لا يغرنّك كثيرا الهدوء الذي يلفّ مكاتب مؤسسة دبي لتنمية الصادرات، الواقعة في أحد مباني «مدينة دبي الطبية»، فخلال الشهور القليلة المقبلة قد لا يبقى مشتغل في مهنة الاستيراد والتصدير في الإمارات ودبي إلا ويجتاز عتبة هذا المكان. لقد مضت شهور قليلة، منذ أن أصدر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس المجلس التنفيذي في دبي، قرارا بتعيين المهندس ساعد العوضي مديرا تنفيذيا للمؤسسة التي تضع في رأس أولوياتها ضخ المزيد من الوقود في عجلة قطاع التصدير.

اليوم، يبدو العوضي مستعدا لمواجهة التحدي الرئيسي: «أن نحدث التوازن في العملية التجارية فنفعّل التصدير بنفس مستوى إعادة التصدير، خاصة أن الأول يوفر إفادة أكبر للاقتصاد الوطني، كون القيمة التي يضيفها للناتج المحلي أكبر من تلك التي يوفرها نشاط إعادة التصدير بحوالي 35%». مفردة التصدير تستدعي على الفور مفردة أخرى في قاموس الاقتصاد: الصناعة الوطنية، يقول العوضي «لا تصدير حقيقيا من دون صناعة وطنية».التفاؤل الذي يسيطر على أجواء المكان، كما رائحة الأثاث الجديد، مرده مقومات حقيقية تمتلكها المؤسسة وخطط عصرية تواكب أحدث الأشكال التي اتخذتها التجارة في العالم. «نقص معلومات لدى المصدّر»، ليس بعد الآن، بالتأكيد. فالمؤسسة تستطيع أن توفّر لأي مشتغل في قطاع الاستيراد والتصدير وإعادة التصدير معلومات عن ـ ولنحبس انفاسنا ـ 60 مليون شركة حول العالم.

ورغم أن عدد موظفي المؤسسة لا يتجاوز في الفترة الحالية أكثر من أربعين موظفا، إلا أنه ليس مؤشرا عما تملكه من بيانات متوافرة في أجهزة الكمبيوتر الموضبة على المكاتب.يقول العوضي إن أي مشتغل في هذا القطاع بوسعه أن يقصدنا ويخرج محملا بلوائح تنصحه بالشركات التي يجب أن يتعامل معها وتلك التي يجب أن يعرض عنها، إضافة إلى الأسواق الآمنة والأكثر جذبا للاستثمار، مع تفصيلات عن القطاعات بشكل خاص وأجزاء القطاعات أيضا: «لدينا معلومات عن كل شيء، بدءا من فول الصويا وآليات تصديره إلى الولايات المتحدة، وصولا إلى الحديد وآليات استيراده من البرازيل».

ليس الصويا والحديد فقط، فكل ما يصدّر إلى الخليج وايران والشرق الأوسط، مرورا بالأسواق الواعدة في افريقيا وآسيا واستراليا، وصولا إلى دول الاتحاد الأوروبي الذي تقترب الإمارات من توقيع اتفاقية التجارة الحرة معها، بياناته محفوظة لدى المؤسسة. يشبه الأمر بالنسبة إلى أي مصدّر حصوله على «كنز من المعلومات» يغرف منه كيفما شاء، ولقاء عضوية تحت مظلة المؤسسة.

نقطة واحدة للتوقف

الأمر الثاني البارز في الخدمات التي تقدمها المؤسسة يتمثل بما يسميه العوضي «ONE STOPE EXPORT INFOSOURCE».

هذا يعني نقطة واحدة يقصدها المصدر للحصول على المعلومات وإتمام الإجراءات كافة في مكان واحد، بدل التنقل بين 5 جهات، على الأقل، كما هو حاليا. نافذة واحدة في مؤسسة دبي لتنمية الصادرات ستكفي، بدل الوقوف عند نوافذ وزارة المالية والصناعة، وغرفة التجارة ودائرة التنمية الاقتصادية ووزارة الاقتصاد وسلطات الموانئ والجمارك.

هذا لا يعني أن تلك ستقف نوافذها، لكن المؤسسة ستلعب دور الوسيط بين صاحب المعاملة وكل تلك الجهات: «على سبيل المثال، بوسع طالب شهادة المنشأ ان يقصدنا، ونحن نلجأ إلى الغرفة التي تصدرها له، من دون الحاجة إلى أن يتوجه بنفسه إلى الغرفة».

لكنّ التسهيلات لا تقف عند مستوى «الأوراق» فقط، وهذا ما يحيلنا إلى خدمة ثالثة تقدمها المؤسسة، وتحمل معايير عالمية، وهي ما يعرف بـ EXPORT INDUSTRIAL ZONE. ان هذا يعني «واحة المصنعين» التي تدعم احتياجاتهم الرئيسية مثل الحصول على وقود بأسعار تنافسية لتشغيل مصانعهم، وتوفير أراض لبناء هذه المشاريع مع تسهيلات على مستوى الدفع، وخلق صلة الوصل بين المشاريع الصغيرة والمتوسطة بشكل خاص، وبين الجهات الممولة لهذه المشاريع: «هذه الواحة تعني بيئة صناعية توفر مزايا تنافسية للمنتسبين اليها». هذا يذكرنا قليلا بالخدمات التي تقدم في «المناطق الحرة»، أليس كذلك؟

يجيب العوضي: «إنها بيئة مختلفة فيها الجانب الخدماتي، لكنها تشترك مع الجهات المعنية مثل وزارة الصناعة بدعم المصدرين بشكل مباشر». لا يجب المبالغة هنا، وتخيل أسعار مجانية للوقود وحسومات هائلة على أسعار الأراضي، «فهذه ليست وظيفتنا، لكننا سنذلل كل الصعاب التي تعترض المصدرين عادة في هذه المجالات».

الجهات الأخرى قد تكون أيضاً شركات عملاقة تعمل على فتح أسواق جديدة أمام المصدرين، مثل موانئ دبي العالمية وشركة طيران الإمارات، اللتين تتجه مؤسسة تنمية الصادرات إلى علاقة شراكة قوية معهما، تتركز حول الإفادة القصوى من نشاطهما في الأسواق الحالية والواعدة للتصدير.

تصدير المعرفة

لكن من قال إن كل ما يصدّر تلفّه ألواح ألمنيوم الحاويات. المعارف لا يتم تصديرها في الحاويات، ودبي، خلال السنوات الماضية نجحت، عبر شركاتها العملاقة، في تصدير معرفة اقتصادية وتجارية إلى مختلف أنحاء العالم. اتصالات، طيران الإمارات، هيئة الطرق والمواصلات، الحكومة الالكترونية، كبرى الشركات العقارية..

وغيرها الكثير هي شركات باعت خبراتها، ونماذج من عملها، إلى شركات في دول كثيرة. ومؤسسة تنمية الصادرات تهدف أيضاً إلى دعم هذا الجانب التصديري عبر مزيد من الشراكات، التي تعلن المؤسسة عن إحداها في مؤتمر صحافي ظهر اليوم.

الأول من يناير المقبل، موعد حاسم بالنسبة إلى المؤسسة، إذ إنه التاريخ الذي حدد للمباشرة الفعلية لعملها وتقديمها الخدمات إلى «أي مشتغل في مهنة التصدير في الإمارات كلها»، كما يؤكد العوضي. بعد الأول من يناير سيتحول الهدوء في ذلك المبنى الحديث إلى صخب ونشاط. لعله الهدوء الذي يسبق العاصفة.

ضمان الائتمان: مشروع لتعويض خسائر المصدرين في مواجهة المخاطر

لعلّ أحد ابرز المشكلات التي تواجه أي مصدر أو مستورد اليوم تتمثل بالخسائر التي يمكن أن يبتلى بها إذا تقاعس احد طرفي النشاط التجاري عن الوفاء بالتزاماته المادية، نتيجة أسباب طبيعية أو شخصية: «تتزايد عمليات الاحتيال، أو الكوارث الطبيعية، ويخسر الكثير من المصدرين بسببها أموالهم». في هذا المجال، تتجه مؤسسة تنمية الصادرات إلى تقديم خدمة فريدة من نوعها في الدولة، وهي «ضمان الائتمان»، الذي يفسر العوضي أنه يعني: «ضمان حصول صاحب البضاعة على حقه 100%، إذا واجهته أي مشكلة».

في هذه الحالة، تتحمل المؤسسة 20% من تكلفة الخطر والباقي تتحمله شركات تأمين تتعامل مع المؤسسة. كل ما يقتضيه الأمر من المصدر ان يدفع بالمقابل عمولة لا تتجاوز 1% من حجم عمليته التجارية إلى المؤسسة: «من شأن هذه الخطوة توفير هامش من الأمان لجميع المخاطر التي قد يواجهها المصدرون وتؤدي أحياناً إلى عدم حصولهم على قيمة صادراتهم، وتندرج تحت هذه الاحتمالات الأسباب الشخصية أو التجارية أو السياسية أو أسباب تتعلق بالشحن والنقل».

ويشرح العوضي أن قانون ضمان الائتمان عرف في نهاية القرن التاسع عشر، ويُرجع البعض تطور هذا القانون في دول أوروبا الغربية إلى فترة ما بين الحربين العالميتين، حيث عملت الشركات على إدارة مخاطر التصدير في هذه الفترة عبر استحداث قوانين لضمان ائتمان الصادرات. ويُستخدم هذا المصطلح على وجهين هما: ضمان الائتمان ضد المخاطر التجارية، وضمان الائتمان تجاه المشكلات التي قد يتعرض لها المدين. وتعتمد الشركات على قوانين ضمان الائتمان للتأكد من قدرتها على تحصيل أموالها في حال إفلاس المدين أو عدم قدرته على السداد لأي سبب كان، غير أن هذه القوانين ليست متاحة للأفراد وتختص فحسب بالمؤسسات.

ومع اتساع مفهوم ضمان الائتمان في التسعينات، اشتهرت أربع شركات حول العالم بتوفير هذه الخدمة التي بدأت في أوروبا الغربية، وانتشرت بسرعة في أسواق أوروبا الشرقية وآسيا والأميركيتين. وبدأت أغلب الدول الصناعية والعديد من دول المنطقة تلتفت إلى أهمية تأسيس وكالات ضمان لتقديم تسهيلات للمصدرين لتحفيزهم على تطوير منتجاتهم وتنويعها والمحافظة على مستويات جودة ونوعية تُمكنها من المنافسة في الأسواق الخارجية.

«يساهم تأسيس شركة لضمان ائتمان الصادرات في دبي، في ترسيخ المكانة التجارية والمالية للإمارة وفتح آفاق جديدة للمستثمرين. كما يمنح وجود شركات من هذا النوع البنوك دعم وطمأنينة عند إصدار ضمانات تمويل الصادرات والحد من خسائرها».

وأوصت دراسة الجدوى التي أعدتها مؤسسة دبي لتنمية الصادرات لتنشيط قطاع التصدير وتعزيز المركز المالي لدبي في المنطقة، بأن تأسيس شركة أو وكالة خاصة لضمان ائتمان الصادرات تطبق مفهوم التكافل الإسلامي، سينعكس بشكل إيجابي على قطاع الصناعة وحركة الصادرات في الدولة. وتستهدف شركات ضمان الائتمان، التجار والمصنعين والمعنيين بالتصدير إضافة إلى الراغبين بالاستفادة من خدمات ضمان الائتمان لتوسيع أعمالهم وتجارتهم المفتوحة في ظل تخفيض مخاطر إمكانية عدم الوفاء بمدفوعاتهم.

كما ستتمكن البنوك من الحصول على الحسابات الدائنة لعملائهم وتوسيع نطاق التسهيلات المتاحة. ويدعم نظام ضمان الائتمان المصدرين وفق محاور عدة تبدأ بالسماح لهم بالتوسع في أسواق جديدة وتقديم عروض أفضل عند المنافسة مع منتجات شبيهة في الأسواق الخارجية عن توفير تسهيلات للمشترين، وصولاً إلى مساعدتكم في الحصول على تمويل بشروط معقولة وتقديم التعويضات له عن أي خسارة يمكن أن تحدث.

وتعتبر رسوم ضمان ائتمان الصادرات منخفضة نسبياً من ناحية الأقساط مقارنة بأنماط التأمين التقليدية ما يجعله نظام تأمين جديرا باهتمام المستثمر.

وتحصل مؤسسات تأمين ضمان الصادرات في معظم الدول على دعم حكومي حيث أن غالبية الدول الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي تتمتع بدعم حكوماتها لمواجهة مخاطر التصدير، وهو الأمر الذي نتوقع أن توفره حكومة دبي لدعم المصدرين والبنوك في المنافسة مع نظرائهم في دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.

دبي ـ إبراهيم توتونجي