طل مشهد إعادة تقييم الدرهم الإماراتي بقوة غير معهودة في ثنايا احتدام الجدل وعلو نبرة التوقعات بشأن ما يحمله الأفق من تغييرات مرتقبة في السياسة النقدية، واجتهد محللون في تناول تضاريس وتعرجات هذا المشهد على نحو تفصيلي.

وذهب البعض إلى حد رسم صورة للرابحين والخاسرين من جراء رفع قيمة الدرهم مقابل الدولار الأميركي، وظهرت على سطح اجتهادات تعيد فرز وتبويب مكاسب وخسائر أصحاب الأعمال والثروات في حال ما إذا قام مصرف الإمارات المركزي بتغيير سياساته النقدية، وانطوت التصنيفات على ثنائيات تنتصب الواحدة منها وجها لوجه مع الأخرى، وبدا الوضع أقرب ما يكون إلى المخاض الذي ينذر بمولد مرحلة جديدة في توجهات السياسة النقدية. وتألق مشهد إعادة التقييم على أرضية ما يمكن تسميته مجازا »بأنصار الطريق الثالث« الذين يقفون في المنطقة الوسط بين الفريق المطالب بفك الربط بين العملتين والفريق الآخر المؤيد لاستمرار الربط، ويدعو أنصار الطريق الثالث بشكل عام إلى الأخذ في الاعتبار الأوضاع المالية في بعديها الإقليمي والدولي عند النظر في أي تعديل في السياسة النقدي، وخلصت بعض الآراء أنه من شأن القيام بإعادة تقييم الدرهم الإماراتي من دون إعطاء مهلة لتوفيق الأوضاع أن يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنسبة لبعض أصحاب الأعمال.

قوة زخم

اكتسب هذا المشهد المزيد من قوة الزخم، بعدما دافع معالي سلطان السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي عن ربط الدرهم بالدولار بقوله ان قرار الربط بالدولار »سياسي خليجي جماعي« ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي الربط وجاء لهدف أن تكون نسب الصرف التقاطعية بين عملات دول مجلس التعاون الخليجي موحدة.

ومن ثم، اجتهدت تحليلات في التنقيب عن خيارات المنطقة الرمادية التي لم يجر استبعادها كليا من جانب محافظ مصرف الإمارات المركزي، وذلك على الرغم من عدم ورود أية بادرة من جانب السلطات النقدية تفيد بأن مثل هذا الخيار قيد الدراسة والتمحيص، وينطوي هذا الخيار على معنى محدد، وهو تحريك سعر صرف الدرهم في مواجهة الدولار إلى مستوى أعلى من المستوى الحالي، وبالتالي، يمثل هذا الخيار أحد حلول الوسط بين فك الارتباط والإبقاء على سياسة الصرف الحالية.

ويرجح محللون أن تتزايد احتمالات إعادة تقييم الدرهم الإماراتي في حالة عدم انحسار الضغوط التضخمية خلال العام المقبل، وهو الأمر الذي سيفضي إلى زيادة الضغوط على السلطات النقدية للنظر في مختلف البدائل والخيارات، بما في ذلك خيار التحول إلى سلة عملات، وفض الارتباط مع العملة الأميركية.

وذلك على غرار الحال بالنسبة للكويت وسوريا، ومع ذلك، نصح محللون بأنه تتبنى الإمارات سلسلة من التحركات الرامية إلى تصويب سعر صرف الدرهم بما يكفل ضمان قيمته الحقيقية، وتكمن المعضلة الحقيقية فيما يتعلق بترتيبات سياسة الصرف الحالية في كون أغلبية الصادرات الإماراتية مقومة بالدولار.

فيما يأتي الشطر الأكبر من وارداتها من مناطق العملات الأخرى، ومن ثم، من شأن استمرار تراجع سعر الدولار أن يؤدي إلى تفاقم معدل التضخم بسبب ارتفاع تكلفة السلع المستوردة والصعود المتواصل في رسوم الإيجارات والنفقات المعيشية الأخرى، ولا ينحصر الأمر هنا على الإمارات، بل تواجه منطقة مجلس التعاون الخليجي مستويات تضخم عالية.

فيما ما زالت معدلات الفائدة – بحسب بعض التقديرات ـ عند مستويات منخفضة، بالنظر إلى ارتباط سياسة أسعار الفائدة بقرارات بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بخصوص معدلات الفائدة الأميركية. وفي الأحوال العادية، تتعامل المصارف المركزية مع مشكلة ارتفاع معدل التضخم عن طريق زيادة معدلات الفائدة، ولكن يكمن التحدي بالنسبة للمصارف المركزية في كون مخاطر التضخم تتزايد في حالة الحفاظ على معدلات فائدة منخفضة.

توقعات بالتغيير

وعلي هذه الأرضية المليئة بالتعرجات الصعبة، علت نبرة توقعات المحللين بحدوث تغييرات في سياسات الإمارات النقدية، ويعتبر جاري دوجان كبير خبراء الاستثمار في إدارة الثروة العالمية بمؤسسة ميريل لينش أحد هؤلاء المتكهنين بقيام كل من الإمارات وقطر خلال العام الجاري بالتحرك نحو فك الارتباط مع الدولار، واعتماد سلة عملات، مشيرا إلى أن عملات دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة لأن ترتفع أسعارها بنسبة 35 % لتقليل المدخرات الزائدة، على اعتبار أن الدولار سيتجه نحو المزيد من الضعف نتيجة لاعتبارات هيكلية وأخرى دورية.

حيث انه من المقدر أن تكون أضعف حلقات دورة الاقتصاد الأميركي في عام 2008، ومن الناحية الهيكلية، يعاني الاقتصاد الأميركي من العجز التوأم للحسابين الجاري والموازنة، وقد رافق ضعف الدولار خلال العام الجاري وتقلص قيمته ونفوذه على الاقتصاد العالمي صعود أهمية عملات المنطقة الآسيوية، خصوصا فيما يتعلق بتسجيل كل من الهند والصين معدلات نمو قوية.

وعلى نفس المنوال، قدر ستيف برايس رئيس قسم البحوث في بنك ستاندرد شارترد بأن هناك احتمالا خلال العام الجاري لإعادة تقييم الدرهم بنسبة تتراوح بين 20 و30 %، بيد أن هناك محللين يضعون أرقاما أعلى من ذلك، بتقديرهم أن سعر صرف الدرهم يقل عن قيمته الحقيقية مقابل الدولار الأميركي بنسبة تبلغ 30 %.

الخاسرون والرابحون

ومع رواج التحليلات القائلة بوجود احتمالات كبيرة لإعادة تقييم الدرهم الإماراتي، اتجهت التقييمات نحو تحديد الخاسرين والرابحين في ظل هذا السيناريو.

ويبرز القطاع العقاري من بين الشرائح السوقية التي من المرجح أن تستفيد من إعادة تقييم الدرهم.

ويقدر محللون أنه في حالة حدوث مثل هذا السيناريو، سيتاح للمستثمرين إمكانية تحقيق قيمة إضافية من مشترياتهم العقارية عند احتسابها بالدولار الأميركي في أي عملية إعادة تقييم مستقبلية بيد أن هناك معضلة أخرى يواجهها المستثمرون في القطاع العقاري تتمثل في واقع أن إعادة التقييم قد توجد فوائد إضافية جيدة لمشتري الأراضي، لا يحصلون عليها إذا ما احتفظوا بسيولتهم بالدولار الأميركي. ولكن من المقدر أن تتعرض هذه المكاسب إلى التآكل في حالة اتجاه أسعار الفائدة المحلية نحو الارتفاع، وهو ما سوف ينطوي على تأثيرات سلبية على سوق العقارات المحلي.

مع ذلك، يعتمد الأمر برمته يعتمد على حجم عملية إعادة التقييم، إن حدثت، وعلى مدى الزيادة التي تسببها على صعيد الفوائد المحلية بعد ذلك. فإذا ما جاءت العملية صغيرة، وهذا ما يعتقد بنك ستاندرد تشارترد بحدوثه، لن يكون لها أي أثر على الفوائد المحلية.

وبالتالي سيكون المستثمرون في القطاع العقاري سعداء إذا ما حدث ذلك وتمكن بالتالي المصرف المركزي من اتباع سياسة مالية أكثر ثباتاً مع فوائد طويلة الأمد. ونظراً لانخفاض أسعار العقارات المحلية عن الأسعار المتعارف عليها عالمياً في الوقت الراهن، فإن خطوة كهذه قد تساعد على تجنب تقلص الفورة العقارية التي تشهدها المنطقة.

وقد ترحب المؤسسات الاستثمارية العالمية أيضاً بحدوث تحول في السياسات النقدية المتبناة من شأنه أن يسهم في تقوية الاستقرار الاقتصادي، بدلا من أن يكون القطاع عرضة لتقلبات مشابهة لتقلبات القطاع العقاري في هونغ غونغ. فقد كان ارتباط هونغ كونغ بالعملة الأميركية سبباً رئيسياً للانخفاض الكبير الذي حصل في أسعار العقارات والذي وصلت نسبته إلى 70% بعد انهيار الفقاعة العقارية على إثر قيام بريطانيا بتسليم هونغ كونغ في العام 1997. أما سبب هذا الانهيار فكان انخفاض قيمة الأصول الذي تأثر به القطاع العقاري بشكل مباشر نتيجة للمعدل الذي كان معتمداً لتحويل العملة الثابتة.

من هنا، فإن أي تحرك للقيام بإعادة تقييم للدرهم الإماراتي سيلاقي ترحيباً في الأوساط العقارية كونه سيمنح المستثمرين فائدة إضافية عند تقييم استثماراتهم بالدولار الأميركي، إضافة إلى كونه إشارة على التوجه نحو تبني خطة تطوير اقتصادية مستدامة.

مخاطر وتحديات

ولكن على الجانب المقابل، هناك محللون ينصحون بضرورة مد البصر إلى المخاطر التي تحف عملية إعادة تقييم سعر صرف الدرهم الإماراتي، ويثور في هذا المجال، العلاقات التعاقدية الطويلة الأجل المبرمة من جانب أصحاب أعمال في مجالات مختلفة بناء على الربط الحالي بين الدولار والدرهم الإماراتي.

حيث تعتبر الكويت حالة مختلفة كليا عن الإمارات، من زاوية وجود انخراط حكومي في القسم الغالب من النشاط الاقتصادي، بيد أن وضع الاقتصاد الإماراتي مختلفا، حيث ان هناك مشاركة ضخمة من جانب القطاع الخاص، علاوة على ما سبق، يعتبر القطاع الخاص في الكويت مهيئا لمثل هذا التغير في ضوء اتخاذ سلسلة من القرارات المماثلة بهذا الخصوص، ولكن الوضع مختلفا بالنسبة للقطاع الخاص الإماراتي الذي يتعايش مع الربط بين العملتين لفترة طويلة.

ومن ثم، يمكن أن ينجم عن أي تحرك لإعادة تقييم سعر صرف الدرهم الإماراتي فوائد بالنسبة لبعض أصحاب الأعمال، وخسائر بالنسبة للبعض الآخر، ويعتمد الأمر على كيفية إبرام التعاقدات والصفقات، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يتعرض المقاول الأجنبي الذي أبرم تعاقدا مع الحكومة مدته عشر سنوات لصدمة، إذا ما حدث إعادة تقييم لسعر صرف الدرهم، حيث انه سيتلقى المدفوعات بالدولار، في حين أنه سيكون عليه دفع التزاماته المالية بالدرهم الإماراتي، ومن الطبيعي أن ترتفع فاتورة تكاليفه في حالة عدم تحوطه من مخاطر تقلب سعر الصرف.

وهكذا، لا توجد محصلة كمية بكم الخسائر والمكاسب التي يمكن أن تترتب على إعادة تقييم سعر صرف الدرهم الإماراتي، وأنه إذا ما تم إعادة التقييم من دون إعطاء الناس مهلة للتفكير وتوفيق الأوضاع، فانه سيكون من الصعب عليهم التأقلم مع النظام الجديد.

وقد تم أعطاء وقت كاف للأوروبيين لدي تحول الاتحاد الأوروبي إلى نظام اليورو، كما كانت هناك بيانات سياسية من الحكومات لأجل إشراك الناس في مثل هذه العملية، وينسحب الأمر ذاته على الوضع في الإمارات، فمن شأن القيام بإعادة تقييم الدرهم الإماراتي من دون إعطاء مهلة لتوفيق الأوضاع أن يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنسبة لبعض أصحاب الأعمال.

التحول عن الأصول المقومة بالدولار

تشير تقديرات بعض المحللين بأن الدولار يمكن أن يتعرض إلى انخفاض واسع النطاق إذا ما قررت الدول الخليجية إعادة تقييم عملاتها وفك ارتباطها بالعملة الأميركية. وتصاعدت التكهنات بشأن احتمالات فك الربط مع الدولار بعدما أبقت المملكة السعودية أسعار الفائدة من دون تغيير وهو ما أبقى الفائدة على الريال أقل من الفائدة الأميركية بمقدار نصف نقطة مئوية.

وفي وقت سابق أعلنت السعودية أنها سوف تحافظ على الربط مع الدولار، ولكن لم يحل ذلك دون بروز تكهنات باتجاه بعض الدول الخليجية إلى فك ارتباط عملاتها بالدولار الأميركي. وقال تيس كينسين رئيس بحوث الصرف والعملات في بنك دانسك أن مبعث القلق هنا هو أن تقوم الدول الخليجية بنقل أصولها من الدولار إلى العملات الأخرى، وذلك من خلال تنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار. وهو الأمر الذي سينعكس بالسلب على الدولار.

وتستثمر الدول الخليجية - بحسب دراسة أعدها بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك خلال العام الجاري - 25 % من احتياطياتها في أصول مقومة بالدولار. ويقدر محللون بأن العملة الأوروبية الموحدة ستكون الرابح الأكبر من قيام الدول الخليجية بتنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار، بحكم كون منطقة اليورو تعتبر أكبر شريك تجاري للمنطقة العربية، وقد قفزت صادرات منطقة اليورو إلى الدول المنتجة للنفط بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي - بحسب دراسة البنك الفيدرالي في نيويورك - بمقدار 77 مليار يورو لتبلغ 167 مليار يورو خلال الفترة من 2002 – 2006.

ويغذي ضعف الدولار بشكل عام الحديث عن إعادة التقييم، وتفاقمت حدة الوضع نتيجة لقيام بنك الإتحاد الفيدرالي الأميركي بخفض الفائدة وهو ما قاد إلى احتدام مشكلة التضخم المستورد وبناء على الأرقام الرسمية، بلغ معدل التضخم في السعودية 3.8% وعمان 5.9 %، ولكن التقديرات غير الرسمية تضع معدلات أعلى.

ويتوقع محللون أن تتراجع أسعار صرف العملات الخليجية، وإذا ما حدث المزيد من التراجع في سعر صرف الدولار، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم مشكلة التضخم المستورد، حيث صارت العملات الخليجية صارت مقيمة بأقل من قيمتها بنسبة تتراوح بين 20 و 25 %.

وقدرت جان آمريت بوسير رئيس البحوث في بنك ساراسين بزيورخ أن خروج دول أوبك من منطقة الدولار يحمل انعكاسات ضخمة وبعيدة المدى على تدفقات رأسمال العالمية.

وأضافت أن الدول المنتجة للنفط تمتلك احتياطيات تبلغ قيمتها 3.5 تريليونات دولار فان احتياطيات النقد لدى الدول المنتجة للنفط، أي ما يوازي ثلاث مرات الاحتياطيات النقدية الصينية، كما سجلت فائضا في ميزان الحساب الجاري قيمته 500 مليار دولار، أي ضعف فائض ميزان الحساب الجاري الصيني.

ومن شأن تحويل جزء من هذه الموارد النقدية إلى أصول غير دولارية أن يؤدي إلى ضعضعة مكانة الدولار. ومن المؤكد أن ليس كل شخص في عالم العملات يعتقد أن الدولار سوف يصاب بشدة من جراء قيام الدول الخليجية بإعادة تقييم أسعار صرف عملاتها .

وقال ديوانج شاه رئيس بحوث العملات في بنك »أستراليا كومنولث« انه حتى لو قامت الدول الخليجية بفك ارتباط عملاتها مع الدولار فانها لن تتحرك على هذا المسار بوتيرة سريعة، حيث من المرجح أن تتبنى أسلوبا متدرجا، وبالتالي فان هذا الأمر لن يشكل تهديدا للدولار على المدى المنظور، وأضاف أن بعض المحللين ما زالوا على اقتناع بأن الإمارات ستكون الدولة الثانية في منطقة الخليج التي تقوم بإعادة تقييم عملاتها بعد الكويت في ضوء ارتفاع معدل التضخم وتنوع اقتصادها واعتمادها الأقل على النفط.

دبي ــ مجدي عبيد