توقع صندوق النقد الدولي استقراراً مالياً مستقبلياً لدولة الإمارات، في دراسة مطولة عن اقتصاد البلاد. وقال إن استراتيجية التنمية الموجهة للخارج التي انتهجتها الإمارات خلال السنوات القليلة الماضية أدت إلى نمو اقتصادي هائل وإلى تراكم في الأصول المالية الخارجية.

وقال التقرير إن هذا النجاح كان مدفوعاً بمهارة أبوظبي في إدارة الثروة البترولية للبلاد ودفعة دبي القوية نحو تنويع المصادر والموارد الاقتصادية وأدت عائدات البترول المتزايدة إلى تراكم الفائض الحالي في الحساب الجاري البالغ 36 مليار دولار في 2006.

ويعادل هذا الفائض 22% من إجمالي الناتج المحلي، في الوقت الذي بلغ فيه الفائض المالي 29% من إجمالي الناتج المحلي، وبلغت الاحتياطيات الرسمية بالعملة الأجنبية 28 مليار دولار، وبنى تقرير صندوق النقد الدولي توقعاته المتفائلة على ارتفاع انتاج البترول،

وارتفاع أسعاره وبالتالي عائداته، في الوقت الذي يسجل فيه النشاط الاقتصادي غير البترولي أعلى نسبة من الاقتصاد الوطني في الإمارات ـ مقارنة بنفس النسبة في باقي دول مجلس التعاون الخليجي، ويشمل هذا النشاط البناء والإنشاءات والتجارة والسياحة.

غير أن صندوق النقد الدولي قدر أن معدل التضخم ارتفع إلى 3. 9% خلال عام 2006، وظهرت علامات أخرى تدل على ان النمو الاقتصادي محموم خاصة الطفرة في القطاع العقاري والبناء، وقالت دراسة الصندوق ان الخطر الداخلي الرئيسي على التوسع الجاري هو احتمال حدوث حركة تصحيح.

وقال صندوق النقد الدولي ان قطاع البنوك الذي يسيطر على الوساطة في التمويل في الإمارات تمكن من التوسع السريع في بطاقات الائتمان ووصولها إلى العائلات والشركات والهيئات العامة وشبه العامة، وتسيطر مشاريع البناء لإنشاء فنادق وشقق سكنية وبنايات تجارية ومشاريع بنية تحتية على الصورة في كل من أبوظبي ودبي، ويرتفع الطلب على الائتمان بفعل النمو السكاني السريع وأسعار الفائدة بالعملة المحلية التي تعد سلبية بالقيمة الحقيقية.

وقالت دراسة الصندوق إن الاختبارات أثبتت أن النظام المصرفي سوف يكون مرنا إذا واجه أي صدمات ويستطيع تحملها. وقد استوعبت البنوك الانخفاض الذي حدث في 2006 في أسعار الأسهم في البورصة ولم يكن لذلك تأثير كبير على حساباتها الختامية. غير أن بعض البنوك لا تزال عرضة لحركة تصحيح قوية في سوق العقارات التي تشكل ربع إجمالي أصول البنوك.

ورغم أن الرهونات العقارية لا تزال تمثل نسبة بسيطة من المحافظ الائتمانية للبنوك فإن التعرض غير المباشر (للعقارات) قد يكون كبيرا. وسجلت السلطات في الإمارات تقدماً جيداً في دعم وتعزيز الاشراف على القطاع المالي وتنظميه.

وأصبحت هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع المنظم الحقيقي الذي يدير البورصات وأسواق المال وأصدرت قانوناً جديداً حول حوكمة الشركات في مايو 2007، من المتوقع أن تعزز الممارسات الحوكمية وشفافية الشركات المسجلة في البورصات.

وتم نقل مسؤولية الإشراف على الإصدارات العامة من وزارة الاقتصاد إلى الهيئة في يناير 2007. وتأسس مركز دبي المالي العالمي عام 2004 ليكون أول منطقة عالمية حرة في الإمارات. والمركز جزء من استراتيجية دبي لتنويع مصادرها الاقتصادية عن طريق جذب الشركات العالمية وتوفير الفرص لتطوير نشاط مصرفي شامل يجعل من دبي مركزاً له ومركزاً للمؤسسات المالية في المنطقة.

وكان النشاط المصرفي الحقيقي في المركز صغيراً، لكن بورصة دبي بدأت تنافس بنجاح مع بورصات الإمارات وبقية دول مجلس التعاون الخليجي. والهيكل القانوني والمادي لمركز دبي المالي العالمي رائع، وتضم هيئة دبي للخدمات المالية مجموعة جيدة من المحترفين أصحاب الخبرة في مجال البنوك والتأمين وأسواق السندات.

البنوك الإسلامية

أصبحت البنوك الإسلامية جزءاً مهماً من النظام المصرفي في الإمارات غير أن البنك المركزي ليس لديه الأدوات الكافية لتوفير السيولة للبنوك الإسلامية على المدى القصير، كما أن إشرافه على هذا المجال ليس شاملاً، ولذلك يوصي الصندوق بتطوير سوق للحكومة أو أدوات مدعومة بالبنك المركزي على أساس الشريعة الإسلامية، توفر للبنوك الإسلامية أدوات لإدارة السيولة.

كما يوصي صندوق النقد الدولي بأن يعزز البنك المركزي قدرته الإشرافية على البنوك الإسلامية، خاصة تطوير المهارات الضرورية والعاملين المؤهلين في إدارة الإشراف المصرفي.

ويعتقد صندوق النقد الدولي أن أسواق المال في الإمارات مختلفة مقارنة بقطاع البنوك لكنها في تطور مستمر، ويوصي صندوق النقد بفتح أسواق المال تماماً أمام رؤوس الأموال الأجنبية عن طريق إزالة العقبات والقيود على امتلاك الأسهم وعضوية مجالس إدارة الشركات من أجل تعزيز توسع وتطوير هذه الأسواق،

وأوصى الصندوق أيضاً بأن تشجع السلطات الإدراج العام للشركات الكبرى شبه العامة في بورصات الأسهم للمساعدة في توسع البورصات، وسوف تحتاج الشركات إلى تحسين الحوكمة والإفصاح بإعلان الحسابات الختامية بشفافية قبل الإدراج في البورصات.

وقال تقرير الصندوق إن قطاع التأمين سريع النمو ليس له حتى الآن أهمية كبيرة في اقتصاد البلاد، وسوف تحتاج شركات التأمين المحلية إلى تعزيز قدراتها على إدارة الأصول ويحتاج الإشراف التأميني إلى الارتقاء لمستوى إدارة المخاطر، بهدف استمرار نمو هذا القطاع الواعد في دولة الإمارات. ويوصي صندوق النقد بأن تنشئ السلطات هيئة إشراف مستقلة على نشاط شركات التأمين ويمكن أن تكون في إطار البنك المركزي.

وأوضح تقرير الصندوق إن سلطات الإمارات لا تزال تقوم بتنفيذ جدول أعمال مهم لتعزيز قطاع البنوك وتعزيز السلطات الإشرافية، من أجل تحسين الإشراف على أسواق المال وقطاع التأمين، ومن أجل فتح قطاع البنوك لتعزيز المنافسة، ومن أجل تعزيز الإطار القانوني للقطاع المالي.

النظام المصرفي

وصف تقرير الصندوق القطاع المصرفي بالدولة بأنه متطور جداً، وأنه ثاني أكبر قطاع مصرفي بين دول مجلس التعاون الخليجي بعد السعودية، إذ تعادل قيمة أصوله 130% من إجمالي الناتج المحلي في 2005.

وقال إن القطاع البنكي في الإمارات ليس مبالغاً في المركزية، فهناك 5 بنوك كبيرة محلية تمتلك 44% من إجمالي أصول القطاع، وهناك 25 بنكاً أجنبياً مقارنة بـ 21 بنكا محليا، وقد تراجعت حصة البنوك الأجنبية من 25% إلى 22% في 2006.

وأشار إلى أن عدد البنوك سجل استقراراً نسبياً لعدة سنوات نظراً لوجود قرار يمنع دخول بنوك أجنبية جديدة ولرغبة الحكومة في تجنب حدوث اندماجات في القطاع، ولكنها غيرت في سياستها مؤخراً بعد اندماج بنكي دبي والإمارات في أبريل الماضي، واللذين شكلا أكبر بنك في الإمارات والخليج.

وأشار التقرير إلى اتخاذ المصرف المركزي خطوات إيجابية منذ 1981 مثل منع بعض البنوك الأجنبية تراخيص إلا أنه شجع المصرف على المزيد من هذه الخطوات، على غرار ما فعل مع بعض البنوك الخليجية العام الماضي،

وكذلك السماح للبنوك الأجنبية بافتتاح 8 فروع كحد أقصى في الدولة، موضحاً أن هناك ضريبة على الأرباح تصل إلى 20% تفرض فقط على تلك البنوك بينما تعفى المحلية منها، مرتئياً أن تخفيض تلك القيود والسماح للبنوك غير الخليجية بالدول من شأنه أن يساعد القطاع المصرفي أكثر.

وأوضح التقرير أن القطاع المصرفي الإسلامي يشهد نمواً متسارعاً جنباً إلى جنب مع التقليدي، فقد تضاعفت حصة البنوك الإسلامية من 8. 8% في 2002 إلى 6. 12% في نهاية 2006.

وأكد الصندوق أن تأثير حركة التصحيح التي شهدها السوق المالي في الدولة على القطاع المصرفي كان محدوداً بسبب قوة أداء الخدمات البنكية والعمليات المصرفية بالتجزئة ونمو حجم الإقراض وتنويع النشاطات الخارجية.

كما لعب نمو القطاع العقاري دوراً رئيسياً لا سيما بدبي في دعم حركة نمو القطاع المصرفي، إذ بلغت قروض الرهن العقاري نسبة 15% من إجمالي القروض بالدولة، وتوقع أن ترتفع تلك النسبة خلال العام الجاري والمقبل مع اكتمال المزيد من المشاريع العقارية، وكذلك على المدى المتوسط للوحدات السكنية والتجارية للأفراد والمؤسسات نظراً لحجم المشاريع الكبير في الدولة.

وقال الصندوق إن عدداً من المؤسسات المالية مرشحة لمخاطر النمو في ظل وجود سوق رهن عقاري صغير الحجم وسريع النمو، لأن السوق العقاري الإماراتي أقل اعتماداً على القروض البنكية في المناطق الجغرافية الأخرى، فحجم تلك القروض يشكل نسبة 6. 6% من القروض البنكية. وتوقع أن تسجل قروض الرهن العقاري التي تقدمها المؤسسات البنكية الإسلامية تسهيلات جيدة ومنافسة.

أسواق المال

وأشار التقرير إلى أنه بالرغم من حجم التداول المرتفع في الإمارات إلى أن أسواق المال فيها تعاني من نقص في «العمق والتنوع». إذ يبلغ عدد الشركات المدرجة في أسواقها المالية (110)، وهو عدد قليل مقارنة بحجم السوق الرأسمالي الذي يصل إلى 170 مليار دولار أميركي، وهذا راجع إلى أن البورصات محكومة بعدد قليل من الأسهم القيادية.

كما أن حركة التصحيح الحادة التي عاشتها أسواق المال خلال العامين الماضيين، راجع إلى عوامل عدة، منها المضاربة على تلك الأسهم القيادية، وضعف الاستثمارات غير الخليجية وغياب المؤسسات والمستثمرين الدوليين، ومضاربة المستثمرين المحليين التي نتج عنها تقييم أسعار الأسهم بقيم أعلى بكثير من السعر المبني على أرباح تلك الشركات.

ونصح التقرير باتخاذ المزيد من الإجراءات لتعزيز حماية المساهمين في الشركات، ووضع قوانين لمحاسبة الشركات العامة، وتعزيز الشفافية والإفصاح فيها.

قطاع التأمين

بالرغم من صغر حجم قطاع التأمين في الإمارات إلا إنه يلعب دوراً حيوياً، فقد بلغت عائداته في 2005 حوالي 2. 2 مليار دولار أي ما يعادل 7. 1 من إجمالي الناتج المحلي. وأشار التقرير إلى أن دور التأمين مرشح للمزيد من التطور والنمو لا سيما مع ارتفاع الطلب على التأمين الصحي بعد صدور قانون التأمين الإلزامي للعمال، وكذلك نمو القطاع الخاص وافتتاح أسواق العقارات ما سيؤدي إلى ارتفاع الطلب على التأمين العقاري، إلى جانب ارتفاع الدخل وازدياد عدد السكان.

إعداد: أشرف رفيق ـ محمد بيضا