تعتمد الدول الغنية على استثمارات ومدخرات العالم الثالث لتعويض العجز في حسابها الجاري، لكن المستثمرين من الشرق الأوسط يتجهون الآن للاستثمار في آسيا. وكان أحد أسباب تراجع قيمة الدولار الأميركي في الفترة الأخيرة تراجع المستثمرين من دول العالم عن الاستثمار في الأصول الأميركية المقيمة بالدولار.

وبدأ العجز في الحساب الجاري الأميركي يتراجع فعلاً خلال مطلع العام الحالي، لكن الدولار يتراجع بشكل كبير أمام العملات الرئيسية. وفي الوقت نفسه فإن النمو السريع في الصين وبقية الدول النامية زاد الطلب على البترول مما رفع سعره ليعزز ذلك من فرائض الدول المصدرة له.

ويوضح تقرير لصندوق النقد الدولي أن العجز في الحساب الجاري الأميركي يزيد على 5. 1% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وليس الناتج الأميركي. ومن جانب آخر فإن الفائض لدى الدول المنتجة للبترول يزيد على 1% من إجمالي الناتج العالمي وقد ارتفع هذا الفائض بسرعة وفجأة ويعتقد صندوق النقد الدولي أن هذا الفائض سوف يتراجع على الأقل كنسبة من إجمالي الناتج العالمي.

ويتوقع الصندوق أن يتراجع سعر البترول، لذلك يقول إذا استمر سعر البترول عند المستويات الحالية فسوف يكون الفائض للدول البترولية مصروفاً. ويتضح أيضاً من بيانات صندوق النقد أن وضع الأصول الأميركية التي يستثمر فيها الأجانب سيئ إلى أسوأ، ليس فقط من حيث الأرقام المطلقة بل كنسبة من إجمالي الناتج العالمي،

فيما يزداد نمو فوائض الدول البترولية من حيث هذه النسبة خاصة لدى الدول الاسيوية وعلى رأسها الصين. فهل تصل ديون أميركا إلى نسبة 12% من إجمالي الناتج المحلي العالمي وتسمح الدول الأخرى بذلك وهل أميركا مستعدة لذلك، خاصة وأن غالبية الديون سوف تكون للصين والشرق الأوسط. إذن كيف سيكون سير الأمور إذا لم يحدث ذلك.

يتوقع محللون أن يتحسن وضع الحساب الجاري الأميركي بأسرع مما يتوقع صندوق النقد الدولي ويتوقع خبراء دوليون أن يسعى المستثمرون من الصين والشرق الأوسط إلى تنويع استثماراتهم بشكل أوسع أيضاً.

فإذا ابتعد هؤلاء المستثمرون عن الأصول الأميركية أسرع من تحسن وضع الحساب الجاري الأميركي، فسوف يكون الدولار في خطر. فلا يحتاج الدولار الأميركي ابتعاد المستثمرين عن الأصول المقيمة به ليتراجع، بل مجرد بطء نمو هذه الاستثمارات سيجعله ينهار.

لكن الولايات المتحدة سوف تظل قادرة على جذب الاستثمارات من صناديق الاستثمار العالمية في المستقبل المنظور لأن أميركا سوق هائلة وشفافة، وستكون الأصول بالدولار جذابة إلى حد ما.

ورغم ذلك فإن المثير هو مدى اهتمام المستثمرين من الشرق الأوسط بأصول بديلة للمقيمة بالدولار وتشمل تلك الاستثمارات العقارات السكنية والتجارية ومختلف أشكال البنية الأساسية والموارد. ويعتبر نضوب السيولة لتمويل الاستثمار في المشاريع والأسهم الخاصة فرصة طيبة لدول الخليج، فيما يمثل ذلك مشكلة بالنسبة للندن ونيويورك.

فكلما زاد نقص السيولة زادت تكلفة الاقتراض، وزادت الفرص أمام المستثمرين من الشرق الأوسط الذين يحصلون على كميات نقد هائلة. والفوائض التي تبلغ 1% من إجمالي الناتج العالمي لابد أن تجد مكاناً لتستثمر فيه.

وتبدو الهند في هذه الحالة موقع استثمار جذابا، خاصة لمستثمرين من الخليج لأن هناك روابط ثقافية وشخصية أقوى بين الخليج والهند مقارنة بدول أسيوية أخرى. وتذهب استثمارات خليجية أيضاً إلى بريطانيا وأوروبا،

وارتفاع قيمة اليورو مقابل الدولار دليل واضح في الفترة الأخيرة على هجرة الاستثمارات إلى الأصول المقيمة باليورو بدلاً من الدولار غير أن بريطانيا لا تزال جذابة استثمارياً لأنها مفتوحة على الإطلاق أمام الاستثمار الأجنبي وهذا يؤدي إلى مشكلة أكبر بالنسبة لأميركا. فكيف تحافظ على قدرة جذبها الاستثمارية.

المزيد من الحرية للصناديق الاستثمارية

يرى محللون أن الحل يمكن أن يكمن في السماح للصناديق الاستثمارية الحكومية بالاستثمار بحرية لكن أميركا بصفة خاصة تشعر بالقلق حيال هذه الاستثمارات، خاصة إذا كانت تمثل دولاً معادية لأميركا. وتخشى أميركا أن يكون للحكومات الأجنبية صاحبة هذه الصناديق أسباب مختلفة من هذه الاستثمارات لكن فرض قيود على هذه الصناديق قد يخيف المستثمرين الآخرين، وقد لا يكون الأميركيون على وعي بهذه الحقيقة.

ويتضح ذلك من ثورة الكونجرس الأميركي العام الماضي ضد موانئ دبي العالمية التي كانت ستملك بعض الموانئ الأميركية عقب شراء شركة بي آند أو البريطانية. وهذه الأصول ليست ذات أهمية بالنسبة لدبي، لأنها تسعى وراء الاستثمار، في شركات عالمية، وليس بالضرورة صاحبة أصول حيوية في أميركا.

لكن هذا السلوك الأميركي يفترض عداء من بقية الصناديق الأخرى في المنطقة وبالتالي يجعلهم يبحثون عن أماكن أخرى للاستثمار. والواضح أن بعضاً من القدرة الأميركية على جذب الاستثمار قد تآكل بسبب ذلك.

وقد يكون تراجع الدولار الأميركي خلال العام الحالي هو النصف الثاني من المعادلة وهي معادلة إعاقة الاستثمارات الأجنبية من جهات معينة في أميركا. وقد تضطر الدول التي ربطت عملاتها بالدولار أن تحل هذا الارتباط بسبب انخفاض العملة الأميركية (مثال دول مجلس التعاون الخليجي والصين)

وسوف تظل أميركا في هذا الخطر إلى أن يقل اعتمادها على مدخرات بقية دول العالم، بما فيها الشرق الأوسط. وليس من المنطقي أن تعتمد أغنى دولة في العالم على مدخرات دول فقيرة بل أفقر دول العالم في أسيا مثلاً للحفاظ على نمط حياة شعبها.

ترجمة : أشرف رفيق