أدى احتلال بغداد إلى ظهور موجة أغنيات الفواكه للغناء العراقي، وهي أغنيات لا تعيش طويلا في ذاكرة المستمع العربي لما فيها من إسفاف وابتذال كلاما وصورة، ولجأ بعض الفنانين العراقيين الشباب إلى هذا النوع من الأغاني بوصفها متنفسا لهم ولضيق ذات اليد من ناحية أخرى، وحققت لهم الانتشار من جهة والمال من جهة أخرى.

وقد شكلت الأغنية العراقية الأصيلة علامات بارزة في ساحة الغناء العربي، وما زالت يتذكرها مرددوها ومحبو سماعها عود محمد القبنجي وإحساس ناظم الغزالي اللذين أضفيا عليها نكهة متميزة رفعت من قيمتها الغنائية في حقبة الرواد، والناظر إلى هذه الأغنية يدرك حجم التطور الذي طالها كلاماً ولحناً وأداء مما دفع نجوم الغناء العربي إلى تقديم اللون العراقي الغني بالمقامات الموسيقية والشجن والإحساس الذي ينبع من عمق المعاناة التي يكابدها العراقي منذ القدم والحروب المتتابعة التي أثرت في الأغنية العراقية. ويدرك المستمع للأغنية العراقية اليوم والمتابع لها حجم التأثير الموسيقي الذي بدأه الجيل الذي تلي العمالقة، فما زالت ريشة الراحل عباس جميل أو موسيقى طالب القرة غولي وآخرين غيرهم تذكر المستمع لها بانسيابية دجلة والفرات، والحنين إلى المكان في داخل أغنيات معاصريهم كفؤاد سالم وحضيري بو عزيز وداخل حسن وحسين نعمة وياس خضر، وحتى الأصوات النسائية القليلة كاملة خضير وزهور حسين.

وتسير الأغنية العراقية اليوم في اتجاهات ثلاثة جميعها تؤدي إلى الارتقاء بها وعودتها إلى تسيد الساحة الغنائية بعد تعافيها من هزة أغنيات الفواكه التي أصابتها بعلة سرعان ما تشافت منها على يدي بعض الأصوات المحبة للأغنية العراقية الأصيلة. أول الاتجاهات تتمثل في الجيل الغنائي المستمر من بداية التسعينات وحتى الآن، وأشهر المستمرين الفنان كاظم الساهر الذي حقق بأغانيه انتشارا جماهيريا عربياً كبيراً، والذي ما زال للآن يقدم أغنيات تلامس الوجع العراقي من جهة ويناجي العشاق بأغانيه من جهة أخرى، كما ما زال مستمرا في تقديم اللون الغنائي العراقي من ناحية الموسيقى الذي يطعمها بأشعار فصيحة وكلمات شعبية، وهو يعتبر سفير الغناء العراقي حاليا.

ومن هذا الجيل الفنانون سعدون جابر ومحمود أنور وعلي العيساوي، وأبرزهم سعدون جابر الذي حقق شهرة عربية كبيرة بمجموعة من أغنياته، ولازال متحمسا بتقديم أغنياته بعراقيته الخالصة والتي تشعر بها حين تترنم مستمعا لها.

وثاني الاتجاهات التي تسير فيها الأغنية العراقية تظهر بمجموعة من المطربين كقاسم السلطان وحاتم العراقي وهيثم يوسف وماجد المهندس، و«قاسم، حاتم، هيثم» يقودون الآن مرحلة لتجديد شعبيتهم بعد أن كانوا راضين بانتشارهم «العراقي» و ولكن وبعد احتلال بغداد، بدأوا بخطوات متعددة للانتشار «عربيا» وهم يقدمون ألوانا مختلفة من الغناء.

أما ماجد المهندس فهو الفنان القادم للساحة الغنائية العربية من هوى غنائي عراقي مطعم بألوان مختلفة أقربها لصوته الخليجي، والمهندس استطاع بذكائه وحسه الفني أن يختصر سنوات طويلة ليحقق خلال سنتين فقط شهرة ونجومية واسعة بصوته وألحانه وحسن اختياره لأغانيه، وتحققت له شعبية كبيرة توجها بالغناء بأهم المهرجانات العربية كجرش وقرطاج وصلالة والدوحة ودبي، بعد ان جافاه الحظ لسنوات سبقت انطلاقته الأخيرة.

وينظر إليه حاليا باعتباره الجناح الثاني الممثل للأغنية العراقية مع الجناح الأول كاظم الساهر. وثالث الاتجاهات تتمثل في مجموعة من الأصوات العراقية الشابة كرضا العبدالله وماجد الحميد وهمام ودالي وقيس هشام وعلي بدر، وهؤلاء باستثناء رضا العبدالله وعلي بدر، ما زالوا يتلمسون بدايتهم مقدمين ألوانا متعددة من الغناء ويملكون مواهب جيدة في الأداء وبحاجة لفرصة لإثبات أنفسهم.

أما علي بدر فهو ملحن معروف لحن لمجموعة من ابرز نجوم الغناء العراقي كياس خضر وسعدون جابر وماجد المهندس وآخرين، ويملك صوتا جميلا دافئا اختار ان يمشي في دنيا الغناء وهو بحاجة لشركة انتاج تتبنى موهبته، اما رضا العبدالله وان وضع في هذا الاتجاه فهو من جيل المهندس والسلطان والعراقي، لكن انطلاقته الكبيرة بداية الألفية الجديدة بقيت قيد التأطر في جلباب كاظم الساهر، ولذلك بعد أن انتهى عقده مع روتانا ولم يُجدد دخل مرحلة الظل

عمان ـ شيما برس