قالت صحيفة البرافدا الروسية ان هناك خمس خرافات عن الاقتصاد الأوروبي تنتشر بين الناس وحتى خبراء الاقتصاد، لكنها غير حقيقية بالمرة. وتقول الصحيفة ان الفائزين في الاقتصاد العالمي اليوم قد يتحولون إلى خاسرين في الغد والعكس صحيح.

فقد كان المحللون الاقتصاديون الأميركيون يتغنون بقوة الاقتصاد الأميركي وتفوقه على الرجل المريض في أوروبا، حسب وصفهم للاقتصاد الأوروبي. لكن الوضع تبدل خلال بضعة أشهر فقط، حيث تعاني أميركا الآن من عجز هائل في الميزانية والميزان التجاري وتراجع النمو الاقتصادي والانتاجية،

ويتخوف المستثمرون من الاستثمار في أميركا، وفي الوقت نفسه يشير المحللون إلى قوة اندفاع الاقتصاد الصيني الهندي ـ النقطتان المضيئتان الوحيدتان في الاقتصاد العالمي. لكن ماذا عن الاقتصاد الأوروبي.

أولى الخرافات عن الاقتصاد الأوروبي أنه لا يستطيع ان يقود الاقتصاد العالمي، وينمو الاقتصاد الأوروبي البالغ حجمه 16 تريليون دولار منذ فترة، وأصبحت أوروبا أكبر شريك تجاري في العالم خلال الفترة الأخيرة وتساهم بثلث الاقتصاد العالمي تقريباً وهذا النصيب يفوق نصيب أميركا في الاقتصاد العالمي (27%) ونصيب اليابان (9%).

وبرغم الحديث عن الاقتصاد الصيني فإن نصيبها في الاقتصاد العالمي لا يزال أقل من 6%، ونصيب الهند أقل من ذلك بالطبع. ولم يكن الاقتصاد الأوروبي أبداً بالسوء الذي صوره المتشائمون بشأنه، وفي الوقت الذي كان الاقتصاد الأميركي يندفع بفعل سهولة الإقراض والمضاربة في السوق العقارية أو بسوق المنازل

كما يحلو لهم أن يسموه، كان نمو نصيب الفرد من الدخل القومي في أوروبا يتساوى تماماً مع نظيره الأميركي وينطبق ذلك بالطبع على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وذلك من عام 2000 حتى 2005، وفي العام التالي تفوق هذا النمو على نظيره الأميركي،

وزاد توفير الوظائف في أوروبا بمعدل أسرع من أميركا وانخفض العجز الأوروبي في الميزانية عن العجز الأميركي، وتسجل أوروبا حالياً معدلاً أسرع في نمو الإنتاجية من أميركا ولديها فائض تجاري حجمه 3 مليارات دولار.

الخرافة الثانية السائدة هي ان المستثمرين لا يفضلون الاستثمار في أسهم الشركات والأصول الأوروبية لكن الأرقام تشير إلى ان الاستثمارات الأجنبية المباشرة في دول الاتحاد الأوروبي من عام 2000 حتى 2005 بلغت نصف الاستثمارات الأجنبية في العالم، وزادت عائداتها في أوروبا على عائدات نظيرتها في أميركا.

وقال دان اوبراين الخبير في مجلة الايكونوميست ان أوروبا القديمة هي مغناطيس يجذب الاستثمارات لأنها أكثر الأسواق ربحية في العالم، والحقيقة ان الشركات الأميركية هي أكبر مستثمر في أوروبا،

وسجلت فروع الشركات الأميركية في الاتحاد الأوروبي أرباحاً بلغت 85 مليار دولار في عام 2005، وهذا يفوق أي أرباح لها في أي مكان في العالم، ويصل إلى 26 ضعف أرباحها من الصين التي كانت 3. 3 مليارات دولار.

ويقول تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عن التنافسية الاقتصادية ان الدول الأوروبية احتلت المراكز الأربعة الأولى، وسبعة من المراكز العشرة الأولى و12 من المراكز العشرين الأولى في عام 2006/ 2007، فيما جاءت أميركا في المركز السادس والهند في المركز 43 والصين في المركز 54.

الخرافة الثالثة ان أوروبا هي أرض البطالة المرتفعة لكن الوضع تغير الآن فقد تمتعت نصف دول الاتحاد الأوروبي بمعدل توظيف كامل خلال العقد الفائت، ومعدل بطالة يساوي أو أقل من نظيره في أميركا خلال نفس الفترة، ويصل معدل البطالة في كل دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها الأعضاء الجدد من وسط وشرق أوروبا إلى 7. 6% وهو انخفاض تاريخي لم يحدث من قبل.

حتى في فرنسا البالغ معدل البطالة فيها 8%، فهو لم يحدث من 25 سنة لكن هذا المعدل لا يزال أعلى من نظيره الأميركي البالغ 6. 4% غير ان الكثير من الوظائف التي توجد في أميركا تتيح رواتب ضعيفة ولا تشتمل على مزايا، أما في أوروبا فإن العاطلين يتمتعون برعاية صحية ودعم اسكاني ومزايا أخرى، والعكس بالعكس في أميركا التي لا يتمتع فيها العاطلون بأي حقوق.

الرفاه الاجتماعي لا يضر بالاقتصاد

الخرافة الرابعة ان الرفاه الاجتماعي والرعاية التي توفرها الدول الأوروبية تضر بالشركات والنمو الاقتصادي. غير ان النماذج المحفوظة القائمة على افتراضات أيديولوجية لا تنطبق هنا ومع نمو الاقتصاد الأوروبي استطاع الحفاظ على الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، على عكس أميركا التي لا تسودها عدالة اجتماعية

وتفتقر إلى تمتع الناس بالرعاية الصحية على مستوى عالمي ومستوى تعليم أعلى لكن الأوروبيين استطاعوا استغلال الآلة الاقتصادية لخلق الثروة وعدالة توزيعها، ولا يزال الأوروبيون يتمتعون بالمزايا الاجتماعية من الميلاد حتى الموت في كثير من المجالات.

فهم يحصلون على رعاية طبية متساوية وإجازات وضع مدفوعة الأجر ورعاية صحية للأطفال في متناول الجميع وإجازات مرضية مدفوعة وتعليم عال شبه مجاني ومعاشات تقاعد سخية ونقل جماعي رفيع المستوى، ويحصل الأوروبيون في المتوسط على عطلة 5 أسابيع مدفوعة سنوياً (مقابل أسبوعين فقط في أميركا) وأسبوع عمل أقصر.

وفي بعض الدول الأوروبية يعمل الأوروبيون ساعات عمل أقل من الأميركيين ويعيشون في نفس المستوى وأوروبا تعنى بشكل أكبر بمزايا العاملين، وقال محلل سياسي بريطاني ان أوروبا ليست مجتمعاً مرفهاً بقدر ما هي نظام شامل من المؤسسات التي تعمل على جعل الجميع بصحة جيدة وقادرين على العمل.

الخرافة الخامسة هي ان اعتماد أوروبا في موارد الطاقة على روسيا والشرق الأوسط يمثل خطراً عليها لكن أوروبا قد تعتمد على هاتين المنطقتين لفترة ما لكنها تتصدر العالم في تقليل اعتمادها على موارد الطاقة وتتخذ إجراءات لمواجهة الاحترار العالمي.

واتفق زعماء 27 دولة أوروبية في مارس الماضي على ان تصل نسبة الطاقة البديلة إلى 20% من إجمالي استهلاك الطاقة في أوروبا بحلول 2020 وخفض الانبعاث الكربوني بنسبة 20%.

ولتحقيق ذلك تنتشر محطات توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية وأمواج البحر وخلايا الهيدروجين بشكل متسارع على الأرض الأوروبية ومعدل استهلاك أوروبا من طاقة الأرض يصل إلى نصف نظيره في الولايات المتحدة الأميركية

وليس هذا فقط بل تطور أوروبا وسائل نقل صديقة للبيئة مثل السيارات قليلة استهلاك الوقود وكيلومترات طويلة من طرق الدراجات الهوائية والمشاه من جميع الأعمار في كل ربوعها.

(ا.ر)