الأسئلة التي تدور حول الرواية في السينما، تقض مضاجع المخرجين والروائيين، في موقعي كل منهما على حدة، وسوية أيضاً. فكيف يمكن للفيلم أن لا يقلل من قيمة المتخيل الروائي.. وكيف يتمكن للسينمائي أن يطوع اللغة المكتوبة، ويحولها إلى لغة بصرية.. وهل تستطيع السينما أن تفعل كل ذلك بلا هدم للأساس الملحمي للرواية؟
أسئلة قلق كبيرة، هرولت على الدوام بين الفنين.. وبينما نجحت أعمال قليلة في اختراق جدار الأسئلة، إلا أن الأسئلة راوحت مكانها، وحملها السينمائيون على الدوام في أفكارهم، يحاولون إيجاد الحلول لمعضلة تبدو أبدية. وعلى ما يبدو فإن أكثر من عام على انطلاق الفن السابع لا تكفي للتقارب بين إبداعين آسرين، والتقارب المقصود هو إدغام الصوت الروائي في كادر محدد، بلا ان يؤثر في اطار محدد ونهائي. فيلم «التكفير» Atonement) (المعروض في الصالات المحلية، من الأعمال التي لا تخترق جدار الأسئلة الآنفة الذكر فحسب، بل إنها تهدم أجزاء كبيرة منه. والمخرج جو رايت نصب أفخاخاً سينمائية للرواية، المحولة إلى ملحمة صورية أهابة بمتخيلها، مستسيغاً السرد بين ثلاثة أقانيم، هي على التوالي: لغة الراوي، وسياق الأحداث الممكنة، والمتخيل السينمائي على الإقنيمين السابقين.
الكاميرا وحدها هنا تحيك بين المستويات الثلاثة.. اللغة البصرية أقوى من تعبيرات الصوت، وأقوى من اي افتراض مسبق للمكتوب عن حكاية يصنع منها جو رايت ملحمة بين العلاقات الفردية المحدودة وبين الأحداث العامة ومتن العلاقة بين الإدانة واعتراف المذنب، فالفرد الذي يؤذي ويفرق بين حبيبين لا يتوانى عن إشعال الحروب المدمرة لكل مستويات الحياة.
تبدأ حكاية الفيلم من كلمة «النهاية»، التي تطبعها فتاة في الثالثة عشر من عمرها على ختام نص مسرحي تعده عن قصة فتاة ريفية تفر مع عشيقها.. المسرحية لا تعرض، والزمن المروي عشية الحرب العالمية الثانية. شقيقة الكاتبة الصغيرة «سيسيليا» تلعب دورها الممثلة كيرا نايتلي، واقعة في غرام ابن البستاني «روبي تيرنر» يجسده الممثل جيمس ماك آفوي..
الشاب الوسيم المتعلم على حساب سيد القصر الذي يعمل فيه. الكاتبة الصغيرة «بريوني» (سايروسي رونان)، واقعة في غرام روبي أيضاً. طيران نحلة على نافذتها تجعلها ترى شقيقتها تخلع جزءاً من ثيابها أمام البستاني. تفهم ما تريد، على أساس الحب الذي يدعو للانتقام. تستغل فرصة لزائر يقيم علاقة مع ابنة عمها القاصر، وتخاف من الإعلان عنها، لتتهم البستاني بالاعتداء على القاصر، قسوة تفرق بين عاشقين، وتزوير للحقيقة يوقع العاشق في السجن ثم في آثام الحرب العالمية الثانية، التي يصورها المخرج كفعل إنساني مأسوي ليس أكثر.
والنهاية تقع ما بين متوقع حدوثه وما حدث بالفعل. الكاتبة الصغيرة تنتقل للعمل في المستشفيات كممرضة مساعدة.. تصير صبية جافة لا يقلقها أنها وحيدة من دون وجود أحد يكترث لأمرها. تتقن اللغة الفرنسية فتمسك بيد جندي ينازع، يفترض أنها الفتاة الانجليزية التي أحبها عندما كان يعمل مع والده صاحب الفرن في الريف الفرنسي.. يسألها إن كانت تحبه تقول: «نعم»، ويموت.
ليس لهذه القاسية قدرة على إحياء احدهم ولو أرادت ذلك، تروح تبحث عن «التكفير» عن الذنب الكبير الذي اقترفته، وتنتهي في مقابلة تلفزيونية تعترف فيها بكل شيء، مع إضافات افترضتها على سيرتها. التفاصيل في هذا الشريط ليست كثيفة بلا طائل، تفاصيل محدودة كذلك الرموز.. كلها تشكل الكادر المشغول بإبداع لقطات وزوايا تصوير، لمخرج يقدم شريطه الثاني بعد «الإجحاف والافتخار» المنتج منذ عامين.
أعد كريستوفر هامبتون السيناريو، وكأنه يؤلف النص من جديد، باقتباس عن نص أصلي قوي للروائي ماك إيوان. انسجم عمل السيناريست مع موسيقى الفيلم المعدة من قبل الموسيقي داريو مارينيللي. فاكتملت شروط الفيلم الروائي كنص أصبح سينمائياً وأكبر من متخيل المروي الأصلي.
«التكفير» فيلم لا يمكن مقاومته، وجبة بصرية مكتملة، انتظر النقاد والمشاهدون كثيراً ليروا عملاً بهذه القيمة، يستحق المخرج جو رايت ليس الأوسكار، وحسب بل كبرى الجوائز في كل المهرجانات الكبيرة ذات القيمة المعنوية. «التكفير» عمل ينحو لأن يكون مدرسة في الفن السابع. مدرسة ليست أكاديمية بقدر ما هي ثورية، لكن بلا ضجيج الثورات وادعاءاتها. هذه سينما تكترث لذاتها، ولذات صانعها، وللذات الإنسانية التائهة في الأمس بين إساءات الأفراد والدول للحياة وللحب والفن بالطبع.
الممثلون غنوا معاً وبصوت الصورة لحناً إبداعياً سيبقى محفوراً في ذاكرة السينما، التي كلما تطاول عليها أحدهم وادعى أنها فن ميت، كلما انتفضت من رماد احتراقها عالياً مثل «طائر الفينيق» الذي لا يطاله رصاص الكلام الطائش.
دبي ـ حسين قطايا

