توصلت الإنسانية بعد شقاق طويل إلى حقيقة أن ما تستطيع أن تحققه بالقوة تستطيع أن تحقق أفضل منه بالمعرفة، وهذه المقولة تحققت على سبيل المثال بين بلدين هما ألمانيا واليابان اللذان خاضا حربا شعواء.
كان هدفهما أن يحكما العالم بالقوة وفشلت القوة في تحقيق هذا المشروع الضخم، وبالمعرفة والعلم والصناعة والاقتصاد يكاد هذان البلدان أن يتحكما في العالم، وتحقق المعرفة من جديد اتحاد أوروبا الغربية دون دماء وبلا مقابل في الوقت الذي فشلت فيه في عصر آخر كل وسائل القوة في تحقيق ذلك.
إن المعرفة هنا قادت إلى تحديد المصالح المشتركة، والمصالح المشتركة قادت إلى شيء من الوحدة، أو هي في طريقها الأكيد إلى ذلك، وتتعدد الأمثلة على مساحة الأرض المعروفة، ويستبدل العالم المتحضر السلاح بالحوار معتمداً على المعرفة والمعلومات،
فالمعرفة قادت مجتمعات أخرى إلى استصلاح أراض لم تكن صالحة للزراعة فزرعتها وأطعمت أفواها جائعة، والمعرفة استنبطت أدوية لأمراض مستعصية فوضعتها في طريق الشفاء، بل إن المعرفة خلصت الإنسانية من أنواع من الأمراض كانت تحصد البشر فلا تبقي ولا تذر.
(محمد الرميحي)، وبديهي أن التعليم هو صلب عملية تنمية الإنسان، والمعرفة هي أداة التعليم المأمول، وكلاهما ـ التعليم والمعرفة ـ ليس سلعًا تستورد وتستخدم شأنها شأن السيارات أو الملابس أو الأطعمة،
بل هما مرتبطان عضويا بثقافة وبنى مؤسسية وأنشطة لابد أن تغرس في واقع مجتمعي بشري محدد، والمعروف أن صناعة الثقافة تقوم على المحتوى الذي يعبر عن وجود المعرفة بشكل رقمي على الحواسيب وعلى الشبكات الداخلية والعالمية والإنترنت ويغطي المحتوى مجالات شتى مثل النشر، والأعمال، والمكتبات، والإدارة الحكومية.
لذلك كان لمؤسسة محمد بن راشد التي تأسست بوقف قدره 8,36 مليار درهم (عشرة مليارات دولار) بهدف تعزيز جهود التنمية عبر الاهتمام بعناصر المعرفة والثقافة الدور الرئيسي والفاعل في رعاية وتبني حزمة من المبادرات المحددة المتعلقة ببناء المعرفة،
وذلك من خلال المؤتمر الذي عقد الأسبوع الماضي في دبي تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ووصل عدد المبادرات إلى 25 مبادرة وبرنامجا ستتولى المؤسسة العمل على تنفيذها بالتعاون مع كبرى المنظمات والمؤسسات العالمية،
ومن بينها كيفية تفعيل دور الجمعيات العلمية والبحثية العربية وسبل الارتقاء بالتعليم والتغلب على مشكلة اللغات في التعليم الجامعي وجسر الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل.
وقد حاول كل من الدكتور إنطوان زحلان والدكتور علي فهمي الإجابة عن أحد الأسئلة المطروحة في المؤتمر من خلال مشاركتهما بورقتي عمل وهو عن مدى إمكانية النهوض بالبحث العلمي الذي يعد العمود الفقري للمعرفة في وطننا العربي موضحين فيها عدد من التحديات التي تواجه العالم العربي في هذا الخصوص،
مشيرين إلى الإحصاءات التي ترجح كفة العالم العربي من ناحية التعليم إذا ما قورنت بمتوسط دخل الفرد، وإن التفاوت في الأداء الاقتصادي بين الصين والهند من ناحية والعالم العربي من ناحية أخرى لا يمكن تفسيره وفقا لحجم الدولة،
حيث تشير تقارير صندوق الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن أفضل سبع دول في مجال الأداء الاقتصادي الاجتماعي هي دول صغيرة الحجم يتصدر قائمتها كل من النرويج وأيسلندا وهما دولتان أوروبيتان صغيرتان،
وأن دول العالم العربي تعاني من نزيف واضح للعقول إذا ما قورنت بالهند والصين، حيث تتضاعف نسبة خسارة المنطقة العربية من الكفاءات البشرية إلى خمسة أضعاف الخسارة ذاتها في الهند والصين، وذلك بسبب تنامي الوعي في كلتا الدولتين،
وان التعليم العالي والبحث العلمي لا يتمتعان بتأثير مباشر على الاقتصاد، ولكنهما يؤثران فيه عبر وسائط أخرى مثل مؤسسات الاستشارات والهندسة والمقاولات والصناعات المختلفة وكذلك السياسات الاقتصادية والعلمية التي تستهلك ما يقدمها لهم جميع الخريجين والباحثين من أجل إقامة مجتمع معرفي.
كاتب ومحلل اقتصادي