وصلت مصاريف شحن المواد الخام عبر محيطات الكرة الأرضية إلى ارتفاعات جنونية دافعة بأسعار الحنطة والحديد الخام والفحم وغيرها من السلع.

وقالت صحيفة وول ستريت جورنال إن السعر الوسطي لاستئجار سفينة لنقل مواد خام من البرازيل إلى الصين قاربت ثلاثة أضعافها لتصل إلى 180 ألف دولار يومياً من 65 ألف دولار في عام سابق. وفي بعض الأحيان تكون كلفة الشحن البحري، أكثر كلفة من الشحنة ذاتها، ويكلف الحديد الخام، مثلاً 60 دولاراً للطن الواحد، غير أن أصحاب السفن يفرضون في العادة نحو 88 دولاراً للطن لنقله من البرازيل إلى آسيا.

وقد يدفع هذا الاتجاه المصنعين لتكبد مصاريف أكثر للمكونات الأساسية التي يحتاجونها لمنتجاتهم. وكثيراً ما تمرر تلك المصاريف على العملاء الأمر الذي تنسحب آثاره على أسعار كل شيء بدءاً من السيارات وانتهاء بالغسالات والخبز.

وعزت الصحيفة السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار الشحن إلى نقص السفن، وينبع هذا النقص من ارتفاع حجم التجارة العالمية، حيث ازداد النمو في الصين والهند، والبلدان النامية الأخرى، وقد اضطر قطاع التصنيع الصيني الملتهب، البلاد إلى البحث بعيداً عن المصادر مثل الحديد الخام في البرازيل.

وسجل مؤشر البلطيق للتبادل الجاف، أهم وأكثر المؤشرات استخداماً لأسعار الشحن العالمية للسلع السائبة، رقماً قياسياً الأسبوع الماضي، بعد ارتفاعه 169% عن السنة الماضية بحيث راح أرباب الشحن والوسطاء وتجار السلع يعدون العدة لأسعار أعلى العام المقبل، وربما خلال عام 2009. ومن المؤمل أن تنزل سفن شحن سائب جديدة إلى الميدان بحلول ذلك الوقت لتخفيف حدة النقص.

وفي هذا السياق قال «جون بي دراجنيس» المدير التجاري لشركة جولدن بورت هولدنغز ومقرها أثينا «إن جميع أصحاب السفن يجنون أرباحاً كبيرة، لأن السوق لم تشهد مثل تلك الأرقام من قبل». وفي السياق ذاته فإنه حتى لو توفرت السفن لشحن السلع، فإن منشآت المرافئ غير الكافية قد تتسبب في التأخير، دافعة مصاريف الشحن إلى الأعلى ففي الموانئ البرازيلية غالباً ما ننتظر السفن قبالة الشاطئ حتى أسبوعين بانتظار دورها في التحميل والتنزيل.

وليست البرازيل وحدها مصدر الاختناقات فحتى الأسبوع الماضي كانت نحو 131 سفينة تنظر التحميل وتنزيل الفحم، والحديد الخام، في موانئ استراليا الرئيسية. وفقاً لمؤشر جلوبال بورتس كونجستش الذي يتابع أوقات الانتظار على مدار العالم. ونتيجة لذلك فإن بعض منتجي الفحم الأستراليين يضطرون لتقليص الصادرات الذي من المتوقع أن يزيد من الضغوط على أسعار الفحم العالمية. وعلى المنوال ذاته فإن تجار السلع يضيفون مصاريف أعلى للنقل على أسعار الفولاذ والحنطة والألمنيوم.

وهذه المصاريف العالمية لأسعار الشحن السائب، تجاوزت إلى حد بعيد أنواعاً أخرى من السفن مثل ناقلات النفط أو سفن الحاويات التي تنقل بضائع مصنعة كأجهزة التلفزيون لأن مثل تلك السفن لا تعاني نقصاً حاداً. وعلى الرغم من ارتفاع نفقات الشحن السائب، خلال العامين الماضيين، فإنها اشتدت حدة خلال العام الماضي، ولابد من اجتياز زيادة سعر السوق الفورية، من خلال 70 من شحن السلع السائبة المغطاة بعقود طويلة الأجل.

ومع ذلك وبدلاً من الاعتماد على شركات الشحن فإن بعض منتجي السلع عمدوا إلى شراء أو استئجار سفنهم الخاصة. وقد دفعت كورس جروب، المتفرعة عن تاتا ستيل الهندية، 135 مليون دولار لاستئجار سفينة شحن سائب عمرها سبع سنوات. وتقول شركات أخرى انها قد تغلق عمليات معينة إذا لم تحصل على شحن بأسعار معقولة، أو عند عجزها عن تبريد تكاليف الشحن العالية، عندما يحين وقت تجديد عقودها.

ومن جهة أخرى تسلمت عملاقة التعدين «ريوتننو» مؤخراً ناقلة شحن سائب، وتتوقع استلام أربع أخرى في القريب لشحن البوكسين، وهي المادة الرئيسية في تصنيع الألمنيوم، وقد كان التوقيت في صالح ريو، التي تقدمت بطلبياتها عام 2004، قبل القفزة الأخيرة لأسعار الشحن. وقالت كريستيا ميلزو الناطقة باسم ريو تبنتو، ان شركتها تبحث عن فرص مشابهة للسيطرة على مصاريف الشحن ضمن المجموعة مضيفة بأنها تقيم دائماً الخيارات الأرخص لأي ظرف بعينه، وفي المقابل، فإن فمتكو، منتجة الألمنيوم الهولندية، التي تتملك مصاهر في الصين ورومانيا.

كانت وقعت عقوداً طويلة الأجل، كانت بموجبها أسعار الشحن، أقل من سعر السوق الفورية الراهن وفي معرض تعليقه على ذلك، قال كريستيان ووست الرئيس التنفيذي للمجموعة، ان أسعار الشحن المرتفعة اليوم قد تمنع الشركة من إعادة افتتاح واحدة من مصاهرها في رومانيا. ومن جهة أخرى فإن من العوامل المؤثرة في ازدياد الضغط على أسعار الشحن، حقيقة أن سفن الشحن السائب، باتت تسلك طريقاً أطول اليوم وعلى سبيل المثال، فإنه برغم ان الصين مازالت تشتري معظم حديدها الخام من استراليا، إلا أن نسبة عالية تأتي الآن من البرازيل الأكثر بعداً.

هذا إلى جانب أن كثيراً من الطلب الآسيوي بات الآن يلبى من مناجم في أميركا الجنوبية ومن العوامل المؤثرة الأخرى في ازدياد مصاريف الشحن، نقص إمدادات فول الصويا من آسيا، الأمر الذي زاد الطلب عليه، من الولايات المتحدة، ومما زاد حجم التجارة والطلب على سفن الشحن السائب.

وقال كليفورد وينستون الاقتصادي في بروكنغزانستبتوشن، ان أسعار الشحن المرتفعة، سترفع أسعار السلع، وفقاً لوزنها بحيث تشكل أجور النقل نسبة مئوية عالية من كلفة المنتجات الأغلى مثل الحديد الخام والحنطة. وأضاف «لاشك أن هناك زيادة ستحدث في الأسعار لكنه استطرد قائلاً: «ورغم ذلك فإنها من غير المحتمل ان تبقى على ارتفاعها لان تعداد السفن لابد ان يرجح في النهاية على الطلب.

والحق يقال ان بناة السفن، في اليابان وكوريا الجنوبية، والصين الذين كانوا مشغولين ببناء سفن الحاويات بدأوا في تلبية الطلب على سفن الشحن السائب، وفي ضوء الفجوة النمطية التي تمتد إلى 36 شهراً بين الطلبيات والتسليم، فإن معظم سفن الشحن السائب تلك لن تجهز قبل عام 2010.

غير ان بعض المحللين يؤكدون ان عددا مثل تلك السفن قد يتضاعف بدءاً من العقد القادم وفي غضون ذلك فإن شركات استخراج الحديد الخام يسعون جاهدين لاستباق زيادات أسعار الشحن بالضغط على صانعي الفولاذ بدفع أسعار أعلى للحديد الخام وفي كوريا الجنوبية ارتفعت واردات البلاد من فحم الطهي وفحم البخار بحدود 3 بالمئة، إلى رقم يكاد يكون قياسياً وهي 581 طناً مترياً.

وقد صدرت الموانئ البرازيلية قرابة 1. 167 طناً مترياً من السلع خلال الشهور الثمانية الأولى من العام أكثر بعشرة ملايين طن متري عن عام سابق. كما أن الموانئ في الصين واستراليا سجلت أيضاً أحجاماً قياسية من واردات السلع وصادراتها.

دبي ـ وائل الخطيب