دخلت الأسواق مرحلة جديدة تميزت بزيادة أحجام التداولات واختراق تاريخي لمستويات الأسعار، وكل هذا يبشر بعودة النشاط مرة أخرى إلى هذا القطاع الاقتصادي المهم، وحتى لا تتكرر أخطاء حدثت في فترة 2005 حيث أخطأ حينها من اعتقد أن ذلك الصعود مستمر إلى ما لا نهاية.
فكان رد فعل عكسي غير مسبوق لكثير من المستثمرين الذين وضعوا كل آمالهم عند أرقام وقيم لم يبلغها السوق مطلقا فجاء النزول والتصحيح المؤلم حتى ظن البعض الآخر أنه لا وجود قاع للسوق يوقف النزول،
لكن الواقع أن الظن لم يكن مفيدا والاعتقاد ليس صحيحا فالحقيقة الواقعة جاءت بين هذا الرأي وذاك فتوقفت موجات النزول الحادة وانتهت فترة الركود الطويلة وبدأت مرحلة جديدة تميزت بتخطي قيم المقاومات المانعة للصعود وتميزت أيضاً بزيادة أحجام وقيم التداولات التي تتدفق يوميا على أسواق الأسهم.
وإذا كانت هناك مراجعة لأخذ بعض العبر فمهم أن نعود قليلا لفترة الصعود الأولي التي كان أهم ما يميزها هو وجود القطب الواحد في السوق الواحد حينما كانت إعمار هي السوق والسوق هو إعمار فإذا ارتفع سهمها ارتفعت معظم أسهم الشركات الأخرى وإذا تراجعت انخفض السوق كله،
وهذا ما ألقى في حينه عبئا ثقيلا على الشركة، فالكل كان يحمل إعمار مسئولية انخفاض السوق، وبينما الشركة منهمكة في مشاريعها العملاقة إن على المستوى المحلي أو الخارجي وتحقق النجاح تلو النجاح بقي من يلوم الشركة على الدوام لسبب انخفاض السهم،
ومن يعرف طبيعة الاستثمار العقاري يعلم جيدا أنه طويل الأمد وقطف الثمرة فيه ليس سريعا ويحتاج إلى سنوات، وبشكل عام فإن ارتفاع سعر السهم في الأسواق العربية ليس دائما يعكس نجاحات الشركة والعكس كذلك.
وما حدث في الأسواق من تطورات خلال فترة الهبوط كان مفيدا للشركة وللسوق فرب ضارة نافعة، فدخول العديد من الشركات جعلها تستقطب حجماً كبيراً من تدفقات السيولة النقدية والتي كانت تذهب سابقا إلى سهم واحد وأحيانا كثيرا ما كانت مزعجة فعلا للسهم وللسوق كله فتركز التداول باتجاه سهم واحد ثبت أنه يكون مضرا
لأي سهم إذا كان أكبر من الحجم المعقول، ومن أحد المؤشرات الايجابية التي ينظر لها اليوم بعد كل هذه التغيرات أن سهم إعمار وخلال شهر كامل يحصل على ما نسبته 14% تقريبا من تداولات سوق دبي بينما كانت نسبته تزيد عن 60% في الأشهر السابقة.
وساعد دخول العديد من الشركات العملاقة إلى حلبة المنافسة في القطاع العقاري نفسه سواء في سوق دبي أو سوق أبوظبي أن هذه الشركات تستقطب حجما لا باس به من رأسمال المستثمر الذي يرغب في قطاع العقار تحديدا ولم يكن أمامه سوى خيار شبه وحيد،
وهذا يذكر بالمحل الناجح الذي يستقطب زبائن المدينة لفترة زمنية حتى يصبح هؤلاء الزبائن عبئا ثقيلا على أصحاب المحل ولكن عندما تتكاثر حوله المحلات المشابهة لنشاطه وتنجح فإنه يزداد نجاحا،
فمن فوائد تزايد الشركات المتنافسة في قطاع واحد أن المستثمر يجد العديد من الخيارات المفتوحة أمامه، وما سبق عن القطاع العقاري صحيح وصحي للمنافسة الحرة في تنوع القطاعات الأخرى فدخول قطاعات جديدة إلى الأسواق ساهم في زيادة الخيارات وتنوعها أمام المستثمرين.
وبالرغم أن فترة الهبوط في الأسواق بالنسبة للمستثمرين كانت طويلة ومزعجة فآثارها السلبية عصفت بالكثير من رأس المال الصغير والمتوسط، إلا أن النظرة المتجردة إلى الحاضنة الحقيقية للشركات وهو الاقتصاد الوطني كانت تعطي دائما الأمل والتفاؤل،
وكان الوضع علامة تعجب لدي الكثير من المراقبين فليس معقولا أن تكون كل هذا النجاحات على الأرض والتي لم تقف عند حدود محلية وإقليمية بل تخطت ذلك إلى العالمية في العديد من المجالات، وفي المقابل تكون الشركات التي تحقق هذا النجاح متراجعة أسهمها في سوق المال.
وقد تكون هناك سابقا مبالغة حصلت في التقييم وفي ما هو مطلوب من الشركات خلال فترة الصعود السابقة فجاء رد الفعل في التصحيحات الحادة مبالغ فيها أيضا، وأما اليوم فإن الأمور يبدو أنها لا تزال داخل إطارها الحقيقي والأسواق تحصل على قيمها المنطقية والعادلة في قيم التداول وأسعار الأسهم.
لكن يبقي الحذر مطلوبا وبشدة أكبر من السابق وذلك في عدم المبالغة وتحميل الأسهم أكبر من طاقتها الاستثمارية وأن يكون سوق الأسهم واحدا وليس كلا من الأماكن التي يضع المستثمر فيه جزءا من رأسماله لا أن يدفع بما يملك وما لا يملك من قروض وغيره داخل السوق فالحكمة تقول أن لا يوضع البيض كله في سلة واحدة.
وما يجدر قوله إن الارتفاع عندما يبدأ في الشركات القيادية فإنه يأخذ في صحبته عديد من الشركات الأقل أهمية وتصل أسهمها إلى قيم غير منطقية لا تعكس واقعها وعند حدوث أي تصحيح سعري فإن هذه الشركات ستكون أسرع من غيرها في النزول ولن تودي أسهمها بحجم كبير من رؤوس الأموال فحسب بل إن الضرر ينال أسهم الشركات المهمة.
مستشار مالي