على تريليون دولار، ودللوا على ذلك بأن المواطنين الإماراتيين الأثرياء الذين اعتادوا استثمار أرباحهم من النفط والتجارة في الخارج سيعملون على الاستفادة من فرص الاستثمار التي تتيحها بورصة دبي الدولية.
وتتردد معلومات بأن بورصة دبي الدولية تخطط لأن تستقطب 10% من الشركات الإماراتية لكي تطرح أسهمها للتداول فيها، وتتحرك على هذا المسار وهي مجهزة بالعديد من المزايا التي تجعلها مقصداً مثالياً لمختلف المنتجات المالية، وتتمثل في التالي:
أولاً، ان اللوائح التنظيمية والقوانين والتشريعات تنسجم مع أفضل الممارسات الدولية المطبقة في هذا المجال، لكي يتسنى جذب كبريات المؤسسات المالية في العالم، حيث تم وضع هذه القوانين على أساس نماذج القوانين المطبقة في المراكز المالية في المملكة المتحدة وسنغافورة.
بحيث يتكامل هذا الإطار التشريعي العالمي المستوى، مع القوانين الشاملة لمركز دبي المالي العالمي، مما يوفر للمؤسسات المالية التي تختار العمل انطلاقاً من المركز بيئة عمل مألوفة لها، كما يمنحها الثقة القانونية بسلامة البيئة التي تنشط بها.
علاوة على أن يكون الإطار القانوني للمركز منسجماً مع المعايير السارية في منظمات كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «أوسيد» ومنظمة «قوة مهام العمل المالي» المختصة بمكافحة غسيل الأموال، واتفاقية بازل 2.
ثانياً: أن مركز دبي المالي العالمي يتمتع بسلطة قضائية وقانونية مميزة، تكفل له بأن يصبح جهة منظمة تتمتع بالاستقلالية التنظيمية، وبحيث تشكل استقلالية سلطة دبي للخدمات المالية المحور الأساسي لمفهوم مركز دبي المالي العالمي مع التنسيق الكامل مع الجهات التنظيمية في الداخل.
ثالثاً: ان قوانين المركز تغطي مختلف العمليات والأنشطة، وتشمل: القانون التنظيمي، قانون الشركات، قانون تطبيق التشريعات المدنية والتجارية، والقانون المتعلق بتطبيق تشريعات مركز دبي المالي العالمي وقانون شركات المسؤولية المحدودة وقانون العقود وقانون الإفلاس وقانون التحكيم وقانون حماية البيانات وقانون الشراكة العامة وقانون الأسواق وقانون تنظيم الأنشطة الإسلامية.
رابعاً: ان القوانين والنظم التي تحكم عمل المركز واضحة م للمصارف والمؤسسات المالية الدولية الكبرى. وتم وضعها وفقاً للتشريعات المتبعة في مدينة لندن، وجرى صياغتها باللغة الانجليزية التي تعتبر لغة المال والأعمال الدولية.
خامساً: ان النظام القانوني للمركز يتميز بالمرونة، وذلك على نحو يسمح بتطويره بشكل مستمر بما يتوافق مع التغيرات المستجدة في البيئة القانونية العالمية. وهو ما يوفر بيئة تشريعية دولية المستوى تتسم بقدر كبير من الشفافية وتجسد في الوقت نفسه استقلالية المركز وتمتعه ببيئة تشريعية تستند إلى أرقى الممارسات الدولية في هذا المجال.
سادساً: ان المركز يعمل على توفير الشفافية في كافة المراحل وليس الترخيص فقط. كما أنه يعمل على جعل الشركات تلتزم بالشفافية في عملها. على اعتبار أن المركز يوفر بيئة عمل عالمية وليست محلية.
يضاف إلى ما سبق، حقيقة سعي البورصة منذ بداية إطلاقها إلى تعميق وعي المستثمرين المحليين والإقليميين بالفرص المتنوعة والسخية التي تتيحها، وكسر الانطباع الذي ساد لفترة بأن اهتمام بورصة دبي العالمية يقتصر على كبار المتداولين والمؤسسات الاستثمارية العالمية،
ونظمت لأجل هذا الغرض العديد من الندوات وحلقات النقاش والتي شهدت مشاركة واسعة من جانب أصحاب الأعمال في المنطقة، وجرى خلالها استعراض إجراءات الانتساب إلى البورصة وكيفية التداول بوساطة الأعضاء الحاليين، ولفت القائمون على البورصة إلى أن هناك فرصاً ذهبية لعملاء المصارف وشركات الوساطة العاملة في المنطقة، وانه بالمقدور اغتنام مثل هذه الفرص.
دبي ـ مجدي عبيد