قدر تقرير اقتصادي إجمالي الإنفاق العام للدول العربية مجتمعة بحوالي 344 مليار دولار عام 2006، وبنسبة نمو قدرها 13% عن عام 2005. ووفقاً للمسودة الأولية للتقرير الاقتصادي العربي الموحد الذي تنشره «البيان».
فإن الدول العربية المصدرة الرئيسية للنفط وتشمل السعودية والإمارات والكويت وقطر وسلطنة عمان وليبيا والجزائر أنفقت 31% من إنفاقها الجاري لعام 2006 على الأمن والدفاع ونمو 27% على الخدمات الاجتماعية ونحو 10% على الشؤون الاقتصادية مع ملاحظة أن الإنفاق على التعليم والصحة ضمن بند الخدمات الاجتماعية بلغت نسبته نحو 21% من الإنفاق الجاري خلال العام المذكور.
وقد استمر تحسن الأوضاع المالية في الدول العربية خلال عام 2006 وللعام الرابع على التوالي، كما يبينه الوضع الكلي للميزانيات الحكومية في الدول العربية مجتمعة وفرادى في غالبيتها. ويعزى التحسن في الوضع الكلي من جانب، إلى ارتفاع إجمالي الإيرادات العامة والمنح بنحو 23% خلال العام.
وعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبته التطورات في أسعار النفط خلال الأعوام القليلة الماضية في تحسين الأوضاع المالية في الدول العربية، فإن مساهمة الإيرادات غير النفطية قد كانت ملحوظة كما تشير البيانات الأولية.
وبالإضافة فإن التقديرات تشير إلى استمرار ارتفاع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للعام الرابع على التوالي، وعلى وجه الخصوص في حالة الدول المصدرة للنفط.
ويعزى التحسن في الأوضاع المالية خلال عام 2006، من جانب آخر، إلى سياسة ضبط الإنفاق الذي بالرغم من ارتفاعه خلال العام بنحو 13% والتوجه التوسعي فيه منذ عام 2003 في معظم الدول العربية، فإن وتيرة نموه لم تواكب مستوى النمو في الإيرادات خلال هذه الفترة كما كان يحدث في الماضي.
ويعزى توجه الإنفاق نحو الارتفاع خلال الفترة بشكل عام في غالبية الدول إلى جهود إصلاح وتطوير البنية التحتية والخدمات الاجتماعية ويعكس درجة جيدة من الانضباط المالي. كما أن عدداً من الدول، وعلى وجه الخصوص تلك التي استفادت من الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية،
قد أفصحت خلال عام 2006 عن نواياها بزيادة الإنفاق خلال الأعوام الأربعة المقبلة لصيانة البنية التحتية وتوسيعها في قطاع النفط والغاز والقطاع العقاري، وفي تفعيل دور القطاع الخاص، وذلك بهدف تعزيز النمو وتنويع الاقتصاد وإيجاد المزيد من فرص العمل.
وانعكس تحسن الأوضاع المالية في معظم الدول العربية بشكل إيجابي على مستويات دينها العام الذي تراجع بشكل ملحوظ خلال عام 2006، على صعيد الدول مجتمعة وبالنسبة لمعظمها فرادى.
ويعود التحسن في مستويات الدين العام في جزء كبير منه إلى اتباع تلك الدول سياسات مالية سليمة خلال السنوات القليلة الماضية، اعتمدت في الدول التي حققت فوائض مالية على استخدام جزء منها في إطفاء ديونها العامة، وفي الدول الأخرى على توظيف عوائد الخصخصة لتخفيض ديونها العامة الداخلية وتقوية احتياطياتها المالية.
غير أن الدول مدعوة لتكثيف وتعميق إصلاحاتها المالية لتقوية وزيادة مرونة اقتصاداتها. ويعني ذلك بالنسبة للدول التي حققت فوائض مرتفعة، العمل على أن يؤدي إنفاقها إلى زيادة الإنتاجية من خلال تفعيل وتقوية دور القطاع الخارجي وتأهيل وتوسعة قدرات القطاعات الإنتاجية الأساسية كقطاع النفط.
ويعني بالنسبة لبقية الدول، من جانب، أن تستمر في تكثيف وتعميق الإصلاحات الضريبية لزيادة مرونة النظام الضريبي، ومن جانب آخر أن تبذل المزيد من الجهود لضبط الإنفاق، وعلى وجه الخصوص في جانب السيطرة على تكاليف دعم الاستهلاك المحلي من المنتجات النفطية وفاتورة الأجور والرواتب.
أدت مجموعة من التطورات في الإيرادات على صعيد الدول العربية مجتمعة إلى ارتفاع الإيرادات العامة والمنح بنحو 23% خلال عام 2006 لتبلغ نحو 484 مليار دولار، تمثل نحو 39% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول.
ويلاحظ أن مساهمة الإيرادات النفطية التي بلغت نحو 72% من إجمالي الإيرادات في المتوسط خلال عامي 2005 و2006 تغطي على أهمية الإيرادات الضريبية وما طرأ عليها من تحسن. فقد ارتفعت مساهمة الإيرادات النفطية من نحو 59% من إجمالي الإيرادات في عام 2001 إلى نحو 73% في عام 2006، جراء ارتفاع أسعار النفط وتزايد إنتاجه خلال الفترة،
في الوقت الذي تراجعت فيه مساهمة الإيرادات الضريبية من نحو 28% من إجمالي الإيرادات في عام 2001 إلى نحو 18% في عام 2006، علماً بأنها قد نمت خلال الفترة 2001 ـ 2006 بمتوسط سنوي بلغ نحو 9%.
وكذلك الحال بالنسبة لمصادر الإيرادات الأخرى وعلي وجه الخصوص الإيرادات غير الضريبية التي تراجعت مساهمتها في إجمالي الإيرادات من نحو 10% في عام 2001 إلى نحو 6% في عام 2006، في الوقت الذي نمت فيه بمتوسط نمو سنوي بلغ نحو 8% خلال الفترة.
الإنفاق العام
ارتفع إجمالي الإنفاق العام بالنسبة للدول العربية مجتمعة بنحو 13% في عام 2006 ليصل إلى نحو 344 مليار دولار وتبلغ نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 28%. وقد ساهمت الدول المصدرة الرئيسية للنفط بنحو 58% من حجم الارتفاع في الإنفاق والدول حديثة التصدير للنفط بنحو 38% والدول المستوردة الصافية للنفط بنحو 4%،
ويلاحظ أن النمو في الإنفاق قد حدث بنسبة متفاوتة في جانبي الإنفاق الجاري، والرأسمالي ليتم الاحتفاظ بنسبها تقريباً في هيكل الإنفاق وفي الناتج المحلي الإجمالي. وقد ساهم في ارتفاع الإنفاق العام عدد من التطورات على صعيد المجموعات الثلاث من الدول العربية.
وبالنسبة للدول المصدرة الرئيسية للنفط، شهد إجمالي الإنفاق ارتفاعاً خلال عام 2006 يقل في دول المجموعة باستثناء البحرين والجزائر عن مستوى الارتفاع الذي حدث خلال العام السابق، غير أن هناك بعض التباين بين دول المجموعة.
فقد ارتفع الانفاق الجاري بنسبة متساوية أو أعلى مما حدث في عام 2005 في الإمارات والبحرين والجزائر، وبنسبة أقل في السعودية وقطر والكويت وتراجع في عمان وليبيا، في الوقت الذي ارتفع فيه الإنفاق الرأسمالي بنسبة مماثلة تقريباً أو أعلى من مستواه في العام السابق في الجزائر وعمان والكويت وليبيا وبنسبة أقل في السعودية وقطر وتراجع في الإمارات والبحرين.
ويشار إلى أن دول المجموعة أنفقت في المتوسط وفق التبويب الوظيفي للإنفاق الجاري خلال عام 2006 نحو 31% على الأمن والدفاع ونحو 27% على الخدمات الاجتماعية، ونحو 17% على الخدمات العامة ونحو 10% على الشؤون الاقتصادية، مع ملاحظة أن الإنفاق على التعليم والصحة ضمن بند الخدمات الاجتماعية قد بلغت نسبته نحو 21% من الانفاق الجاري خلال العام.
وعلى صعيد السياسات المتبعة في جانب الإنفاق، يلاحظ أن دول المجموعة، والتي كانت قد ابتدعت بشكل عام خلال عامي 2004 و2005 عن سياسة زيادة الإنفاق بوتيرة مماثلة للزيادة في الإيرادات، قد اتجهت في عام 2006 نحو التخطيط لزيادته بوتيرة أعلى، نظراً لتوقع بقاء أسعار النفط عند مستويات نهاية عام 2005.
ويبرز هذا التوجه نحو زيادة الإنفاق من خلال الخطط التي وضعتها دول مجلس التعاون الخليجي والتي تم الإعلان عنها في عام 2006، بإنفاق نحو 700 مليار دولار تمثل ما يزيد قليلاً على نصف فائضها الجاري التراكمي المتوقع للفترة 2006 ـ 2010،
ويشتمل الإنفاق على مشروعات استثمارية ضخمة في قطاع النفط والغاز وفي صيانة وتوسيع البنية التحتية وفي القطاع العقاري. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة أيضاً إلى بروز ظاهرة إيجابية تتمثل في تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص وبروز شراكات جديدة بينهما في دول مجلس التعاون، يتوقع أن تؤدي إلى تعزيز النمو وخلق الوظائف وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
كما ينعكس التوجه نحو زيادة وتيرة الإنفاق أيضاً، من ملاحظة أن بند الأجور والرواتب في الدول المصدرة الرئيسية للنفط يظهر ميلاً نحو الارتفاع بوتيرة أعلى، حيث نما بنحو 6. 9% سنوياً خلال الفترة 2002 ـ 2005، في الوقت الذي نما فيه بنحو 13% خلال عام 2006.
وبالنسبة لمجموعة الدول حديثة التصدير للنفط، فقد ارتفع إجمالي الانفاق في عام 2006 بوتيرة أعلى مما حدث خلال عام 2005 في جميع دول المجموعة باستثناء اليمن، حيث ارتفع بنسبة أقل. ويلاحظ أن ذلك قد حدث بالنسبة للإنفاق الجاري والرأسمالي في اليمن، أما في السودان،
فقد ارتفع كل من الإنفاق الجاري والرأسمالي بوتيرة أعلى مما حدث خلال عام 2005، في الوقت الذي تراجع فيه الإنفاق الرأسمالي بالنسبة لكل من سوريا ومصر وموريتانيا وارتفع فيه الإنفاق الجاري بوتيرة أعلى في مصر وموريتانيا.
ووفق التبويب الوظيفي للإنفاق الجاري فإن دول المجموعة باستثناء مصر، قد أنفقت في المتوسط نحو 22% على الشؤون الاقتصادية و21% على الخدمات الاجتماعية ونحو 15% على كل من الخدمات العامة والأمن والدفاع. وأنفقت مصر نحو 46% من الإنفاق الجاري على الخدمات الاجتماعية ونحو 34% على الخدمات العامة ونحو 16% على الأمن والدفاع.
ويعكس ارتفاع الإنفاق في الدول حديثة التصدير للنفط، وعلى وجه الخصوص في السودان وموريتانيا واليمن الحاجة إلى بذل المزيد من الجهود في هذه الدول للنهوض بمستويات التنمية فيها، من جانب.
ويعكس من جانب آخر، الضغوط الكبيرة لزيادة الأجور والرواتب لتواكب معدلات النمو العالية منذ مطلع الألفية وللنهوض بمستويات دخل الفرد المتدنية في هذه الدول. وفي هذا السياق، فإن بند الاجور والرواتب قد ارتفع نحو 30% سنوياً في السودان ونحو 15% سنوياً في كل من موريتانيا واليمن وسوريا، ونحو 10% في مصر خلال الفترة 2002 ـ 2006.
أما بالنسبة للدول المستوردة الصافية للنفط، فقد ارتفع إجمالي الإنفاق فيها خلال عام 2006 بنحو 5% في المتوسط في جميع دول المجموعة باستثناء لبنان. ويلاحظ أن مستوى الارتفاع الذي حدث في أي من دول المجموعة باستثناء لبنان يقل عن المتوسط العام للدول العربية مجتمعة
ويعتبر من بين المستويات المنخفضة لنمو الإنفاق السنوي في الدول المعنية منذ مطلع الألفية، علماً بأن المغرب حقق تراجعاً في إنفاقه العام خلال عام 2006. كما يلاحظ أيضاً أن الإنفاق الجاري قد ارتفع خلال العام بنحو 9% و7% وتراجع بنحو 2% في كل م تونس والأردن والمغرب على التوالي، في حين ارتفع الإنفاق الرأسمالي فيها،
على نفس الترتيب، بنحو 5% و28% و17%. بالإضافة فقد استقطبت الخدمات الاجتماعية في الدول الثلاث نحو 51% من إجمالي الإنفاق الجاري في كل من الأردن وتونس ونحو 27% في المغرب. واستقطب بند الأمن والدفاع نحو 25% في كل من الأردن والمغرب ونحو 14% في تونس.
وبالنسبة للبنان الذي واجه ظروفاً غير مواتية في عام 2006، فقد ارتفع الإنفاق فيه بنحو 18% وذلك بعد تراجع خلال العامين السابقين. وتستحوذ بنود الخدمات العامة والأمن والدفاع والخدمات الاجتماعية في لبنان عادة على نحو 50% و13% و14% من الإنفاق الجاري على التوالي في المتوسط منذ مطلع الألفية.
وتعكس تطورات الإنفاق في الدول المستوردة الصافية للنفط مدى الجهد الذي بذلته تلك الدول وعلى وجه الخصوص الأردن وتونس والمغرب في ضبط اتفاقيها الجاري خلال عام 2006، في الوقت الذي واجهت فيه ضغوطاً كبيرة من جراء ارتفاع فاتورة المشتقات النفطية بسبب دعمها الاستهلاك المحلي من هذه المنتجات.
فقد تمكنت تونس من تخفيض معدل نمو الإعانات إلى نحو 14% مقارنة بنحو 28% خلال كل من عامي 2004 و2005، كما تمكن الأردن من تخفيض حجم الإعانات بنحو 25% في عام 2006 مقارنة بالارتفاع الكبير الذي حدث خلال عامي 2004 و2005، في الوقت الذي تمكن فيه المغرب من السيطرة على مستوى ارتفاعها خلال عام 2006.
وفيما يتعلق بصافي الإقراض، الذي يشير إلى جهود الدول في دعم المؤسسات العامة للمحافظة على مستوى خدماتها وتحسينها وتطوير العمل الحكومي لزيادة الكفاءة والإنتاجية، فإن التراجع الذي شهده بين عامي 2005 و2006 يعزي بشكل أساسي إلى ما حدث في ثلاث دول هي الإمارات والجزائر ومصر، حيث ارتفع قليلاً من الأولى وتراجع في الأخيرتين.
ويشار في هذا السياق إلى أن نسبة صافي الإقراض في إجمالي الإنفاق أو في الناتج المحلي الإجمالي تعد ضئيلة بشكل عام، حيث لم تتجاوز نحو 1% من إجمالي الإنفاق العام أو الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للدول العربية مجتمعة، منذ التسعينات إلا في عام 2005.
الوضع الكلي للميزانيات الحكومية
أدى تضافر عدد من التطورات في جانبي الإيرادات الحكومية والإنفاق العام وفي السياسات المالية خلال عام 2006 والأعوام القليلة السابقة له التي شهدت الارتفاع الكبير في أسعار النفط والسلع الأولية، إلى تحسين الأوضاع المالية في غالبية الدول العربية مع وجود تباين كبير في مستوى التحسن بين الدول.
وقد كانت المحصلة أن تحسن الوضع الكلي للميزانيات الحكومية المجمعة بشكل كبير خلال عام 2006 وللعام الرابع على التوالي ليبلغ الفائض الكلي نحو140 مليار دولار، أي ما يساوي نسبة 11% من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى صعيد المجموعات الفرعية، فقد حققت الدول العربية المصدرة الرئيسية للنفط فوائض مالية مرتفعة، حيث تشير البيانات المتاحة إلى تخطيها مستوى 15% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2006 في أربع من دول المجموعة وهي الجزائر والسعودية والكويت وليبيا. وتمثل هذه النتائج استمراراً للأداء المالي الجيد الذي حققته هذه الدول منذ مطلع الألفية.
وبالنسبة للدول حديثة التصدير للنفط، فقد تحسن الوضع المالي في موريتانيا وحافظت مصر على مستوى عجزها المالي في العام السابق، في حين تراجع الوضع المالي الكلي بصورة طفيفة في سوريا والسودان رغم استفادتهما من عوائد نفطية خلال عام 2006.
ويعزي الأمر في دول المجموعة، باستثناء موريتانيا، إلى ارتفاع الإنفاق العام جراء تزايد تكاليف المشروعات التنموية التي تبنتها الدول لتحسين بنيتها الاقتصادية والنهوض بالتنمية. أما الدول المستوردة الصافية للنفط فقد تحسنت أوضاعها المالية الكلية طفيفة حيث تراجعت عجوزاتها الكلية قليلاً خلال عام 2006.
ويعد هذا التطور مهماً حيث أنه حدث نتيجة لتمكن غالبية دول المجموعة من زيادة إيراداتها وضبط إنفاقها، وذلك على خلفية الزيادات المتتالية في أسعار النفط. وفيما يتعلق بالفائض الجاري الذي ارتفع بنسبة كبيرة للعام الرابع على التوالي ليبلغ نحو 225 مليار دولار بنهاية عام 2006
وذلك بالنسبة للدول العربية مجتمعة، يلاحظ أن نسبته إلى الناتج المحلي لم ترتفع كثيراً خلال عام 2006 كما حدث في عام 2005، الأمر الذي يعزى في جانب منه، إلى كون النسبة الأكبر من حجم الارتفاع في إجمالي الإنفاق قد حدثت في جانب الإنفاق الجاري،
ومن جانب آخر، إلى الارتفاع الملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2006. كما أن الوضع الجاري في الميزانيات الحكومية قد تحسن في جميع الدول باستثناء الإمارات وجيبوتي وقطر حيث تراجع حجم الفائض الجاري قليلاً خلال عام 2006، ومصر ولبنان حيث ارتفع حجم العجز جراء التطورات في جانبي الإيرادات والإنفاق الجاري.
وقد لجأت غالبية الدول التي سجلت عجزاً كلياً في موازناتها العامة خلال عام 2006، كما حدث في الأعوام السابقة، إلى تمويله بشكل أساسي من مصادر التمويل المحلية، حيث فاقت نسبة التمويل المحلي نحو 90% من إجمالي تمويل العجز في جميع الدول باستثناء لبنان الذي استخدم مصادر التمويل الخارجية والمحلية مناصفة، كما فعل خلال الأعوام الأخيرة.
وقد كان للمصارف التجارية والسلطات النقدية النصيب الأكبر من حجم التمويل عبر الإصدارات من أدوات الدين العام القابلة للتداول. وفي المقابل، فقد لجأت بعض الدول التي حققت فوائض كلية إلى استخدام جزء منها، كما فعلت في السنوات القليلة الماضية، في تقليص أحجام ديونها العامة وتخفيف أعبائها ودعم احتياطياتها.
تطورات الدين العام
تشهد نسبة الدين العام الداخلي إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً منتظماً منذ عام 2002 بالنسبة للدول العربية مجتمعة أدى إلى بلوغها نحو 27% مع وجود تباين في الأداء بين المجموعات الفرعية منها وبين الدول فرادى. فقد شهدت الدول المصدرة الرئيسية للنفط تراجعاً كبيراً في نسبة ديونها العامة الداخلية إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2006،
ويعزي ذلك بشكل أساسي للسياسات المالية الرشيدة التي تم اتباعها بعدم التوسع في الإنفاق العام خلال فترة طفرة الإيرادات النفطية وإلى استخدام جزء من تلك الإيرادات وعوائد الخصخصة في إطفاء جزء كبير من الدين العام الداخلي.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن السعودية قد أحرزت نجاحاً كبيراً بتخفيض دينها العام الداخلي من نحو 78% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2002 إلى ما يقدر بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006.
وكذلك نجحت الجزائر في تخفيض نسبة دينها العام الداخلي إلى ناتجها المحلي الإجمالي من نحو 22% في عام 2002 إلى نحو 14% في عام 2005 ليعود ويرتفع خلال عام 2006، علماً بأنها قد أحرزت تقدماً ملحوظاً في تخفيض عبء مديونيتها الخارجية خلال تلك الفترة.
أما ليبيا فقد تمكنت من تسديد دينها العام بالكامل في منتصف عام 2004 بعد أن كان يعادل ما يزيد عن 30% من الناتج الملحي الإجمالي في عام 2002. بالإضافة يلاحظ أن عام 2006 قد شهد تراجعاً بنسب متفاوتة في مستوى الدين العام الداخلي في جميع دول المجموعة.
وبالنسبة للدول حديثة التصدير للنفط، فقد تمكنت اليمن من تخفيض دينه العام الداخلي إلى نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2006. وقد تمكن السودان من تخفيض دينه العام من نحو 52% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2005 إلى نحو 41% في عام 2006، فضلاً عن النمو الجيد الذي حققه الاقتصاد السوداني خلال السنوات القليلة الماضية.
أما في موريتانيا ونظراً لعدم توفر البيانات حول دينها العام الداخلي، فإنها تمكنت من تخفيض نسبة الدين العام الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 151% في عام 2002 إلى ما يقدر بنحو 49% في عام 2006،
في ضوء توصلها إلى تخفيف عبء المديونية في إطار استفادتها من المبادرة متعددة الأطراف لإعفاء الديون. وفي المقابل، يلاحظ في مصر أن الدين العام الداخلي ارتفع بشكل منتظم منذ مطلع الألفية جراء استمرارها في تحقيق عجوز مالية مرتفعة نسبياً وإن كان مستواها مستقراً.
تزايد الديون
أما بالنسبة للدول المستوردة للنفط فيلاحظ دينها العام الداخلي يتزايد بشكل منتظم منذ مطلع الألفية في الأردن وتونس والمغرب ومنذ عام 2004 في لبنان. ويعزى الأمر بشكل عام إلى كون تلك الدول استمرت في تحقيق عجوزات مالية تعد مرتفعة وإن كانت مستقرة خلال الفترة 2000 ـ 2006.
وبالإضافة إلى ذلك، يعزى تزايد الدين العام الداخلي إلى توجه غالبية دول المجموعة خلال الفترة نحو المصادر المحلية للاستدانة. ويشار في هذا الصدد، إلى أن قيام تونس باستخدام جزء من عوائد الخصخصة في تخفيف أعباء المديونية قد حال دون تفاقمها، علماً بأن مثل هذه الموارد المالية عادة ما تستخدمها الدول في تعزيز احتياطياتها الخارجية لضمان تغطية مناسبة لوارداتها.
في المقابل، وبغرض توضيح ما يحدثه استمرار تحقيق عجوز مالية من ضغوط على الدين العام، يلاحظ أن حجم الدين العام الداخلي قد تضاعف في الأردن ومصر بين عامي 2001 و2006 وارتفع بنحو 29% في كل من تونس والمغرب بين عام 2003 و2006،
علماً بأن هذه الدول قد حققت خلال الفترة عجوزاً مالية بلغ متوسط نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي سنوياً نحو 9% في مصر و4% في كل من الأردن والمغرب و2% في تونس. غير أنه وكما أشرنا مسبقاً في الإطار رقم (1) فإن هذه الدول تضع على رأس أولوياتها مواجهة العجز المالي المستمر والدين العام المرتفع.
تأثيرات إيجابية لارتفاع أسعار النفط
انعكست التطورات في جانب الإيرادات النفطية على تحسن الأوضاع المالية للشركات العاملة في الدول المصدرة الرئيسية للنفط، وعلى وجه الخصوص للشركات النفطية، الأمر الذي أحدث أثراً إيجابياً على الإيرادات الضريبية في تلك الدول كون الضرائب على دخل الشركات العاملة في مجال الخدمات النفطية تمثل المصدر الأساسي للضرائب في غالبية دول المجموعة.
فقد ارتفعت حصيلة ضرائب دول المجموعة بنحو 16% خلال عام 2006. ورغم هذا النمو في حصيلتها فإنها لا تزال تمثل مصدراً بسيطاً لجميع دول المجموعة، حيث ساهمت بنحو 4. 7% من إجمالي الإيرادات وبنحو 9. 2% من الناتج المحلي الإجمالي، باستثناء الجزائر،
حيث ساهمت بنحو 21% من الإيرادات ونحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي في دول المجموعة باستثناء الإمارات بالنسبة للإيرادات غير الضريبية وقطر بالنسبة للدخل من الاستثمار، وذلك خلال الأعوام الأربعة السابقة،
وقد ساهمت الإيرادات غير الضريبية في الدول التي تتوفر حولها بيانات بنحو 5% في المتوسط من إجمالي الإيرادات في عام 2006، أي ما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول. وبالنسبة للدخل من الاستثمار، تشير البيانات المتوفرة لبعض الدول العربية أن مساهمته بلغت في قطر نحو 22% من الإيرادات في عام 2006،
وهي نسبة تعادل تقريباً المستوى الذي يساهم به سنوياً في المتوسط منذ منتصف عقد التسعينات، وفي عمان نحو 5. 7% من الإيرادات في عام 2006، وهو مستوى مساهمته فيها في المتوسط منذ مطلع الألفية.
الضرائب تشكل 60% من الإيرادات العامة لـ 4 دول
تحسنت الأوضاع المالية العربية في السنوات القليلة الماضية مع وجود تباين بين الدول، ويعكس حال الدول التي تمثل الإيرادات الضريبية المصدر الرئيسي لإيراداتها العامة وجود تحديات كبيرة في جانب المالية العامة.
وتضم هذه المجموعة أربع دول هي الأردن وتونس ومصر والمغرب تساهم فيها الإيرادات الضريبية بما يزيد على 60% من الإيرادات العامة، وهي تعد بشكل عام من بين الاقتصادات الناشئة في المنطقة،
ويلاحظ في هذه الدول أنه مع وجود ديون عامة تتجه نحو الارتفاع بشكل منتظم منذ مطلع الألفية وفي ظل تحقيق عجوزات مالية بشكل مستمر خلال الفترة وظروف اقتصادية دولية تضيف ضغوطاً على الدول، فإن الإصلاح المالي يكتسب أهمية كبيرة.
ويعزى الأمر إلى حقيقة أن الإصلاح المالي، بمعنى تحسين مردود الإيرادات وضبط وترشيد الإنفاق، يمثل الخيار الأمثل لتعديل مسار المؤشرات المالية واكتساب اقتصاد الدولة المرونة الكافية لمواجهة الصدمات الداخلية والخارجية التي قد تعترض طريقه مستقبلاً،
وإدراكاً من هذه الدول لأهمية مواجهة الأوضاع المالية وتحسينها بشكل مستمر فقد بدأت منذ مطلع الألفية في أوقات متباينة وبدرجات متفاوتة تعتمد على خصوصية الوضع المالي في كل دولة، بتجهيز الأرضية المناسبة لإطلاق الحزم المناسبة من الإصلاحات المالية لمعالجة أوجه الضعف وضمان الاستقرار الاقتصادي وتعزيز المناخ الاستثماري.
وفي جانب آخر، يعكس التباين في طبيعة التحديات في مجال المالية العامة التي تعمل الدول على معالجتها حالياً وعلى المدى المتوسط، حقيقة أن عملية الإصلاح المالي هي عملية مستمرة تتغير وتتشكل مع تغير الوضع المالي.
أبوظبي ـ أحمد محسن