على الرغم من أن الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (الحائز على جائزة نوبل للآداب) صانع أحلام من الطراز الأول يقيم عوالمه السحرية في فضاءات مطلقة وسماوات مفتوحة من الخيال، إلا إنه طالما أبدى تردداً من تحويل رواياته الكبيرة إلى السينما، خوفاً من أن تعجز الأخيرة عن مجارات الخيال المطلق في رواياته.
وكانت تجربة تحويل روايته السابقة «وقائع موت معلن» إلى فيلم سينمائي لم يعد له جيداً في إيطاليا، ماثلة أمامه دائماً، ولعله السبب الذي جعله يحجم عن بيع حقوق رواياته إلى السينما، على الرغم من المحاولات الكثيرة التي بذلها عدد من المنتجين، باستثناء رجل واحد في الحقيقة، لم يفقد الأمل وظل يراود الكاتب على مدى أكثر من أربع سنين متواصلة، إنه سكوت ستيندورف، الذي قال لماركيز مرّة:» كم انتظر فلورنتينو من أجل حبه؟ ويقصد به فلورنتينو أريزا بطل رواية «الحب في زمن الكوليرا».. خمسون عاماً.. سأنتظر حتى تقتنع؟».
الآن.. وبعد أن مضى على تلك الأحداث أكثر من عامين، شهد الجمهور في مهرجان ريو السينمائي الدولي الأخير في البرازيل، العرض الأول لفيلم «الحب في زمن الكوليرا»، في محاولة جريئة لتكييف الرواية الكبيرة التي تحمل الاسم ذاته لمتطلبات العمل السينمائي، وحضر حفل الافتتاح مخرج الفيلم مايك نيويل، والمنتج سكوت ستيندورف نفسه والممثلون جيوفانا ميزو غيورنو، وخافيير بارديم، وبنجامين برات، وجون ليوغويزامو، وكاتالينا ساندينو، ومديرالتصوير ألفونسو بياتو، وكان الغائب الأكبر ماركيز نفسه الذي تقلقه ردة فعل الجمهور إزاء الفيلم، رغم أنه شاهده أكثر من مرة، وكان سعيداً للغاية بالمعالجة الفذة، ونجاح المخرج الكبير في تجسيد أجواء الفيلم السحرية الآسرة وعوالمه الغامضة.
وكانت شركة «ستون فيليج بيكتشرز» التي صنعت الفيلم بميزانية إجمالية بلغت 50 مليون دولار، قد تعاقدت مع المغنية وكاتبة الأغنيات الكولومبية الشهيرة شاكيرا لوضع أغنيات وموسيقى فيلم «الحب في زمن الكوليرا» بالتعاون مع الموسيقي البرازيلي البارز أنطونيو بينتو. ويروي فيلم «الحب في زمن الكوليرا»، كما الرواية، قصة حب ثلاثية أطرافها «فيرمينا دازا» الفتاة النبيلة وسليلة العائلة الأرستقراطية والعذراء دائماً التي تتحول على مدى خمسين عاماً إلى سيدة راقية لم تمارس الحب في حياتها على الإطلاق، وحبيبها فلورنتينو أريزا وحبه المنفلت الذي يتمكن من كتمانه لعقود طويلة من السنين.
والطبيب جوفينال أوربينو صاحب الحب المثقف والمخلص دائماً، تلك العلاقة الغريبة والمركبة التي تبدأ من العام 1880 حتى العام 1930، وتدور أحداث الفيلم في مراحل تاريخية في الماضي في مدينة قرطاجنة الكولومبية التي شيدت مشاهد محاكاة لها في قرية كارتاغينا الكولومبية في أجواء مشابهة لأجواء الرواية.
مارك نيويل.. مخرج الجوائز
ولد المخرج مارك نيويل في بريطانيا وعمل مدة طويلة في التلفزيون قبل أن يوجه اهتمامه إلى السينما أوائل الثمانينات، وصنع في بريطانيا عددا من الأفلام المهمة مثل: «الصحوة» عام 1980، و«دم رديء» عام 1981، و«الرقص مع الغريب» عام 1985، الذي لعبت فيه الممثلة ميرندا ريتشاردسون دور روث ألس، أخر امرأة تشنق في بريطانيا العظمى، وفاز وقتها بجائزة المخرجين الشباب في مهرجان كان السينمائي في العام 1985.
وفي العام 1999 صنع فيلم أربع زيجات وجنازة، وهو من الأفلام الكوميدية التي حققت نجاحاً كبيراً وفاز بجائزة سيزار لأفضل فيلم أجنبي وجائزة الكولدن كلوب وجائزة النقاّد البريطانيين. بعد ذلك، اقتحم نيويل هوليوود بقوة كاسحة، فصنع هناك مجموعة رائعة من الأفلام الكبيرة، نذكر منها:» دوني برسكو» بطولة آل باشينو وجوني ديب، و«ابتسامة الموناليزا»، مع جوليا روبرتس وكريستين دونست. وفي العام 2005 أصبح نيويل أول مخرج بريطاني يخرج فيلماً في سلسلة أفلام هاري بوتر الشهيرة، عندما أخرج الجزء الرابع منها «هاري بوتر وكأس النار».
حكايات ماركيز على الشاشة
هناك العديد من الأفلام التي أنتجت بالاستناد إلى روايات ماركيز وقصصه القصيرة على مدى الثلاثين عاماً الماضية، نذكر منها، فيلم «ماريا عزيزتي»، وهو إنتاج مكسيكي في العام 1979، عن رواية ماركيز القصيرة، إيرنديرا الطيبة وحكايتها العجيبة، وفيلم «وقائع موت معلن» في العام 1987، وهو إنتاج إيطالي ـ فرنسي مشترك في العام 1987، عن الرواية المعروفة بالاسم ذاته لماركيز.
وفيلم «رجل عجوز جداً بأجنحة متهدلة» في العام 1988، وهو إنتاج كوبي من إخراج فيرناندو بيري باللغة الإسبانية عن رواية قصيرة لماركيز تحكي قصة رجل طاعن في السن تتضايق منه عائلته فتلقيه في قن الدجاج ليعيش هناك في محاولة للتخلص منه، وبعد معايشة طويلة للدجاج تنمو للرجل فجأة أجنحة كبيرة ويصير أعجوبة القرية الفقيرة والقرى المجاورة.
لكن عائلته تعود وتستغل حالته الجديدة وتبيعه في مهرجان أتموسفير كملاك عجوز، وهناك أفلام أخرى كثيرة مثل: «عيون الكلب الأزرق» في العام 1994، وفيلم «ليس لدى الكولونيل من يراسله» في العام 1999، عن الرواية الشهيرة بالإسم ذاته، بالإضافة إلى الكثير من الأفلام القصيرة والوثائقية التي صنعت بالاستناد إلى أدب ماركيز أو عنه، أغلبها مفقود حالياً، وجاري العمل لجمعها وتوثيقها.
أمستردام ـ محمد حيّاوي



